صابر رشدي - الرومانسي الأخير...

هناك، على الرصيف المقابل، في مواجهة المؤسسة التي تعمل بها، وقف يراقب المدخل، يحسب الثواني المتبقية بصبر نافد ورغبة قوية في رؤيتها، إثر تدخينه علبة سجائر بعود ثقاب وحيد، بدأ به إشعال السيجارة الأولى؛ ثم راح بعدها يشعل سيجارة من الأخرى.
قال في نفسه وهو يدقق النظر، مركزًا اهتمامه على البوابة الكبرى:
«لن أدعها تفلت هذه المرة»
إنه العشق الذي يتجاوز الوصف، ويجعله مطاردًا لها في كل أوقاته؛ فلا شيء يستطيع إزاحة انعكاس صورتها عن كل ما يحيط به، أو يخفف من حضورها المسيطر؛ فهو دائمًا ما يحتشد بقصائد الغزل الشهيرة في حضرتها، محاولًا إكساب أسلوبه رقة متناهية تسعفه عند الحديث معها، حيث يبدو كالطفل اليتيم عندما يمر يوم دون الذهاب إليها، كعادته منذ قام بخطوبتها، مرددًا بين يديها كلمات الحب التي يحفظها عن ظهر قلب من «أوفيد» حتى «نزار»، بهمس دافئ، وتهذيب مبالغ فيه.
محبة حقيقية تتدفق في مساءاته معها، مشفوعة برهافة الحس، وتعبر عن طبيعته الخجلة..
ها هو الآن، في المكان المشؤوم، الذي ظل ماكثًا فيه بالأمس، التوقيت ذاته، واللهفة نفسها تقريبًا، مع شعور مضاعف بالحيرة. لقد حضر راغبًا في مفاجأتها، موقنًا أنها ستطير فرحًا عندما تراه للمرة الأولى أمام مقر عملها، ناويًا دعوتها إلى أجمل مكان يخطر لها، جنة على النهر، مكان يفوح برائحة الورد، تغرد فيه الطيور، وتُعزف في جنباته الموسيقى الحالمة، إخراجها من الجو الرتيب لحياتها الوظيفية، الذي انعكست تأثيراته القاتمة على ملامحها، الاستماع إليها لمرة واحدة، وهي تتحدث بطريقتها العذبة، فهي تعمل منذ الصباح الباكر لتعود آخر اليوم منهكة. لا شيء غير هذا الروتين المعذب: العمل/ البيت. ثنائية الإرهاق والملل التي تحتاج إلى التغيير والتحرر، مفكرًا في إنهاء هذه الجولة بإعطائها حرية اختيار خاتم ذهبي يليق بجمالها، ويجعلها فرصة سانحة لتوسيع مجال محبته.
لكن ما حدث بالأمس ما زال يؤرقه: لقد التقطها من عرض الطريق شخص آخر، لا شيء فيه لافت للنظر، اقترب منها، باسمًا، لتنخرط معه في حوار فوري، تشابكت بعده أيديهما..
إنه يقضم أظافره، نافيًا ما حدث. فهو يعلم ميلها إلى الصمت وقلة الكلام، ويحتسب ذلك من فضائلها.
إذن، ما جرى لم يكن سوى أوهام قاتلة، جسدتها حقيقة تعلقه بها: «لا، لم يحدث شيء، لم يحدث شيء». بدا كالمريض، لا يدري ما اسم هذا الجنون الذي يعتصره وينهش أعصابه، ولا يجد تفسيرًا له، فهو لا يرى في أحلامه ويقظته سوى صورتها.
ما زال يتحرك داخل مساحة صغيرة، ينظر إلى ساعته، ويتطلع إلى المدخل، متعجلًا مرور الزمن الذي شعر به ثقيلًا، بطيئًا، لا تُحتمل وطأته.
بعد مرور بعض الوقت، ظهرت جموع الموظفين تتقاطر خارجة من المؤسسة، جمع بشري يفيض ويتناثر في الطريق. ما جعله يشعر بارتياح طفيف. إنه الأمل واقتراب اللقاء، زوال آلام الساعات الفائتة، وضع حد للشكوك، واستعادة الثقة.
أخيرًا، ها هي تطل بقوامها الفارع، وجسدها المثير مثل مهرة جامحة تحتاج إلى الترويض، رافق ظهورها رعشة خفيفة ألجمت تفكيره، لكنها محت الهواجس عن ذهنه، وجعلته ينظر إليها مليًا، مفعمًا بالحب، ونادمًا على سوء ظنه. كانت تتهادى في مشيتها، تعيد شعرها إلى الوراء، بطريقة محببة وهي تخطو فوق الأرض، على نحو يكشف عن ثقتها في نفسها.
ظل يرقبها بشيء من الشجن، فهو كثيرًا ما يقع في حالة من عدم التصديق بأن هذه الفتاة خطيبته، لقد بدت من مرصده هذا كنجمة سينمائية ذات تفاصيل فاتنة: نظرة متعالية وأنوثة متفجرة، خليط مذهل من النرجسية والإيروتيك، يغري العين بالانجذاب إليها.
تحرك من مكانه، قاصدًا اللحاق بها وهو يتذكر صدودها، ولهجتها الغاضبة عندما حاول لمسها ذات مرة: «كل شيء لك، لكن بعد الزواج». هذا الموقف الذي ضاعف تقديره لها، وألهب مشاعره. وجعله يتذكر حسد أصدقائه عندما تقدم إليها، وموافقتها عليه منذ اللحظة الأولى، بتلك الفرحة الغامرة التي لم تحاول إخفائها، بعد رفضها لكثيرين قبله.
كانت هذه اللحظات تمنحه مخرجًا مناسبًا يلقي عليه معاناته، بعيدًا عن التوهمات والوساوس المدمرة، ما جعله يستريح قليلًا لأنه لم يفاتحها بالأمس عما جرى، خوفًا من وقوع هذه العلاقة تحت مقصلة النهاية، وجعل خسارته لها حقيقة مؤكدة.
فكر في أن يسرع الخطى، حتى يقترب منها، ويفاجئها بحضوره..
لكن، قبل أن يصل إليها بخطوات قليلة، وجده هناك، يسبقه إليها، يلتقطها من عرض الطريق: شخص آخر، لا شيء فيه لافت للنظر، اقترب منها، باسمًا، لتنخرط معه في حوار فوري، تشابكت بعده أيديهما..
ما جعله يتوقف في مكانه، مشدوهًا كالتمثال، يراقبهما في كمد، شاعرًا أن العالم بدا يدخل في ظلام دامس، وهما ينعطفان إلى أول شارع، ويغيبان عن وعيه.
Voir moins

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى