في زمن كانت فيه الشوارع مغبّرة حتى في فصل الشتاء، والسماء لا تمطر على ساكنيها سوى تراب، كان هناك معلمٌ للغة العربية في مدرسة اسمها الأبطال.
يصل إلى المدرسة كلَّ صباح بسيارته الخضراء من نوع lada ،المعروفة باسم فيات العراقية لأنها نسخة من fiat الإيطالية. الشكل المربع الكلاسيكي مع الأضواء الدائرية ولونها الأخضر الزيتوني،تلك السيارة التي تلمع كمرآةٍ من شدّة نظافة هيكلها الخارجي.
لم يكن أحد يعرف سرَّ هذا الوله بتلميعها يوميا وسط غبار المدينة.في مخيلة التلميذ الذي يدرسه في الدار والدور، كان يتساءل:هل هو صابونٌ خاص أم عقدٌ سريٌّ بينه وبين الغبار كي لا يقترب
كان الطلاب ينظرون إليه بإجلال حين يدخل الصف، وبريبةٍ حين يغادر. هو،بعد انتهاء الدوام، يبدّل بدلة المعلمين ببدلة زيتونية وهي اللون الرسمي للانتماء ورائحة النظام
يتحوّل أمامهم من معلمٍ إلى بعثيٍّ محتمل وما بين النظرتين كان يعيش معلقا: مكروها ومحبوبا في آنٍ واحد ولو أمعنت النظر إلى داخله، لرأيته يختنق من الحزب كما يختنق من الطباشير لكنه يعلم أن الشهادة الجامعية لا تُمنح إلا بعد القسم والقسم لا يُؤدى إلا تحت راية الحزب
فانضم كما ينضم الملايين، لا بدافع الإيمان بالحزب بل لأن في رؤوسهم حلمَ الدراسة فقط
مرت الأعوام، وانتهت اللادة الخضراء إلى مجرد ذكرى تتحسر في خاطر محتاج. كان المعلم واقفا في سوق جميلة، يبيع أكياس نايلون بيضاء. ازداد نحولا، وبدا برأسٍ نصف أصلع، يُسدل شعر أحد الجانبين على الآخر كما يُسدل الستار على مشهدٍ خجول ومع ذلك، ظلت وقفته مستقيمة، فيها بقايا لاعب رياضيٍّ تقاعد من الجسد لا من العزيمة، وإنْ أنهكته حاجةُ البطن في زمن الجوع. كان هادئا على نحو غير متوقّع، كأن كلّ ما في داخله قد تعب من الكلام.
وحين يمرّ أحد طلابه القدامى، أولئك الذين صاروا بدورهم حمالين في السوق كانوا يتهامسون:
هذا أستاذنا... أستاذ العربية، دون سيارته لادة
ثم يتحسّرون، ويزدادون خجلًا منه، لا عليه.
كان الراتب التقاعدي يُدفع سنويّا لا شهريّا. وحين يحين الموعد، كان المعلم يُنفق نصفه على أجرة سيارة الأجرة التي تقله إلى مكتب الاستلام.
له أربعُ بنات وولدان، البناتُ معلمات والولدان أحدهما موظفٌ والآخر مهندس.
عائلةٌ كاملة من ذوي الدخل المحدود بالكاد يكفيها الحديثُ عن الماضي ليخفف وطأة الحاضر. باعَ اللادة ولم يبقَ له سوى البيت القديم الذي ورثه عن أبيه وبعض الكبرياء الذي لم يعد يصلح للبيع. وذاتَ يوم، قالت له أصغر بناته، هالة، بشيء من الاستفهام:
_ أبي، أنت تبيع أكياسَ نايلون نظيفة، أليس كذلك؟
_ نعم
_ هات بعضَها، نفتحها، ونبرم خيوطها، ونصنع منها ليفةً للاستحمام، لعلنا نبيعها أفضل
نفذ ما اقترحته، فخرجت الليفة الأولى جميلة كزهرة من النايلون. ابتسم، فقد كان فيها شيءٌ من لونه القديم، لون اللادة الخضراء
وبعد ساعات الدوام، كانت فتياته الأربع يجلسن على الأرض، يحيكن بأصابعهنَّ الصغيرة نحو عشرين ليفة في اليوم. يأخذها الابن إلى السوق ويبيعها في المكان نفسه الذي يقف فيه الأب وهكذا أصبح الليف مورد رزق جديدا للأسرة.
وفي أحد أيام نيسان، الشهر الذي لا تمرّ فيه نسمةٌ إلا وتحمل صورة القائد، وصل أمرٌ من مديرية التربية كتاب رسمي يتكرر في هذا الأسبوع من كل عام، ينص كما التالي" على كل صفٍّ مدرسيّ أن يُعدَّ كيكةً بمناسبة عيد ميلاد القائد"
كانت هالة، الابنة الصغرى، قد أصبحت معلمةً مثل أبيها لكن في زمن أشد قسوة راحت تلوك حديثَ العوز في فمِها كعلكة
" ما الحيلة والكيك جدا مكلف ؟".وقفت في منتصف الصف، وقالت بصوت أموميٍّ حازم مخاطبة التلاميذ الصغار:
نحن مطلوبٌ من عندنا كصف مدرسي أن نصنع كيكة في عيد ميلاد القائد، والذي يصادف بعد يومين من تاريخ اليوم.الطلب من كل صفٍّ مدرسيٍّ: كيكة، والمشاركة حصرا على الطلاب دون المعلمين، كواجبٍ وطنيٍّ في عيد القائد. هل هذا مفهوم؟
صاح الجميع، صيحة تمرين عسكري واحدة:
_نعم ،ست!
كل واحدٍ من بينكم، يجلب لي غدا كوبا واحدا من السكر، فقط، كوب واحد وهذا ليس بالأمر الصعب، واضح طلابي الاعزاء؟
بصوت واحد كأنه صوتُ ضربة قائد لواء على الأرض بعد التحية، أجابوها:
_نعم ست!
_ أنسيتموني! مع كوب السكر، اجلبوا معكم علبة عصير واحدة.....
_ نعم ست!
_ دعوني أكمل كلامي،عصيرُ مركز بنكهة برتقال، برتقالٌ ( راحت تمد في حرف العلة الآلف الموجود في المفردة) برتقااااال حصرا
وهم يجيبونها بصوت واحد كببغاء أبله يردد فقط دون أن يفهم:
_ نعم ست!
_ قولوا بصوتٍ واضحٍ وعال: ماذا طلبتُ منكم؟
_ برتقال وسكر! ست
_ حسنا، سوف تنسون أنا متأكدة. فاختبارُ ذاكرتكم لدي
سأكتب ما طلبتُه منكم على ورقة وأضعها في حقيبة كلٍّ منكم وبدوركم تُطلِعونها على أولياء أموركم
هناك عقابٌ وخيم إن لم تجلبوا ما طلبتُه منكم
وكتبت على ورقة استنسختها كتابيا في درس الحصة ما يلي:
إلى ربِّ العائلة، كوب سُكر وعصيرُ برتقال بمناسبة ميلاد القائد ليوم ٢٨ نيسان
في زمن لا تتجاوز فيه حصةُ الفرد العراقي الواحد نصف كيلوغرام من السكر شهريا، كان السَّطل في اليوم التالي قد امتلأ بما يقارب ستة كيلوغرامات، من ثلاثين كوب سكر جلبها ثلاثون طالبا.
في النصف الثاني من النهار، ذهبت إلى السوق وباعت السكر بأكمله وأبقت فقط كوبا ونصف الكوب. وبثمن ما باعت اشترت مكونات الكيك :
طحينا بدرجة أولى (طحين الصفر) ، وزيتا، وحليبا، وفانيلا وبيكن باودر، وثماني حبات من البيض
عادت إلى المنزل، وسهرت ليلها تُعِدُّ أربع كيكات، كيكتان لأهلها من طحين الصفر درجة أولى، وكيكتان من طحين الحصّة التموينية الأسمر، ذلك الممزوج بنخالة التمر وبفتات القمل إلى تلاميذ صفها
في اليوم الموعود، جاء التلاميذ، كل واحد يحمل عصيره الخاص، أحدهم عصير مشمش والآخر عصير شاني والثالث عصير تفاح، والرابع عصير بنكهة العنب، وآخرون عصير أناناس ورمان
قالت هالة، متعجبة:
_ أين عصير البرتقال؟
صمت التلاميذ، وقد جلبوا عصائر بنكهات متعددة بدل العصير المركز المحلى الذي طلبته، وهو البرتقال.
وبكثير من اللامبالاة لفعلتهم راحت تكمل مهمتها،أخرجت لهم الكيكتان، المصنوعتان من طحين الشعير والذرة ونوى التمر؛ اللقمة الواحدة منهما تجرح الحلقوم فخاطبت نفسها: (كيكة سوداء مصخمة على راعيها)
ثم أخرجت النشرة الاحتفالية التي صنعتها أثناء انتظار خبز الكيك في الفرن؛ كانت النشرة أوراقا ملفوفة بشكل دائري بغراء ومصنوعة على شكل سلسال، دائرة بداخل دائرة
وضعت دلوا من النايلون مع وعاء كبير من النايلون وأربعة كؤوس نايلون، وأمرت أحد التلاميذ أن يملأ الدلو ماءً من صنبور المياه، ويضع فيه كل النكهات المركزة التي جلبها الطلاب. وضعت العصير في الماء؛ كان العصير أناناسا ورمانا وعنبا.
أصبح كوكتيلا من العصير المحلى دون الحاجة إلى سكر.
آه، بدوري نسيتَ السكين! في المنزل، سألتْ التلاميذ إن كانوا يملكون مِسطرة، فاستعملتها لتقطيع الكيك ووزعتها على التلاميذ، كل تلميذ قطعة صغيرة لفمه الصغير
مرت من الصف المدرسي مديرةُ المدرسة، الستّ خيرية، تُبدي إعجابها بالكرنفال الاحتفالي في صبيحة ميلاد القائد
قالت وهي تبتسم ابتسامة مُنمقة: "عفية، عفية!"
مثلُها كمثل سيدة فاضلة مُدعية، تشبه الكثير من نظيراتها في الشرق
كانت ترتدي ربطة رأس صارخة اللون، وتضع خالا مصطنعا من كُحل رخيص، وقد سالت الشامةُ على خدّها سلفا
سألتهم هالة وهم يأكلون الكيك:
_ كيف طعمه؟
أجابوا بلهجة مترددة حذرة:
_ لذيذة، ست، لذيذة
ماجَ في داخلها حزن غريب لم تألفه من قبل، بابتسامة تلفزيونية وهي تطالعُ الكعك المصنوع في قالب دائري يلتهمُه التلاميذ بشهية مَن يذوقُ الكعك لأول مرة في حياته
يصل إلى المدرسة كلَّ صباح بسيارته الخضراء من نوع lada ،المعروفة باسم فيات العراقية لأنها نسخة من fiat الإيطالية. الشكل المربع الكلاسيكي مع الأضواء الدائرية ولونها الأخضر الزيتوني،تلك السيارة التي تلمع كمرآةٍ من شدّة نظافة هيكلها الخارجي.
لم يكن أحد يعرف سرَّ هذا الوله بتلميعها يوميا وسط غبار المدينة.في مخيلة التلميذ الذي يدرسه في الدار والدور، كان يتساءل:هل هو صابونٌ خاص أم عقدٌ سريٌّ بينه وبين الغبار كي لا يقترب
كان الطلاب ينظرون إليه بإجلال حين يدخل الصف، وبريبةٍ حين يغادر. هو،بعد انتهاء الدوام، يبدّل بدلة المعلمين ببدلة زيتونية وهي اللون الرسمي للانتماء ورائحة النظام
يتحوّل أمامهم من معلمٍ إلى بعثيٍّ محتمل وما بين النظرتين كان يعيش معلقا: مكروها ومحبوبا في آنٍ واحد ولو أمعنت النظر إلى داخله، لرأيته يختنق من الحزب كما يختنق من الطباشير لكنه يعلم أن الشهادة الجامعية لا تُمنح إلا بعد القسم والقسم لا يُؤدى إلا تحت راية الحزب
فانضم كما ينضم الملايين، لا بدافع الإيمان بالحزب بل لأن في رؤوسهم حلمَ الدراسة فقط
مرت الأعوام، وانتهت اللادة الخضراء إلى مجرد ذكرى تتحسر في خاطر محتاج. كان المعلم واقفا في سوق جميلة، يبيع أكياس نايلون بيضاء. ازداد نحولا، وبدا برأسٍ نصف أصلع، يُسدل شعر أحد الجانبين على الآخر كما يُسدل الستار على مشهدٍ خجول ومع ذلك، ظلت وقفته مستقيمة، فيها بقايا لاعب رياضيٍّ تقاعد من الجسد لا من العزيمة، وإنْ أنهكته حاجةُ البطن في زمن الجوع. كان هادئا على نحو غير متوقّع، كأن كلّ ما في داخله قد تعب من الكلام.
وحين يمرّ أحد طلابه القدامى، أولئك الذين صاروا بدورهم حمالين في السوق كانوا يتهامسون:
هذا أستاذنا... أستاذ العربية، دون سيارته لادة
ثم يتحسّرون، ويزدادون خجلًا منه، لا عليه.
كان الراتب التقاعدي يُدفع سنويّا لا شهريّا. وحين يحين الموعد، كان المعلم يُنفق نصفه على أجرة سيارة الأجرة التي تقله إلى مكتب الاستلام.
له أربعُ بنات وولدان، البناتُ معلمات والولدان أحدهما موظفٌ والآخر مهندس.
عائلةٌ كاملة من ذوي الدخل المحدود بالكاد يكفيها الحديثُ عن الماضي ليخفف وطأة الحاضر. باعَ اللادة ولم يبقَ له سوى البيت القديم الذي ورثه عن أبيه وبعض الكبرياء الذي لم يعد يصلح للبيع. وذاتَ يوم، قالت له أصغر بناته، هالة، بشيء من الاستفهام:
_ أبي، أنت تبيع أكياسَ نايلون نظيفة، أليس كذلك؟
_ نعم
_ هات بعضَها، نفتحها، ونبرم خيوطها، ونصنع منها ليفةً للاستحمام، لعلنا نبيعها أفضل
نفذ ما اقترحته، فخرجت الليفة الأولى جميلة كزهرة من النايلون. ابتسم، فقد كان فيها شيءٌ من لونه القديم، لون اللادة الخضراء
وبعد ساعات الدوام، كانت فتياته الأربع يجلسن على الأرض، يحيكن بأصابعهنَّ الصغيرة نحو عشرين ليفة في اليوم. يأخذها الابن إلى السوق ويبيعها في المكان نفسه الذي يقف فيه الأب وهكذا أصبح الليف مورد رزق جديدا للأسرة.
وفي أحد أيام نيسان، الشهر الذي لا تمرّ فيه نسمةٌ إلا وتحمل صورة القائد، وصل أمرٌ من مديرية التربية كتاب رسمي يتكرر في هذا الأسبوع من كل عام، ينص كما التالي" على كل صفٍّ مدرسيّ أن يُعدَّ كيكةً بمناسبة عيد ميلاد القائد"
كانت هالة، الابنة الصغرى، قد أصبحت معلمةً مثل أبيها لكن في زمن أشد قسوة راحت تلوك حديثَ العوز في فمِها كعلكة
" ما الحيلة والكيك جدا مكلف ؟".وقفت في منتصف الصف، وقالت بصوت أموميٍّ حازم مخاطبة التلاميذ الصغار:
نحن مطلوبٌ من عندنا كصف مدرسي أن نصنع كيكة في عيد ميلاد القائد، والذي يصادف بعد يومين من تاريخ اليوم.الطلب من كل صفٍّ مدرسيٍّ: كيكة، والمشاركة حصرا على الطلاب دون المعلمين، كواجبٍ وطنيٍّ في عيد القائد. هل هذا مفهوم؟
صاح الجميع، صيحة تمرين عسكري واحدة:
_نعم ،ست!
كل واحدٍ من بينكم، يجلب لي غدا كوبا واحدا من السكر، فقط، كوب واحد وهذا ليس بالأمر الصعب، واضح طلابي الاعزاء؟
بصوت واحد كأنه صوتُ ضربة قائد لواء على الأرض بعد التحية، أجابوها:
_نعم ست!
_ أنسيتموني! مع كوب السكر، اجلبوا معكم علبة عصير واحدة.....
_ نعم ست!
_ دعوني أكمل كلامي،عصيرُ مركز بنكهة برتقال، برتقالٌ ( راحت تمد في حرف العلة الآلف الموجود في المفردة) برتقااااال حصرا
وهم يجيبونها بصوت واحد كببغاء أبله يردد فقط دون أن يفهم:
_ نعم ست!
_ قولوا بصوتٍ واضحٍ وعال: ماذا طلبتُ منكم؟
_ برتقال وسكر! ست
_ حسنا، سوف تنسون أنا متأكدة. فاختبارُ ذاكرتكم لدي
سأكتب ما طلبتُه منكم على ورقة وأضعها في حقيبة كلٍّ منكم وبدوركم تُطلِعونها على أولياء أموركم
هناك عقابٌ وخيم إن لم تجلبوا ما طلبتُه منكم
وكتبت على ورقة استنسختها كتابيا في درس الحصة ما يلي:
إلى ربِّ العائلة، كوب سُكر وعصيرُ برتقال بمناسبة ميلاد القائد ليوم ٢٨ نيسان
في زمن لا تتجاوز فيه حصةُ الفرد العراقي الواحد نصف كيلوغرام من السكر شهريا، كان السَّطل في اليوم التالي قد امتلأ بما يقارب ستة كيلوغرامات، من ثلاثين كوب سكر جلبها ثلاثون طالبا.
في النصف الثاني من النهار، ذهبت إلى السوق وباعت السكر بأكمله وأبقت فقط كوبا ونصف الكوب. وبثمن ما باعت اشترت مكونات الكيك :
طحينا بدرجة أولى (طحين الصفر) ، وزيتا، وحليبا، وفانيلا وبيكن باودر، وثماني حبات من البيض
عادت إلى المنزل، وسهرت ليلها تُعِدُّ أربع كيكات، كيكتان لأهلها من طحين الصفر درجة أولى، وكيكتان من طحين الحصّة التموينية الأسمر، ذلك الممزوج بنخالة التمر وبفتات القمل إلى تلاميذ صفها
في اليوم الموعود، جاء التلاميذ، كل واحد يحمل عصيره الخاص، أحدهم عصير مشمش والآخر عصير شاني والثالث عصير تفاح، والرابع عصير بنكهة العنب، وآخرون عصير أناناس ورمان
قالت هالة، متعجبة:
_ أين عصير البرتقال؟
صمت التلاميذ، وقد جلبوا عصائر بنكهات متعددة بدل العصير المركز المحلى الذي طلبته، وهو البرتقال.
وبكثير من اللامبالاة لفعلتهم راحت تكمل مهمتها،أخرجت لهم الكيكتان، المصنوعتان من طحين الشعير والذرة ونوى التمر؛ اللقمة الواحدة منهما تجرح الحلقوم فخاطبت نفسها: (كيكة سوداء مصخمة على راعيها)
ثم أخرجت النشرة الاحتفالية التي صنعتها أثناء انتظار خبز الكيك في الفرن؛ كانت النشرة أوراقا ملفوفة بشكل دائري بغراء ومصنوعة على شكل سلسال، دائرة بداخل دائرة
وضعت دلوا من النايلون مع وعاء كبير من النايلون وأربعة كؤوس نايلون، وأمرت أحد التلاميذ أن يملأ الدلو ماءً من صنبور المياه، ويضع فيه كل النكهات المركزة التي جلبها الطلاب. وضعت العصير في الماء؛ كان العصير أناناسا ورمانا وعنبا.
أصبح كوكتيلا من العصير المحلى دون الحاجة إلى سكر.
آه، بدوري نسيتَ السكين! في المنزل، سألتْ التلاميذ إن كانوا يملكون مِسطرة، فاستعملتها لتقطيع الكيك ووزعتها على التلاميذ، كل تلميذ قطعة صغيرة لفمه الصغير
مرت من الصف المدرسي مديرةُ المدرسة، الستّ خيرية، تُبدي إعجابها بالكرنفال الاحتفالي في صبيحة ميلاد القائد
قالت وهي تبتسم ابتسامة مُنمقة: "عفية، عفية!"
مثلُها كمثل سيدة فاضلة مُدعية، تشبه الكثير من نظيراتها في الشرق
كانت ترتدي ربطة رأس صارخة اللون، وتضع خالا مصطنعا من كُحل رخيص، وقد سالت الشامةُ على خدّها سلفا
سألتهم هالة وهم يأكلون الكيك:
_ كيف طعمه؟
أجابوا بلهجة مترددة حذرة:
_ لذيذة، ست، لذيذة
ماجَ في داخلها حزن غريب لم تألفه من قبل، بابتسامة تلفزيونية وهي تطالعُ الكعك المصنوع في قالب دائري يلتهمُه التلاميذ بشهية مَن يذوقُ الكعك لأول مرة في حياته