ليال الحربي - بارفوم القادسية...

تمضي سيارة الأوبل الحمراء المحطمة فوق الرصيف فترتعد مع كل مطب ويعلو ارتجاف هيكلها، في مؤخرة السيارة، تتكدس صناديق العطور ثقيلة الرائحة والوزن حتى انخفضت المؤخرة وارتفعت المقدمة في توازن مختل كأنها قررت أن تستنجد إلى السماء هربا من الطريق.
الطلاء متقشر عند الأبواب والزجاج متكسر والعجلات تشق الطريق بصعوبة بالغة مستعينة باهتزاز عصبي سريع لمصد السيارة، الشارع يمتد أمامها بلا اكتراث والسيارة تمضي محملة أكثر مما تحتمل وأكثر مما ينبغي.

عام 2005 اجتاحت البلاد فجأة زوابع من الانفجارات لا يُعرف من أين جاءت ولا لمن جاءت. انقسمت بغداد إلى نصفين نصف يقود سيارة أوبل ونصف يقود سيارة تويوتا كراون. لم يكن الانقسام سياسيا بقدر ما كان معدنيا ماركات تسير على أربع عجلات وتحمل الموت في صندوقها الخلفي.
ارتبطت السيارتان بزوابع الانفجارات وحملتا معا في الذاكرة الشعبية وسم السيارات المفخخة وكان لكل واحدة منهما طائفتها التي تخدمها في خيال الخوف العام للذاكرة. بين الأوبل وتويوتا كراون المعروفة محليا باسم (البطة)، نشأت أسطورة مدنية جديدة. سيارتان عاديتان في أصل الصنعة لكن ما إن دخلتا التاريخ حتى تحولتا إلى إشارتين للريبة قابلتين على إرباك العالم وقادرتين على إبقاء الأجهزة الأمنية في قلق دائم.
ومع التفجيرات اليومية وتطاير الأشلاء البشرية على نحو يكاد يصبح مألوفا ازدحمت الشوارع بنقاط التفتيش أكثر مما ازدحمت بالمارة. العيون تفتش قبل الأيدي والشك يسير أسرع من السيارات. تمر من بينها هذه السيارة المتهالكة ببطء محسوب عدى المصد المتآكل يهتز ويهتز مثل كيس بلاستيك وقع سهوا على أسلاك كهربائية فراحت الرياح تراقصه، كل ارتجافة منه تبدو وكأنها تعيش حياة أسرع من حركة السيارة البطيئة التي تحمله.

مع الفجر من كل يوم. يعبر أبو فاطمة بسيارته المثيرة للشبهة فيحدق به عناصر لجان التفتيش "هذا إرهابي، هيا قف". ثم يقترب أحدهم من النافذة بعدما توقفت السيارة. يقول أبو فاطمة بهدوءٍ متعب:

_ أنا أعبر من نقطة تفتيشكم يوميا، تاجر العطور، ألم تتعرفوا عليّ بعد؟!
يرد أحدهم:
_ نعرف جيدا من تكون وحتى لو نشتري منك العطور يوميا سنفتشك كل يوم نوع سيارتك مثير للشبهة لماذا لا تبدلها. يجيبهم:
_حتى لو أوقفتموني كل يوم، لن أبدلها

يصل أبو فاطمة إلى موقف السيارات متأخرا كالعادة بسبب الإيقافات المتكررة. تفتح نافذة سيارته وتخرج صرخة مفاجئة "علاوي… علاوي" كقذيفة تصطدم بالهواء. خلفه يسير علاوي وهو يجر عربته أمامه، في اللحظة نفسها يقترب عماد من الموقف فيترك الحمّال علي نداء أبو فاطمة ويتجه إليه. يصرخ أبو فاطمة بصوت أعلى "علي… علاااوي". تصمت صرخته فجأة عندما يرفع علي يديه في الهواء مثل يد مايسـترو يأمر بالتوقف، الكف ممتدة والأصابع مشدودة الهواء كله يلتصق بالوقفة وكل شيء حوله يتجمد للحظة واحدة منسجما مع قوله " دروووح".

في اليوم التالي، يأتي أبو فاطمة كما المعتاد يمر عبر نقاط التفتيش ويقومون بإيقافه " قِف.. هذا إرهابي"، فيكون آخر الواصلين في السوق، يدخل بسيارته إلى الموقف فيرى علي واقفا ويقول معلقا:
_ علي… أني زعلان عليك.
يجيبه:
_ عماد يعطيني أجرة عشرة آلاف دينار وأنت تعطيني خمسة فقط.
يعلق رافعا كلتا يديه في الهواء كأنه يُقسِم:
_ ذاك ثري، غني، ميسور المال، مثلي أنا؟ هو يتاجر في العطور الفرنسية وعطوري أنا، صينية.. صينية.
يجيبه علي بنبرة حادة مستفزة:
_ لماذا لا تصبح مثله؟
يرد عليه وقد بدا كأن الدخان يتصاعد من رأسه:
_ أمواله كثيرة على عكس حالي تماما، أنا لا أملك شيئا. مفلس و(داخل حسن) يقرأ موالا بجيبي.
_ مع ذلك تسمي نفسك تاجرا مثلهم؟؟

أبو فاطمة رجل بدين بجسد ضخم الجثة، في الخمسين من عمره. أصلع، يرتدي نظارات عتيقة من طراز ستينيات عهد عبد الكريم قاسم. مكسورة من المنتصف وبدلا من شراء واحدة جديدة، مدّ يده إلى علكة كانت ابنته قد مضغتها حتى فقدت طعمها ثم لفظتها بلا اكتراث. التقطها من الأرض، عجنها بين أصابعه وسد بها الكسر، ضاغطا القطعتين إلى بعضهما بإصرار بطيء.

ارتدى النظارة بعد ذلك، متأملا ثباتها وكانت أطرافها موصولة بـتِكة مشدودة، تلف الرأس بإحكام فتمنعها من السقوط وتحبسها في مكانها. يرتدي على الدوام بنطالا كاكيا وقميصا أصفر لا يفارقه طوال العام فإذا أقبل البرد زاد فوقهما سترة خاطها له أحد معامل زمن الحصار.

كعملة معدنية تعود لنظام قد سقط، يمشي منتفخ الصدر والبطن وآخر أزرار قميصه مفتوحة دائما، كأنما ما يزال يحمل آثار طبق كشري لم يهضمه بعد. يقتحم المكان بسيارته المثيرة للشبهة والمتهالكة ثم يخرج منها بشقّ الأنفس. سُئل يوما" لِمَ ينادونك أبا فاطمة، ولك أبناءٌ ذكور؟" فأجاب ببرود "لا خيرَ فيهم جميعا. ثم إن لي ابنة معلمة، هي من تعطيني راتبها ونفقة البيت كلها عليها"

كل ليلة وشكل دوري، يذهب إلى حجرة ابنته، فاطمة. يجلس بقربها ويشرع في مناجاة طويلة معها نشيد بحشرجة أنين يبدأ ولا ينتهي: كيف أذهب غدا إلى العمل ولا أملك ثمن الوقود؟، لا تتأخر البنت في الفهم ينكسر قلبها سريعا فتدس في يده خمسة آلاف دينار ثمن الوقود بحركة سريعة بلا تفكير طويل لا كما يفعل الذكور من أبنائه يضع المال في جيبه ويقول لنفسه مطمئنا :لقد خرجت بأجرة علاوي.

علي أو كما يناديه الجميع علاوي، لا يبتسم إلا حين يُخاطب ،لطالما كانت الابتسامة لديه ردّ فعل لا عادة. جسده ناعم وكتفاه عريضان وشعره مهذب على الطريقة العسكرية. ملامحه العربية محجوبة بتعب مبكر، تعب صبي في الثامنة عشرة أُرهق قبل أوانه. شفتاه مضغوطتان ونظرته ثابتة، نظرَة من يعرف أن أمامه فريسة أو أمرا يجب إنجازه. يحمل منديلا صغيرا أقرب إلى منشفة يمسح به عرقا لا ينقطع بسبب الحركة المتواصلة له في السوق. عصامي مقاومٌ للإرهاب ومنقاد لرزقه وإذا اقتضى الرزق أن يكون وغدا كان كذلك بلا تردد

يتجه أبو فاطمة صباحا إلى صاحب الكشك، المصري والذي يبيع طبق الكُشري منذ ثمانينيات القرن الماضي حتى اللحظة وجبته المكررة بلا ملل. الكُشري يعوضه عن عشاء البارحة إذ نام دون أن يتناول عشائه وهو في الوقت نفسه فطوره وغداؤه. لديه مع الطبق علاقة غرامية حميمة، لا يملها أبدا، لا لشيء سوى أنه الأرخص والأكثر كمية من بقية الأطباق الأخرى.
يتصل بعلي ويصيح به:
_ أين أنت يا علاوي؟
فيجيبه الآخر:
_ مشغول بعمل حاليا، سأتأخر عليك قليلا
فيردّ:
_ إذن سأضع البضاعة عند أبي الكُشري

يأتي علي إلى كشك الكُشري، فيراه ما زال يأكل، فيطلب صحنا له من دون أن ينتظر سماع مفردة "تفضّل" من أبي فاطمة، المفردة المتداولة للكرم المحلي. أنهى أبي فاطمة صحنه وقال لعلي بنبرة توجس وقد ألصق فمه في أذنه:
_ ألا تدفع لي؟

فيصيح علي به مستغربا:
_من الخمسة؟ الأجرة التي تدفعها لي، أدفع لك؟

بين التجار، يوجد صنفان لا ثالث لهما ، كريم يبلغ السخاء عنده حد التطرف أو بخيل يعتز ببخله كما لو كان نوط شجاعة من معركة عنيفة، يعلقه على صدره بفخر كأنه شرف عائلي. وإذا صرخ بهما حمال أو سائق أو عابر سبيل، لا يغضبان ولا يحملان الإهانة إلى القلب؛ فالقلب عندهما مخزن، لا يخزن إلا ما يصلح للبيع ويستثنى منهما التجار الذين تتعرض واجهات متاجرهم مباشرة للشارع، هؤلاء أحقر تجار البلاد أخلاقا ولا يسعك أمامهم إلا أن تصمت على صياحهم اللامتناهي وحقارتهم المكشوفة، ولا يستثنى من ذلك أصحاب المكتبات.

قريب من كشك الكشري يقوم كشك آخر يبيع شاورما الدجاج
والشاورما هنا عراقية خالصة، اسمها المحلي ( گص). لا تحتاج إلى شهادة منشأ. يمر أبو فاطمة منه بعدما أنتهى من وجبة الكشري الدسمة فيبادره صاحب الكشك بنظرة ثم يسمعه كلاما: يا ابا فاطمة ألا تأكل لك شاورما بدل صحن الكشري، جربه مرة واحدة في حياتك!. يرد أبو فاطمة وهو يمضي نصف خطوة: أتريد أن أجوع وأنا لم أصل بعد إلى القادسية"، فيعلق علي وهو المتربص الدائم بالعبور البشري: هذا لا يذهب إلى الحمام إطلاقا فإن أفرغ معدته جاع ". قالها هكذا
بلا شرح ولا اعتذار والناس حول الكشكين يأكلون ويمضغون الحكمة مع اللقمة. يضحك الجميع ومن بينهم أبو فاطمة ، في هذا الجانب من العالم مَن يأخذ الآخر على محمل الجد؟.

يمر عماد، الرجل الأكثر إثارة من بين رجال البلاد، بسيارته الأحدث موديلا بين السيارات القادمة. يترجل منها فيصبح السوق كله من الباعة والمشترين وأصحاب أكل الشارع من الكشكين ومَن لا نية له في السوق، يتوقف لحظة ليصغي إلى سماع خطواته وأنا هنا أحدثكم عن أسطورة حقيقية اسمها (عماد عطور). كان أجمل بكثير من كل الأوصاف التي قيلت لي عنه. يمتلك جاذبية مطلقة، من تلك التي تجذب الفتيات بلا استثناء وأعترف بنبرة لا تخلو من حزن أنه ينتمي إلى فصيلة نادرة من ذاك الجمال الذي يجذب كل من يطالعه، كأنه سقط لتوه من شجرة رمان خالدة. رشيق على نحو يثير الدهشة. كتفان عريضان تستقر عليهما سترة الجاكوار كأنها فُصلت له وحده، وردفان نحيلان يمنحان قامته توازنا بين القوة والخفة. يمشي فوق أرض لا يكترث بوجودها وهي بالكاد تنتبه لخفة خطواته. جبينه يحمل خمسة خطوط تظهر بوضوح حين يتحدث. وجه رجل لم تُروّضه الظروف لصالحها، مغموس باللامبالاة، يسير وسط عالم ضحل لا يعنيه بشيء. يسير بينهم ويترك وراءه صمتهم.

استراتيجية عماد في العطر تبدأ من متجره. لديه متجر في الطابق الأرضي لكنه نادرا ما يتواجد فيه. كثرة الناس ترهقه؛ يدخلون دون أن يقرأوا اللافتة، يطلبون المفرد وهو لا يبيع إلا بسعر الجملة. يمل من طردهم واحدا تلو الآخر، يمل من تكرار الكلمة نفسها " جملة… جملة… جملة".

أما سياسته في البيع فكانت نقيض سياسة أبي فاطمة تماما كان يجلب أربع صناديق من الورق المقوى مليئة بالعطور الفرنسية والتي تعكس ذوق مشتريها.يفرغها كلها قبل العاشرة صباحا ثم يغلق متجره ويختفي، هكذا برمشة عين. لا ينتظر الثانية ظهرا ساعة إغلاق السوق بل ينسحب فورا، نعم أربع كراتين من عطور فرنسية بسعر حاوية كاملة .زجاجة العطر الواحدة بثمن ورقتين نقديتين من فئة المائة دولار وفي كل كرتونة ستون عطرا. يقع متجره الذي يتردد عليه دائما في الطابق الثاني وفي الجهة المقابلة تماما يقف متجر أبي فاطمة، الذي يبيع المفرد الصيني بسعر الدينار الواحد.

هذان الضدان يجتمعان في عمارة متهالكة واحدة من سلالة الخراب نفسها، لا تتميز عن جاراتها إلا بسواد كثيف يكسو جسدها، أثرُ حرائق متكررة لم تُطفأ في الذاكرة. خمسةُ طوابق، الطابق الأرضي ثم الأول والثاني أما الطوابقُ العليا، فقد انسحبت من التداول، مهجورة معلقة بين ما كانت عليه وما لم تعد قادرة على أن تكونه.
في أسفلها، تمتد السراديب حيث تُباع العطور وموادّ التجميل والإكسسوارات والملابس الداخلية، سلعٌ خفيفةٌ في فضاء ثقيل. تقف عمارة القادسية مقابل سوق الشاي في الشورجة.

عند الساعة الثانية ظهرا وقبل أن تُغلق أبواب العمارة. ينسحب الباعة والمشترون ولا يبقى في المكان سوى عمّال التنظيف. يكنسون السوق من قطع الكرتون والنايلون من تلك القذارة التي تُرفع باليد قبل المكنسة اليدوية. أبو فاطمة ما يزال هناك، واقفا بين بضائعه، ينتظر الساعة الثالثة عصرا ليغلق متجره. يحاول العمّال تنظيف الممرات لكن بضاعة أبي فاطمة تعيقهم. يتقدمون نحوه محتجين وهو لا يرفع عينيه إليهم. يلوحون بأيديهم أمامه "أبو فاطمة، السوق أُغلق ألا يكفي؟"

يقف بينهم كهرم وحيد في مكانه. في داخله خطة يراها ماكرة النوايا، وهي أن متجر عماد يقف مواجها لمتجره. عماد ينهي عمله عند العاشرة صباحا على أبعد تقدير بينما هو يظل متأهبا، يترقب مرور زبون متأخر يجد متجر عماد مغلقا، متأملا تجاوز الزبون متجره بلا تردد ليقف عنده ويشتري منه عطرا، في النهاية كلاهما تاجر عطور، من أبناء المهنة نفسها ومن النوتة العطرية ذاتها ،هذا ما يخيل له في الساعة الأخيرة من نهار العمل. غير أن ما يبيعه ساعتها ليس سوى الانتظار. في عرف مَن ربّى أنفه على عطر فرنسي، لن يخونه من أجل عطر محلي رخيص بسعر دينار وهذه حقيقة لن يكتشفها أبي فاطمة يوم حتى ولت ساعات الانتظار تلك سدى من حياته

يمر علي ويعلق ساخرا على مشهد تربصه بعينيه المحدقتين في الفراغ:

_ أغلق متجرك ودع العمال ينظفون الممرات من بضاعتك الكئيبة وكفى تربصا بزبون لن يشتري منك عطرا، ماذا لديك؟ عطر بخاصية ملمس بصاق على الوجه
يرد أبو فاطمة:
_ كيف علمت؟، يترك سؤاله معلقا في الهواء
_ وماذا تملك بعد؟ ريكسونا بدينار مفعوله أقصر من ربع ساعة ويخون الزبون عند أول لحظة تعرق
يعلق أبو فاطمة بلهجة حماسية متناسيا سخريته:
_ والله لدي عطور من زمن الحصار، مدهشة، مخمرة… لكن الناس بلا ذوق
يختم علي الموقف ضاحكا:
_ من يشتري عطرا منك يبصق في يده ويمسح به وجهه، هذا هو الأحساس الوحيد الذي يصله.
فيرد أبو فاطمة بلهجة غير مكترث:
_أنت حمال.

في اليوم التالي كان من الأيام التي تسبق مجيء العيد ومثل هر يتحسر، وقف أبو فاطمة أمام نافذة متجره يرمق رجلا يوزع النقود بسخاء محسوب لا يناله إلا الحمالون دون سواه. هكذا ، أموال ترمى في الشارع. تمنى لبرهة عابرة لو كان واحدا منهم أو لو أمكنه أن يتخفى في هيئة واحد منهم، غير أن شهرته بينهم كانت أرسخ من أي تنكر. راودته، على نحو أكثر جرأة، فكرة معكوسة وهي أن يكون هو المانح لا المتلقي لكنه ما لبث أن طردها من رأسه، مستعيذ بالمعوذات، كأنها كانت رجسٌ شيطاني. بصق على ذاته ثم انكمش على نفسه ملتصقا بوجوده.

في العيد، يقف أحد التجار من تجار أبي الشربت في منتصف الشارع ويوزع على كل حمال دون سواه، ورقة نقدية من فئة المائة دولار. يفعل ذلك في العيدين، لا يزيد ولا ينقص كأن الكرم عنده شعيرةٌ موسمية، تؤدى في وقتها ثم تُطوى. تتجمع الأيدي الخشنة حوله، لا امتنان فيها ولا سؤال وهو بدوره لا يرى وجوههم بقدر ما يرى فعلته فقط، قائمة بذاتها، شاهدةً عليه لا لهم. وهكذا يغدو العيد مناسبة لتبادل صامت ،هم يأخذون المال وهو يأخذ الطمأنينة ويعود الشارع بعدها إلى فقره المعتاد، كأن شيئا لم يكن.

قال لعلي بتوجّس:
_علي، هل حصلتَ على ورقة؟
أجابه في استغراب مصطنع:
_ تخص ماذا؟
— تجار أبي الشربت وزّعوا الأوراق النقدية فئة مائة دلار لكل حمال ورقة بفئة مائة دولار... مائة دولار، يا إلهي هل تصغي لي؟. لكن على الحمالين فقط
— وأنتَ، ألم تأخذ؟
— يعرفونني، لستُ حمالا، ما بك؟ . آهٍ لو كنتُ حمالا! كنتُ في المتجر وأنا أطالع المال يتبدى في الشارع فصرتُ ألطم رأسي. تركتُ مكاني ونزلتُ أراقبهم من قريب
علق عليه هازئا:
_ أتود أن تُصاب بجلطة؟
فأجابه كمن لا يصدق ما يرى:
_ كيف له قلب ويتبرع بماله؟ كيف… كيف؟

أبو علي، في يديه حزمتان من الأوراق النقدية ،يسير بين الناس ويعايد بها فقط الحمالين. حتى من لديه حمل يضع العيدية في جيبه وهو يسير بحمله. تتجلى الروح العراقية الطيبة والأصيلة والتي لم تغيرها الظروف في نفسية أبو علي وحده دون غيره. كان يأتي صباحا إلى عمله ويطالع الحمالين ويقول لهم جملته المعتادة "فقط أنتم رزقكم حلال". يسير على الأرض مثل نملة لا يسمع دبيبها، يمشي خفية وأولاده يملكون زبدة أخلاقه ليس هو وأولاده فحسب مثلا أبو سجاد وميثم ومن العجيب أن ترى عائلة واحدة تمتلك حصيلة أخلاق ثابتة.

حل الليل عليه وحينها لم تكن كاميرات المراقبة منتشرة في المنازل والأزقة كما هي الحال اليوم، طرق باب منزله عصابة مسلحة، ترتدي ملابس سوداء وملثمة ومن سوء حظه، كان هو من فتح الباب لهم. حاولوا خطفه، تمسكوا به من الخارج بينما تمسك به أولاده من الداخل وعندما يئست العصابة من اختطافه، أطلقت رصاصة في رأسه فتناثر الدم على الأرض، مثل نحر في عتبة.

عاد ابي فاطمة إلى منزله حزينا على غير العادة. فما زال منظر الأموال ترمى في أيدي غير يديه، منظر مؤلم منعه من تناول طعامه في تلك الليلة.وقبل أن ينام ، قرر الذهاب المعتاد الروتيني لابنته، يأخذ منها مال الوقود لكنها جابهته بالرفض هذه المرة .طلب منها بإلحاح وكرر طلبه مرارا مبررة رفضها بأن راتبها الشهري كله في يده، وأن ذلك يكفيه. ثم أخبرها بلهجة المتباكي، أنّ السيارة بلا بنزين وأنه لا يملك مالا الآن مع أن المؤشر كان يشير إلى نصف الخزان.
أنفجر ساخرا بمرارة "أتريدينني أن أملأها بالماء؟"، في هذه الاثناء رن جهاز النوكيا الخاص به بنغمته المعتادة ، اجاب وعينيه تحولتا إلى جحوظ واخرس فاهه وخرج من المنزل برغم حظر التجوال.غادر مهرولا ولم ينس انتصاره الصغير، كان قد سرق علبة القيمر التي أخفتها ابنته عنه قسرا، كأنها آخر ما تبقى لها من سيادة.

سار في سيارته المتهالكة يعبر النقاط التفتيشية واحدة إثر أخرى متوقفا عند كل منها مستمعا بلا اكتراث إلى تعليقات الأجهزة الأمنية عن ضرورة استبدال هذه الأوبل بأخرى سمعتها أكثر أمانا. كان يضع نصائحهم خارج طبلة أذنه حيث تُخزَّن العبارات التي لا تغير شيئا، وقبل أن يبلغ السوق، لمح غيوما دخانية تتصاعد من الجهة التي يقصدها ومع كل متر يقطعه كان الدخان يزداد كثافة وسوادا كأن المدينة تحترق ببطء متعمد. ظهرت النيران تلتهم جدران العمارة وتتخلّها أصوات انفجارات صغيرة متقطعة ناتجة عن تفجر علب العطور، روائح الرفاهية السابقة تتحول إلى وقود للكارثة.
حريق دام اشتعاله ثلاثة أيام محولا كل مظهر حياتي إلى سواد فحم وحداد جنائزي يخيم على أصحاب متاجر القادسية بينما وقع حداد حتمي على ما أصاب أبي علي.

قيل إن الدولة العراقية صرفت لهم مبلغ تعويض قدره عشرة ملايين، ولم يفرح بهذا المبلغ سوى أبي فاطمة، الذي يملأ عطوره بالماء. سار أبو علي بين الناس، بجمجمة نصف مهمشة، كأنه يلفت الأنظار على صموده العجيب. وعاد عماد يسير بينهم، لا مبالٍ كعادته بالحريق، بينما التحق علي بالفرقة الذهبية لمكافحة الإرهاب.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى