أ. د. محمد لبيب سالم - شموس الأحلام: قصة قصيرة من الواقع

ركنتُ سيارتي، ووقفتُ دقائق أستمتع بأشعة الشمس في ذلك الصباح الشتوي الدافئ. كان العالم من حولي مضيئًا كله بنورٍ يجعلك تحمد الله أنك وُلدت هنا، لا في أقاصي الشمال حيث يطول الغياب ويشحّ الضوء. وقبل أن أفصل نفسي عن هذا المشهد البريء الوادع، جاءتني مكالمة من رقم غريب، غير أنني عرفت سريعًا من مفتاحه أنه من أمريكا الشمالية.

ترددتُ لحظة، إذ كان موعد الاجتماع المنتظر يقترب، لكنني آثرت أن أرد. وما إن جاءني الصوت حتى تبدد التردد كله؛ فقد كان المتصل أحد طلابي السابقين، وأحد الأقربين إلى قلبي وعقلي، فغمرتني سعادة صادقة بسماع صوته، وبقراري أن ألتقط المكالمة.

لم يتصل إلا ليطمئن عليّ، لكن المفاجأة كانت أنه هو نفسه كان يحتاج إلى من يطمئنه. قال بصوتٍ خافت إنه يخشى أن يتسلل إليه الشعور بالاكتئاب بسبب البرودة القاسية وغياب الشمس في المدينة التي يعيش فيها، وإنه لم يعد يحتمل هذا الانقطاع الطويل لنورها. كان يريد البقاء، نعم، لكنه لم يعد يعرف كيف يحتمل.

شدَدتُ من أزره، وأعطيته بعض النصائح التي قد تعينه على الصبر والتحمل، وذكّرته بأن يحمد الله على أنه في مكان يتيح له من إمكانات البحث العلمي ما يتمناه كثيرون ولا يجدونه. شكرني، وانتهت المكالمة، لكنني شعرت بوضوح أنه لم يكن يريد جوابًا بقدر ما كان يريد سندًا، وشيئًا من الطاقة الإيجابية، ودفعةً خفية تعينه على مواصلة الطريق.

رفعتُ بصري إلى السماء، وابتسمت، وحمدت الله على هذه الهدية المجانية: الدفء، والنور، والضياء؛ ذلك العطاء الذي يحيي القلب، ولو كان صاحبه فقيرًا معدمًا.

وبعد انقضاء يوم طويل، عدتُ إلى بيتي أطلب شيئًا من الراحة قبل أن أبدأ عملي مرة أخرى، كعادتي، من مكتبي في المنزل. وما هي إلا لحظات حتى غفوت من شدة الإجهاد، فرأيت في نومي ما لا يُطاق.

وجدتني واقفًا وحدي وسط ظلام كثيف على شاطئ طويل مهجور. كانت الأمواج العالية تصارع صخور الساحل في عنف، وخلفي جرف مرتفع يعلوه طين ومخلفات سيول، فلا أنا أستطيع أن أرى كفي، ولا أقدر على صعود التل، ولا أملك الفرار من الأمواج، ولا من ذلك الظلام الدامس. والأعجب أن الوقت كان وسط النهار، ومع ذلك كان المشهد أسود كالكحل، كأن الشمس قد قررت ألا تزور هذا المكان أبدًا، وكأن الناس جميعًا قد هجروه ولم يبق فيه سواي.

شعرت بخنقةٍ وخوفٍ وهمٍّ وحزن لم أعرف لهم مثيلًا من قبل، حتى تمنيت في تلك اللحظة الموت على أن أظل أسيرًا لهذه الوحشة، واقفًا وحدي في هذا العراء المخيف.

وقبل أن تخنقني تلك المشاهد الموحشة، استيقظت على رنين الهاتف. كان من الرقم نفسه، رقم صديقي.

حمدت الله كثيرًا على رنين الجرس الذي انتشلني من كابوس مأساوي كاد يخنقني ويمزق أضلعي، رغم أنه لم يدم إلا ثوانٍ. استعذت بالله من الشيطان الرجيم، ورددت فورًا على صديقي، الذي بدا لي في تلك اللحظة وكأنه لم ينقذني من حلم فحسب، بل أعادني إلى الحياة.


وجدته يعيد إليّ الشكوى نفسها، ويبوح بالمشاعر ذاتها، ويخشى من الاكتئاب نفسه، رغم أنه أخذ بكل النصائح التي سبق أن قلتها له. كان يطلب المشورة مرة أخرى، لأنه يثق في رأيي.

وهنا، ومن غير تردد، قلت له هذه المرة: ابحث عن مكان آخر، مكان تكون فيه الشمس ساطعة، والنهار مضيئًا. فالنفس لا تحيا إلا بما يحييها، وأنت لا يحييك إلا الضوء، إلا الشمس، ولو من وراء سحب.

قال بصوت يفيض بالغربة:
لكن البحث قد يأخذ وقتًا طويلًا وسط هذا الركام من الغيوم.

قلت:
لا تقلق. ففي البحث شغف، وفي الشغف تفاؤل، وفي التفاؤل شمس مشرقة؛ فإن لم تشرق الشمس في السماء، أشرقت في داخلك.


ثم سألني بشوق:
وهل قررتَ موعد زيارتك حتى أستعد؟

ابتسمت في نفسي، وأرسلت إليه ضحكة، وقلت:
استعد حين تنتقل إلى المكان الجديد المشمس. فقد عشتُ حلمًا لثوانٍ جعلني أتمنى ضوء الشمس ولو للحظة.


سألني عن تفاصيل هذا الحلم الذي أفزعني ليطمئن.

قلت له:
لا تقلق، لقد كان مجرد كابوس عابر. ربما عشته لحظات لأنني أحبك، ولأن الله يحبك، لكي أنصحك هذه المرة عن تجربة... ولو كانت تجربة حلم.


ضحكنا معًا. وحمدتُ الله على موطئ قدمي المشمس، كما حمد هو الله على نعمة البحث والشغف. وأنهينا المكالمة على أمل اللقاء، في يوم مشمس، ونهار مضيء، ولو بعد عام من اليوم.

د. محمد لبيب سالم

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى