ليال الحربي - أبو چوقي...

كان يقود كوسترا على خط الشورجة – الحي، استقرت سيارته في أول الخط. يرفع أبو چوقي رأسه ويفرد ذراعيه للمقود يشعل المحرك ويترك الباب الأمامي مفتوحا. يبدأ الناس بالتقاطر موظفون، عمّال وحماميل ونساء يحملن أكياسا. كل نفر يصعد وهو يرمي التحية نفسها
ـ ها أبو چوقي
فيرد من طرف أنفه:
ـ اصعدوا
ـ صباح الخير
ـ صباح الـراح وما أجه
المذياع يبث القرآن
ـ ما هذا؟ مشغّل قرآن؟
عيناه مثبتتين على الطريق ويداه على المقود لكن صوته موجّها إلى الركاب في الخلف:
ـ خوات الـــ.. لعد شنو أشغّل الكم؟ صبيحة ذياب؟ إنتم مال قرآن من الصبح؟
ضحك واحد، تنحنح آخر وسكت الباقون ثم مال برأسه ومد يده نحو المذياع وخفض الصوت مخاطبا القارئ بصيغة الأمر: دااسكت..اسكت.

أبو چوقي سائق كوستر للنقل الداخلي أصلع وذو كرش يسبقه وعَلاقة مفاتيحه تتأرجح حول عضوه مثل هيلاهوبا. لقب ابتلع اسمه فلا أحد يناديه بصادق الجميع يعرفه بـ"أبي چوقي". في آخر الليل يغسل سيارته كما لو كانت فردا من عائلته ومع أول خيط من الضوء يخرج بها طلبا للرزق.

أخذ الركاب يصعدون واحدا تلو الآخر وما إن امتلأت معظم المقاعد حتى راحت الأجرة تشق طريقها من يد إلى أخرى. يخرج كل راكب ما في جيبه ويناوله إلى الجالس أمامه حتى تتجمع النقود وتصل جميعها إلى السائق في المقدمة. قد يتساءل أحدهم "كيف يعرف من دفع ومن لم يدفع؟"، يجيبهم بخبرة العارف: الحمار حين يصعد إلى السيارة، لحافره صوت. واحد يعني ألف واثنان يعني ألفين... أعرفهم من وقع حوافرهم. ولأن الباص لا يتسع إلا لإحدى وعشرين راكبا وكان في جيبه سبع عشرة أجرة فقط فيما كانت أذناه قد أحصتا وقع عشرين حافرا، فانتفض بهم صارخا:
ـ بقي ثلاثة ركاب، من الصباح، عساكم ما صبحتوا
شقت أجرةٌ طريقها بين الأيدي حتى استقرت في كفه، وصاخ بهم ثانية:
ـ بقي اثنان وحتى فطوري لم أتناوله بعد، أين الاثنان؟
وصلته أجرة
ـ بقي واحد... يا رجال، أين الخمسمئة؟
أشار إليه رجل من الشارع:
ـ شورجة؟
فردّ بامتعاض:
ـ إلى أين؟ إلى مكة؟
ثم عاد إلى الركاب وأكمل صياحه:
ـ بقيت خمسمئة دينار... خمسمئة.. خمسمئة
قال أحدهم له:
ـ أبا چوقي، دعها هذه المرة لوجه الله
ـ وأنا منذ الصباح أتصدق بخمسميات!
أخذ يهتف بـ آخر الأجرة!، إلا أن النقود لم تشقّ طريقها إليه، وما إن عبر قناة الجيش حتى رفع يده وجمع الإبهام بالسبابة على هيئة حلقة ولوح ببقية أصابعه وهو يتمتم ناقما بالركاب: الخمسمئة بعِرضه، بشرفه، بناموسه.

لكل مهنة حدسها وأبو چوقي امتلك حدس السائق الذي لا تخدعه قطعة نقود تختبئ في جيب راكب. كان يعرف من لم يدفع لكنه لا يفضحه. يطلق صرخته في الهواء، لا في وجه أحد ويترك البقية لضمير الراكب. فإن استيقظ الضمير شقت الأجرة طريقها بين الأيدي حتى استقرت في كفه وإن ظل الضمير نائما، مضى في طريقه كأن شيئا لم يكن، فلا اسم يُذكر ولا إصبع تُشير.

أوقف الكوستر بمحاذاة ثلاث سيارات مصطفّة وأطفأ المحرك واتجه إلى الصدرية، الحي الذي اشتهر في بيع الطعام بعدما استقر فيه كثير من الكراد الفيلية حتى صار للكردي علامة تجارية لا ينافسه فيها أحد وهي النظافة. طلب مخلمةوشايا، غمس مكعب السكر في شايه كما لو أنه يغمسه في مشروب كحولي وبعد أن فرغ منهما قال لنفسه " لأغسل وجهي." كان قد خرج بوجهه كما استيقظ، تلك عادته كل صباح، يلتقط أول أجرة ثم يفطر ويشرب الشاي ويدخن. بعد ذلك فقط يغسل يديه ووجهه.

ارتفع صوته الخارج من مؤخرة حنجرته: حي... حي... حي. صعدت امرأة عباءتها ملقاة على جسدها كيفما اتفق وحجابها لا يختلف عنها كلاهما بلا ترتيب كأنها ارتدتهما على عجل ثم سألت وهي تتلفّت:
ـ حي؟
أجابها من غير أن يلتفت إليها:
ـ لا بجانب سوق الفتاة التي فقدت عيناها، اصعدي صوچالعافچ
ـ شبي العافني؟ شبي العافني
ـ اهووووو. كامت ترطن إنجليزي

أعقبتها امرأة مسنة يزين ذقنها وشم يعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي مع عصابة سوداء على الرأس وتلف جسدها بعبائة، جلست المرأة إلى الأخرى ما إن استقرّت حتى قالت:

ـ اللهم صلِّ على محمدٍ وآل محمد.. اللهم صل على محمد وآل محمد

ـ يا حجية، هذه ليست سيارة الكاظمية

ـ ما الضرر؟ الصلاة على محمد لا تضيع طريقها، من الفائدة إكثار الصلاة على محمد وآل محمد، اللهم صل علـ...

التالي رجل نحيل طويل كقلم رصاص. تفوح من ثيابه وجسده رائحة الشمس ممزوجة بالعرق والغبار جلس إلى جواره في المقعد الأمامي وما إن استقر في مقعده حتى ضغط أبو چوقي زرّ مرشّة الزجاج الأمامي. اندفعت خيوط الماء ومسّاحات الزجاج تلاحقها ذهابا وإيابا. كان السائقون يملؤون خزّانها بالماء وسائل تنظيف ثم يرشون الزجاج كلما تراكم عليه غبار الشارع وفضلات الذباب. قال الرجل وهو يراقب خيوط الماء تنساب على الزجاج:

ـ لا مطر اليوم ولا طين... فلماذا شغّلت المرشّة؟

التفت إليه أبو چوقي بطرف عينه وقال:

ـ إنها الوساخة، الوساخة. أما تشمّ رائحتها؟

تلاه رجلٌ يملك أذنين نافرتين كأذني فيل يرجع نسبهما إلى عشيرة السودان وما إن أغلق الباب حتى صاح السائق وهو يطالع الطريق أمامه: سنطير، سنطير!. وضغط الهورن بلا انقطاع: طييططيييط

الراكبة التالية امرأة في الثلاثينيات من عمرها. ترتدي عباءة سوداء وتحتها شعرٌ مرفوع فوق الهامة. برزت من العباءة يدان مخضبتان بالحناء ومن أسفلها جوارب سوداء مشبكة، كانت تمضغ العلكة ببطء تمد شفتيها وتضمهما بإيقاع رتيب. رفع السائق عينيه إلى المرآة الطويلة المثبتة على جانب السيارة، تلك التي وضعها لتوسيع مجال التلصص. راح يلاحق وجهها في المرآة فيما انطلقت من المذياع أغنية (حبيب أمك متقبل من أحاچيك/ روحي معلگة بيك// ترررنررن)، وفي الوقت نفسه ارتفع الأذان من الجوامع فامتزج الغناء بالنداء داخل الكوستر.

لمح عائلته. أشارت إليه لكنه أدار وجهه وتظاهر بأنه لم يرهم ثم انطلق قبل أن يتوقف. تمتم وهو يضغط على المقود: هسه وقت حبيبتي وحياتي!!

أوصل آخر راكب وأدار الكوستر نحو البيت، دخل المنزل يحمل أكياسه كأيّ ربّ أسرة أنهى يوم عمله. وما إن عبر العتبة حتى انطفأ أبو چوقي الذي يلتهم النساء بعينيه من المرآة ويأكل العالم بلسانه ولا ينجو من نقده حتى الطير المارّ من الزجاج الأمامي. دخل البيت زوجا مطيعا. ألقى الأكياس في المطبخ ثم ألقى بجسده على السرير من دون أن يفك حزام بنطاله، ونادى:

ـ حبيبتي ماذا طبختِ للغداء؟ وماذا أعددتِ للعشاء؟

قالت له زوجته:

ـ رأيناك اليوم ولوّحنا لك

ـ أقسم بروح أبي، لم أركِ. كان شرطي المرور يلاحقني بدراجته، يصرخ بي من الخلف تحرّك، تحرّك. لم يكن لدي وقت لأنظر إلى أحد.

مضت الأيام على هذا النحو رحلةٌ إلى الشورجة وأخرى إلى الحي ثم العودة من جديد حتى أقبل موسم الزيارة الأربعينية فانقلبت حياة أبي چوقي إلى عجلة لا تتوقف. يتناوب أبو چوقي وأخوه قيادة الحافلة. ينطلق أحدهما من بغداد إلى مهران يحمل الزوار إلى كربلاء ثم يعود بفوج آخر إلى مهران ثم العودة إلى كربلاء، الوجوه نفسها والأخوان يتناوبان على القيادة والنوم والرحلات التي لا تنتهي.

بعد أسبوع من الأخذ والرد، أنهك التعب أبا چوقي. شغل لطميّة إيرانية وكان صوت المنشد الحاج مهدي رسولي يملأ الحافلة وأخذ ينادي من نافذة الحافلة كلما مرّ بمجموعة من الزوار: كربلاء مستقيم! كربلاء مستقيم!. لم يحتج إلى أن ينادي هذه المرة. ما إن توقفت الحافلة حتى صعد الزوار من تلقاء أنفسهم، صاح بهم: بار محمد... صلوات
فأجابوا جميعا بصوت واحد:
ـ اللاهم صلِّ على محمد وآل محمد

قال أبو چوقي لنفسه عـ.. ر بكـ.. نسوانكم. اگعدوا

ثم أخذ يجمع أجرة الطريق لأن الطريق مستقيم مباشرة نحو كربلاء جهة الوصول. الزوار يسألونه بالفارسية عن قيمة الإجرة فيجيبهم بالفارسية أيضا ويذكر المبلغ بالتومان. في موسم الزيارة، سائق الأجرة العراقي يتحول إلى إيراني مؤقت يعرف الكلمات التي يحتاجها السوق ويحسب الأجرة على سعر صرف الدولار قبل أن يطوي النقود في جيبه. أغلق الباب وشغّل جهاز التبريد ثم أطلق بوقه المميز: ططاره رط طاره طَه، ططاره رط طاره طَه. التفت إليه سائق حافلة أخرى وصاح:
ـ إلى أين؟
أشار أبو چوقي بيده إلى الأمام
ـ مستقيم. إلى الأمام
ضحك صاحبه وسأله:
ـ مستقيم؟
هزّ رأسه وقال:
ـ تعبت
ما إن غادر جصّان حتى سلك طريق بغداد. سأله أحد الزائرين: لماذا أخذت طريق بغداد؟
ـ طريق مختصر

أوقف الكوستر فجأة وأشار بيده إلى قبتي الإمامين الكاظم والجواد الذهبيتين وقال لهم بثقة:
ـ هذا الحسين. ما إن وقع بصر الزوار على القبتين حتى ارتفعت أصواتهم: إمام عباس. إمام حسين. بر محمد صلوات لكنهما قبتين
ـ العباس لا يفارق الحسين

وما إن نزلوا في الشارع المؤدي إلى الكاظمية حتى أخذوا يهتفون: وآ حسينا. وآه مظلوما

تجمّع الناس حولهم يسألون باستغراب:
ـ يا جماعة، إلى أين؟
ـ حسينا
ـ يابا هذا الكاظم والجواد

عاد أبو چوقي وأخوه إلى البيت بينما يستريح من أسبوع العمل هذا فالزيارة تطول. في الرحلة التالية، وما إن عاد إلى منفذ مهران حتى كان السائقون قد سبقهم الخبر، فأخذوا يعاتبونه:
ـ يا أبا چوقي، لماذا تفعل هذا بالزوار؟
فيبتسم ويقول:
ـ بل أنا أصنع لهم معروفا واجلب لهم حسنات
ـ وكيف يكون ذلك؟
ـ أليس الأجر على قدر المشقة؟ كلما زادت مشقتهم زادت حسناتهم.

وقف فجأة وأطلق نداء مدويا: شيييييل، فجاءه الرد صفيرا جانبيا حادا من شقّ فم أخيه ومشى خلفه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى