الجزء الثاني
قرى منشأ التسول
وهذا النمط لم يكن حكرا على البصرة والعمارة فالناصرية، والديوانية والسماوة، عرفت هي الأخرى هذا التبادل المتقاطع للمتسوّلين في الثمانينيات والتسعينيات، إذ كان أبناء هذه المدن الثلاث "يتسولون فيما بينهم"، كما لو أن الفقر نفسه قد أنشأ خريطة تنقّل موازية لخريطة الدولة.
لكن المشهد لم يتوقف عند ذلك فبعد سقوط النظام ولا سيما في مواسم الزيارات الدينية مثلا الزيارة الأربعينية، تبدأ ظاهرة التسول تأخذ شكلا أكثر اتساعا وتنظيما. إذ جرى تحويل الوازع الديني في كثير من الحالات، من طاقة وجدانية وروحية إلى موسم تجارة. وهنا سأتحدث عن تجارة تسول هذه المناطق الثلاث في المواسم الدينية. عندما يصبح المتسوّل جزءا من اقتصاد مناسبات كامل، يعرف أين يقف ومتى يظهر وكيف يخاطب الزائر وبأي هيئة يضمن أعلى قدر من العطف والعطاء، يكون السيناريو كالتالي:
كان المتسولون يخرجون مشيا من منازلهم في الديوانية أو الناصرية أو السماوة متجهين نحو النجف أو كربلاء. ولم تكن الرحلة في ذاتها عبئا اقتصاديا عليهم؛ لأن طريق الزيارة كان قد تكفّل بكل شيء تقريبا فالطعام مجانا والشراب مجانا والمبيت مجانا من لحظة الانطلاق حتى الوصول إلى المدينة المقصودة. وحين يبلغ الزائر مراده ويؤدي الزيارة ويكمل مناسكه، يبدأ طورٌ آخر من الرحلة واسمه "طور التسوّل"
في الحقيقة، كان فعل التسوّل يُمارَس في النجف أكثر مما يُمارَس في كربلاء على الرغم من الزخم البشري في المدينتين معا والسبب في ذلك أن النجف كانت تمنح المتسوّل فرصة أوفر للاقتراب من المعمّمين وطلاب الحوزة ورجال الدين؛ لكثرة حضورهم في أزقتها القديمة وطرقاتها الضيقة. وكان المعمّم في الخيال الشعبي للمتسوّلين يعتبر صيدا محتملا، رجلٌ يُفترض فيه الرحمة ويصعب عليه ردّ سائل يقطع عليه طريقه أو دعاءه. ولهذا، ما إن يظهر أحدهم في الطريق حتى يُطارَد بالنداء"اعطيني من رزق الله" فيجيبه الآخر إن لم يرغب في إعطاه "الله ينطيك". وغالبا هنا ينسج المتسول مشهدا تمثيليا كاملا قائما على الإقناع والاستعطاف وقراءة هيئة الشخص المقابل فقد يختار لحظة شديدة الحساسية. مثلا، هناك معمّم أنهى زيارة الإمام ووقف ليصلي صلاة الزيارة وما إن يرفع يديه ويقول (الله أكبر) حتى يظهر أمامه رجلٌ مسن بملامح وقورة وعقال عربي وعباءة عربية كأنه شيخ عشيرة أو كبير عائلة ثم يبدأ الحوار كما التالي:
_ شيخنا، لدي حاجة عندك
_ تفضل
_ والله إني جئت من الناصرية خصيصا إلى مكتب السيد لأن عندي مريضا والمريض له أربعة أيام نائم في الفندق ونحن ننتظر أن يُدخلونا على مكتب السيد ولم يُدخلنا أحد حتى اللحظة
_ لكنني لا أعرف أحدا في المكتب
_ قالوا لي أن آتي ولا معرفة لدي هنا
_ كان الأولى أن تذهب إلى وكيل المرجع في منطقتك التي تسكن بها وتخبره بنفسك
_ المهم أنني الآن نفدت خرجيّتي وعائلتي معي
_والخرجية هنا تعني المال الذي يحمله المرء للنفقة اليومية في السفر_ . في تلك اللحظة، يصبح الرجل أمام المعمم مسؤولية أخلاقية طارئة. فإذا كان في جيب الشيخ خمسة عشر ألف دينار مثلا، فقد يخرج منها عشرة آلاف ويدفعها له ويُبقي لنفسه خمسة آلاف فقط ثم ينتهي المشهد بعبارة قصيرة محفوظة تكاد تكون جزءا من طقس التبادل نفسه
"الله يخليك"
ما يجعل هذا النوع من التسول فعالا هو البنية الرمزية التي يستند إليها من المرقد، الزيارة، المرض، العائلة، المرجعية، العجز وكِبَر السن. في هذا النوع من التسول على المتسول أن يؤلف أولا قصة تستحق المال، تقنع العقل بواقعيتها وتؤلم القلب بما فيها وإلا مرّ فقره بلا تصفيق وعليه صار المتسول ممثلا اجتماعيا بارعا يعرف كيف يختار ضحيته ويجيد الضرب على وتر العاطفة بقصة محبوكة سلفا ويعرف جيدا متى يظهر وكيف يختار مَن يثير عطفه وبأي لغة يتكلم وأي هيئة يلبس وأي سردية ينسج، حتى يُنتج الشفقة بوصفها قيمة قابلة للتحويل إلى نقود. لقد حوّل المتسول الزيارات الدينية، في بعض تمظهراتها الحديثة من فضيلة فردية إلى مورد اقتصادي قابل للاستثمار. فحيث يوجد الزائر يوجد البائع والمضيف والناقل والمتسول أيضا وهكذا دخل التسول هو الآخر في دورة الاقتصاد الشعائري.
وجود المتسولين في المناطق الدينية يبلغ ذروته خلال العاشر من محرم ثم يتضاعف بصورة أوضح في موسم الأربعينية، الذي يشكّل بالنسبة إليهم ما يشبه العيد الاقتصادي السنوي. فمنذ الأول من صفر حتى الثلاثين منه، أي طوال الشهر يكون المتسول داخل موسم عمل مفتوح. يتسول نهارا ويبيت مجانا ويأكل مجانا ويشرب مجانا حتى إن بعض الناس يغسلون له ثيابه المتسخة أيضا. وهكذا يتحوّل شهر صفر من كل عام هجري إلى بيئة إعاشة كاملة لا تتطلب منه سوى أن يعرف أين يقف وكيف يطلب ولمن يوجه خطابه.
أما زيارة أمير المؤمنين تتم في شهر رمضان، فهي على العكس من ذلك، موسم قصير ومحدود الجدوى، لا تتجاوز مدته في الغالب ثلاثة أيام من ليلة الجرح إلى ليلة الاستشهاد، أي التاسع عشر والعشرين والحادي والعشرين من شهر رمضان. ولا يمكث المتسول أكثر من ذلك عادة، لأن رمضان يفرض عليه مشكلات عملية لا يواجهها في صفر أو محرم. فأولا، هو في حكم المسافر المفطر، ما يعني أن وجوده الطويل في المدينة قد يربكه دينيا اجتماعيا فيضعه في موضع مساءلة. وثانيا، فإن المواكب في رمضان لا تعمل بالزخم نفسه طوال الليل والنهار بل تتركز فقط عند الإفطار وهذا يضيّق عليه مساحة الحركة. فإذا انتهى الإفطار وانطفأ الازدحام في النهار وبقي هو في المدينة، فما الذي سيفعله بقية النهار؟ أين يذهب؟ وأين يقضي ساعاته الفارغة؟
لذلك، كثيرا ما كان يقضي النهار في الصحن العلوي أو يبحث عن فندق رخيص لينام فيه، لأن الفنادق في رمضان لا تكون ممتلئة كما هي في مواسم الزيارات الكبرى. فينام في النهار ثم يخرج ليلا "ليرى شغله"، والمفارقة أن كثيرا من هؤلاء الذين يتسولون في النجف أو كربلاء ليسوا زائرين عابرين من الناصرية والسماوة والديوانية، هم في الأصل من ذلك الثالوث الجنوبي المعروف الناصرية والديوانية والسماوة لكنهم استقروا لاحقا في النجف نفسها وصاروا جزءا من مشهدها اليومي لا من مواسمها وحدها؛ ذلك أن عائلات النجف وكربلاء يغلب عليها الطابع التجاري، في المطاعم والفنادق فكيف لتاجر أن يتسول؟ وحتى فقراء المدينتين يتجنبون التسول فيهما ويفضلون أماكن أخرى اتقاء للوصمة الاجتماعية.
كانت النساء بدورهن أكثر براعة في ابتكار خطاب ديني مُحكم الصياغة يجمع بين الحياء والقداسة والدهاء الاجتماعي، كأن تقترب إحداهن من رجل دين أو طالب علم وتقول بصوت خفيض:
_ السلام عليكم، سيدنا؟
_ وعليكم السلام
_ سؤال
_ تفضلي
_ والله إني جئت من بغداد ولدي نذر ونذري يقتضي أن أمدّ يدي للناس. وإذا مددت يدي فلا أمدها إلا لطالب العلم. غير طالب العلم لا أمدّ له يدي وأنا في النجف عند أبو اليتامى
_ وإذا كان طالب العلم نفسه لا يستلم راتبا، فكيف به؟ وحالته يرثى لها ويأكل مرقة هواء اليوم وغدا مرق طماطة. ها أنا أمامكِ آخذ غدائي من العتبة وأقسمه نصفين نصفا للغداء ونصفا للعشاء. فلا تمدي يدكِ لي؛ لأن ما عندي، ما عندي.
_ شلون؟ يعني أني هسه أنطيك؟
_ لا أريد منك شيئا لكن ابحثي لك عن طالب علم "متريّش" ممتلئ الحال وخذي منه
فتدرك أن باب الاستدرار قد أُغلق وأن الحيلة لم تُجدِ هذه المرة فتنسحب كما جاءت فارغة اليدين.
وهذا المشهد على بساطته، يكشف مفارقة عميقة في اقتصاد التسول الديني فالمتسول لا يطلب المال من الغني فقط، يكفي أن يكون الرجل معمما أو طالب علم أو محسوبا على العتبة العلوية/الحسينية حتى يُفترض فيه اجتماعيا أنه قادر على العطاء أو على الأقل عاجز عن الرفض. المتسول في المدن الدينية يعيش على قراءة دقيقة للمواسم والرموز والبشر. فهو يعرف متى تأتي الجموع ويعرف أيضا من الذي يُستدرّ بالدين ومن يُستدر بالعاطفة ومن يُستدرّ بالعار ومن لا جدوى منه أصلا. ولذلك يصبح التقويم الديني في هذا السياق جدولا اقتصاديا موازيا يُنظَّم على أساسه العمل والنوم والتنقل والربح.
المقبرة: اقتصاد الفاجعة
في العادة لا يقول المتسول مباشرة "أعطني المال" فالتسول، في جوهره هو اختراع صيغة مناسبة للمكان وعليه فإن لكل مكان شفرته الخاصة به. العبارة التي يعرف أنها تعمل في هذا الفضاء دون غيره والنبرة التي تتوافق مع مزاج الناس والتمثيل الذي ينسجم مع روح الموقع. وفي المقبرة، لا يصلح خطاب مواقف السيارات ولا خطاب العتبة وحده فهنا يكون الناس في حال هشّ عاطفيا. جالسون بالمقربة من قبور آبائهم وأمهاتهم يقرأون القرآن، يستعيدون وجوها غابت أو يبكون بصمت ثقيل ويعاتبون الموت على أثر الغياب الموحش هذا. ولهذا، فإن المتسول في المقبرة يقترب منهك بوصفه جزءا مفاجئا من طقس الحزن نفسه ويفرض نفسه عليك كالدخليل تماما. مثلا يجلس أحدهم جنب قبر والده، يقرأ له القرآن فإذا بشخص يظهر من حيث لا يدري، ينقضّ عليه من الخلف ويبدأ فورا من غير استئذان بقراءة سورة يس" أعوذ بالله من الشيطان الرجيم،،، بسم الله الرحمن الرحيم،،، يس والقرآن الحكيم"، هكذا بلا مقدمة ولا سؤال ولا تمهيد فقط اقتحام كامل للمشهد. وكان هذا الأسلوب ينجح أكثر مع النساء من الرجال فكثيرات منهن إذا فُوجئن بصوت خلف ظهورهن في المقبرة، يفزعن ويرتبكن وربما يختلط عليهن الخوف بالحزن حتى تقسم بعضهن ألا يعدن إلى المقبرة بعد تلك الحادثة ويؤجلن الزيارة لسنوات. أما أخريات فيدفعن المال سريعا تخلصا من وطأة اللحظة. ولهذا كانت غنيمة المتسول في المقبرة هي النساء أكثر من الرجال؛ لأنه يعرف أنه يلعب هنا على وتر العاطفة والخشية والفقد معا. يمكن تخيّل المشهد على هذا النحو مع المرأة:
امرأة تجلس عند قبر ولدها تبكي بصمت غارقة في ذكراها،
وفجأة ومن فوق رأسها مباشرة ينفجر صوت لم تستدعِه
"أعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم،،، بسم الله الرحمن الرحيم،،، يس والقرآن الحكيم،،،، إنك لمن المرسلين،،،"
يرتفع الصوت فوقها كأنه هبط عليها من الغيب لا من الأرض فتنتفض المرأة ويختلط عليها الأمر بين رهبة المكان وفجاءة الصوت وتقول:
_ إي أدري... لعد آني شدا آسوي أ...؟ مو دا أقرأ قرآن؟ اني دا أقرأ القرآن، تجيني إنت يس والقرآن الحكيم! شكو؟
في تلك اللحظة، ينقلب المشهد فالذي حاول أن يحتكر القداسة كي يبتز بها، يجد نفسه فجأة مكشوفا، منزوع الهيبة مردودا إلى حقيقته فيصمت ويذهب. لكن المشهد مع الرجال يأخذ أحيانا منحى آخر أقل رعبا وأكثر سخرية ومواجهة. يأتي متسول شابٌ هذه المرة ويبدأ بطريقته المعتادة "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم... يس والقرآن..."
غير أن الرجل الجالس عند القبر يكون حافظا لسورة يس أو على الأقل عارفا بمقاطعها فيلاحظ سريعا أن المتسول يلتقط منها آيات متفرقة، يقفز من موضع إلى موضع ويختصرها كما لو كان يريد أن ينجز الواجب بأقل وقت ممكن ولا يقرأها قراءة سليمة، فيقاطعه الرجل:
_ اوگف.. اوگف
ثم يبدأ بتصحيح القراءة كلمة كلمة وآية آية وكلما أخطأ المتسوّل صحّح له الرجل وكلما حاول أن يختصر أعاده إلى الموضع الصحيح حتى وجد الشاب المتسول نفسه بدل أن يبتز الحزن يتلقى درسا في التجويد. يمضي الرجل معه حتى يكاد يُلزمه بإكمال السورة كلها ثم يقول له المتسول:
_ ها؟ طلعت حافظها؟ يلا، انطيني
فيرد الرجل على الفور:
_ ماذا اعطيك؟
_ ألم أقرأ السورة كاملة؟ هيا.. أعطني
_ ما الذي أُعطيك إياه؟ وهل أنا الذي أرسلتك إليّ؟
_ كيف؟ ألسْتُ قد قرأت
_ باوع تروح من يمي لا أدفنك هنا... تره آني دفّان واختصاص دفن بالليل!
وهنا، لا يحتاج الأمر إلى أكثر من هذه الجملة كي يطفر المتسول ويهرب.
المتسول بوصفه مقيما موسميا:
وهناك أيضا نموذج آخر من المتسولين أكثر هدوءا وأشد مكرا مثل رجل طاعن في السن متقاعد يتقاضى راتبا شهريا يبلغ ستمئة ألف دينار لكنه لا يكتفي به ويخرج في مواسم الزيارة والأعياد ليمارس التسول بوصفه دخلا موسميا إضافي. يأتي في تلك الفترات إلى النجف وينزل في فندق محلي ثم يتمركز في شارع الرسول، أحد أكثر الشوارع حيوية وازدحاما بالزائرين والباعة والمعمّمين والمارة. هناك، يقف مرتديا نظارة طبية ويمسك عكازا يتكئ عليه ويفتح كفّه للذاهب والعائد مرددا بصوت متهدج "بثواب أمير المؤمنين..الله ينطيكم..الله يجزيكم.." وهو في الحقيقة ليس أعمى لكنه "مسوي روحه أعمى"، كما يُقال باللهجة العراقية، أي يتقمص هيئة العاجز ليضاعف فرصته في استدرار العطف. ولا يقيم في النجف إقامة المتشرد بل إقامة الضيف المنظم، فهو نزيل في فندق تبلغ أجرة الليلة فيه عشرة آلاف دينار، يأتي من كركوك ويبقى في النجف عشرة أيام أو نحوها بحسب الموسم. وخلال تلك الفترة يأكل ثلاث وجبات يوميا في المطاعم الجيدة ويصرف على نفسه بهامش واضح من الراحة ثم حين تنتهي المناسبة الدينية ينهي إقامته ببساطة ويركب سيارة أجرة من النجف إلى بغداد ثم سيارة أخرى من بغداد إلى كركوك
وحين يسأله السائق عن الأجرة، لا يدخل غالبا في مساومة الفقير بل يجيب ببرود الواثق "شكد الكروة؟ مو مهم."
شارع الرسول هو مسرح الإحراج العلني وفي شارع الرسول نفسه، لا يقف الرجال وحدهم فهناك أيضا نساء احترفن نوعا آخر من التسوّل، يقوم على وتر الإحراج العلني. كأن تقف المرأة على قارعة الشارع، متربصة بحركة المعمّمين وما إن ترى أحدهم يمر حتى ترفع صوتها عمدا وبنبرة مسموعة لمن حولها "شيخنا!..سيدنا!"..بلا زحمة.. سؤال!" وما إن يلتفت حتى تبدأ منصة التسول التي أعدتها سلفا. لكن المفارقة أن صاحب العمامة نفسه يعرفهم ويعرف وجوههم وقصصهم ومواضع وقوفهم تماما كما يعرفهم الباعة وأصحاب الدكاكين وكل من يمر من الشارع يوميا. أي إن هذه المسرحية على الرغم من تكرارها، لا تفقد فاعليتها بالكامل، لأنها تقوم على شيء بسيط جدا وهو أن الإحراج حتى لو كان مكشوفا يظل أحيانا أقوى من القناعة.
من النجف إلى كربلاء وخلال جغرافيا التسول الديني هذا
وما يحدث في النجف يتكرر بدرجات متفاوتة في كربلاء أيضا غير أن تمركز المتسولين هناك يأخذ شكلا أكثر امتدادا على طريق بغداد – كربلاء، لا في مركز المدينة وحده والسبب بسيط، كما يقال شعبيا "بغداد خواردة" أي إن كثافة الزائرين القادمين منها وتنوعهم الطبقي وحجم الإنفاق المتوقع منهم، تجعل الطريق المؤدي إلى كربلاء سوقا مفتوحا للتسول. ولهذا، لا يقتصر حضور المتسولين في كربلاء على يوم أو يومين، بل يمتد أحيانا إلى شهر صفر كله. شهرٌ كامل من الإقامة والعمل والاستفادة من البنية المجانية التي توفرها المواكب والعتبات والخدمات الشعبية من طعام، شراب، مبيت، غسيل ثياب، تنقل جزئي ومجال بشري هائل للطلب. وبذلك يصبح المتسول مقيما موسميا متنقلا، يتعامل مع النجف وكربلاء كما يتعامل التاجر مع موسم السوق، يعرف متى يأتي وأين ينزل وكم يبقى ومتى يغادر وكم خرج به من الربح.
إذا انتقلنا إلى واسط وتحديدا إلى سكان الكوت، فسنجد نمطا مختلفا من التسول أقل طموحا من حيث المسافة وأكثر حسابا من حيث الكلفة فالمتسول هناك، في الغالب لا يذهب إلى بغداد أو إلى المحافظات البعيدة؛ لأن الأمر يحتاج إلى أجرة نقل وربما مبيت في فندق ما وعدة أيام من الإنفاق بينما هو لا يريد أن "يعطي من دمه" ثم لا يخرج في النهاية إلا بالقليل. لهذا، كان متسولو الكوت يفضلون الأقضية والنواحي القريبة، يذهبون إليها صباحا ويتسولون فيها ثم يعودون إلى أهلهم في اليوم نفسه. أي إن التسول هنا لا يقوم على الهجرة الموسمية كما في النجف وكربلاء بل على الدورة اليومية القصيرة (خروج، تحصيل، عودة).
وكانت النساء في هذا السياق أكثر حذرا في الأداء.
فقد تكون المرأة معلمة ذات دخل جيد لكنها مع ذلك تقف خارج المحافظة، تحديدا قرب البانزين خانة بجانب مطب صناعي حيث يخفف السائقون سرعتهم وتكون فرصة الالتقاط البصري أكبر. هي ترتدي نقابا أسود وعباءة سوداء وجوارب سوداء وتحمل حقيبة سوداء خارج العباءة، أي إنها تبني هيئة كاملة قائمة على التستر والانضباط والهيبة الحزينة وتكتفي بصيغة محسوبة " السلام عليكم.. إني محتاجة، وما عندي".
قرى منشأ التسول
وهذا النمط لم يكن حكرا على البصرة والعمارة فالناصرية، والديوانية والسماوة، عرفت هي الأخرى هذا التبادل المتقاطع للمتسوّلين في الثمانينيات والتسعينيات، إذ كان أبناء هذه المدن الثلاث "يتسولون فيما بينهم"، كما لو أن الفقر نفسه قد أنشأ خريطة تنقّل موازية لخريطة الدولة.
لكن المشهد لم يتوقف عند ذلك فبعد سقوط النظام ولا سيما في مواسم الزيارات الدينية مثلا الزيارة الأربعينية، تبدأ ظاهرة التسول تأخذ شكلا أكثر اتساعا وتنظيما. إذ جرى تحويل الوازع الديني في كثير من الحالات، من طاقة وجدانية وروحية إلى موسم تجارة. وهنا سأتحدث عن تجارة تسول هذه المناطق الثلاث في المواسم الدينية. عندما يصبح المتسوّل جزءا من اقتصاد مناسبات كامل، يعرف أين يقف ومتى يظهر وكيف يخاطب الزائر وبأي هيئة يضمن أعلى قدر من العطف والعطاء، يكون السيناريو كالتالي:
كان المتسولون يخرجون مشيا من منازلهم في الديوانية أو الناصرية أو السماوة متجهين نحو النجف أو كربلاء. ولم تكن الرحلة في ذاتها عبئا اقتصاديا عليهم؛ لأن طريق الزيارة كان قد تكفّل بكل شيء تقريبا فالطعام مجانا والشراب مجانا والمبيت مجانا من لحظة الانطلاق حتى الوصول إلى المدينة المقصودة. وحين يبلغ الزائر مراده ويؤدي الزيارة ويكمل مناسكه، يبدأ طورٌ آخر من الرحلة واسمه "طور التسوّل"
في الحقيقة، كان فعل التسوّل يُمارَس في النجف أكثر مما يُمارَس في كربلاء على الرغم من الزخم البشري في المدينتين معا والسبب في ذلك أن النجف كانت تمنح المتسوّل فرصة أوفر للاقتراب من المعمّمين وطلاب الحوزة ورجال الدين؛ لكثرة حضورهم في أزقتها القديمة وطرقاتها الضيقة. وكان المعمّم في الخيال الشعبي للمتسوّلين يعتبر صيدا محتملا، رجلٌ يُفترض فيه الرحمة ويصعب عليه ردّ سائل يقطع عليه طريقه أو دعاءه. ولهذا، ما إن يظهر أحدهم في الطريق حتى يُطارَد بالنداء"اعطيني من رزق الله" فيجيبه الآخر إن لم يرغب في إعطاه "الله ينطيك". وغالبا هنا ينسج المتسول مشهدا تمثيليا كاملا قائما على الإقناع والاستعطاف وقراءة هيئة الشخص المقابل فقد يختار لحظة شديدة الحساسية. مثلا، هناك معمّم أنهى زيارة الإمام ووقف ليصلي صلاة الزيارة وما إن يرفع يديه ويقول (الله أكبر) حتى يظهر أمامه رجلٌ مسن بملامح وقورة وعقال عربي وعباءة عربية كأنه شيخ عشيرة أو كبير عائلة ثم يبدأ الحوار كما التالي:
_ شيخنا، لدي حاجة عندك
_ تفضل
_ والله إني جئت من الناصرية خصيصا إلى مكتب السيد لأن عندي مريضا والمريض له أربعة أيام نائم في الفندق ونحن ننتظر أن يُدخلونا على مكتب السيد ولم يُدخلنا أحد حتى اللحظة
_ لكنني لا أعرف أحدا في المكتب
_ قالوا لي أن آتي ولا معرفة لدي هنا
_ كان الأولى أن تذهب إلى وكيل المرجع في منطقتك التي تسكن بها وتخبره بنفسك
_ المهم أنني الآن نفدت خرجيّتي وعائلتي معي
_والخرجية هنا تعني المال الذي يحمله المرء للنفقة اليومية في السفر_ . في تلك اللحظة، يصبح الرجل أمام المعمم مسؤولية أخلاقية طارئة. فإذا كان في جيب الشيخ خمسة عشر ألف دينار مثلا، فقد يخرج منها عشرة آلاف ويدفعها له ويُبقي لنفسه خمسة آلاف فقط ثم ينتهي المشهد بعبارة قصيرة محفوظة تكاد تكون جزءا من طقس التبادل نفسه
"الله يخليك"
ما يجعل هذا النوع من التسول فعالا هو البنية الرمزية التي يستند إليها من المرقد، الزيارة، المرض، العائلة، المرجعية، العجز وكِبَر السن. في هذا النوع من التسول على المتسول أن يؤلف أولا قصة تستحق المال، تقنع العقل بواقعيتها وتؤلم القلب بما فيها وإلا مرّ فقره بلا تصفيق وعليه صار المتسول ممثلا اجتماعيا بارعا يعرف كيف يختار ضحيته ويجيد الضرب على وتر العاطفة بقصة محبوكة سلفا ويعرف جيدا متى يظهر وكيف يختار مَن يثير عطفه وبأي لغة يتكلم وأي هيئة يلبس وأي سردية ينسج، حتى يُنتج الشفقة بوصفها قيمة قابلة للتحويل إلى نقود. لقد حوّل المتسول الزيارات الدينية، في بعض تمظهراتها الحديثة من فضيلة فردية إلى مورد اقتصادي قابل للاستثمار. فحيث يوجد الزائر يوجد البائع والمضيف والناقل والمتسول أيضا وهكذا دخل التسول هو الآخر في دورة الاقتصاد الشعائري.
وجود المتسولين في المناطق الدينية يبلغ ذروته خلال العاشر من محرم ثم يتضاعف بصورة أوضح في موسم الأربعينية، الذي يشكّل بالنسبة إليهم ما يشبه العيد الاقتصادي السنوي. فمنذ الأول من صفر حتى الثلاثين منه، أي طوال الشهر يكون المتسول داخل موسم عمل مفتوح. يتسول نهارا ويبيت مجانا ويأكل مجانا ويشرب مجانا حتى إن بعض الناس يغسلون له ثيابه المتسخة أيضا. وهكذا يتحوّل شهر صفر من كل عام هجري إلى بيئة إعاشة كاملة لا تتطلب منه سوى أن يعرف أين يقف وكيف يطلب ولمن يوجه خطابه.
أما زيارة أمير المؤمنين تتم في شهر رمضان، فهي على العكس من ذلك، موسم قصير ومحدود الجدوى، لا تتجاوز مدته في الغالب ثلاثة أيام من ليلة الجرح إلى ليلة الاستشهاد، أي التاسع عشر والعشرين والحادي والعشرين من شهر رمضان. ولا يمكث المتسول أكثر من ذلك عادة، لأن رمضان يفرض عليه مشكلات عملية لا يواجهها في صفر أو محرم. فأولا، هو في حكم المسافر المفطر، ما يعني أن وجوده الطويل في المدينة قد يربكه دينيا اجتماعيا فيضعه في موضع مساءلة. وثانيا، فإن المواكب في رمضان لا تعمل بالزخم نفسه طوال الليل والنهار بل تتركز فقط عند الإفطار وهذا يضيّق عليه مساحة الحركة. فإذا انتهى الإفطار وانطفأ الازدحام في النهار وبقي هو في المدينة، فما الذي سيفعله بقية النهار؟ أين يذهب؟ وأين يقضي ساعاته الفارغة؟
لذلك، كثيرا ما كان يقضي النهار في الصحن العلوي أو يبحث عن فندق رخيص لينام فيه، لأن الفنادق في رمضان لا تكون ممتلئة كما هي في مواسم الزيارات الكبرى. فينام في النهار ثم يخرج ليلا "ليرى شغله"، والمفارقة أن كثيرا من هؤلاء الذين يتسولون في النجف أو كربلاء ليسوا زائرين عابرين من الناصرية والسماوة والديوانية، هم في الأصل من ذلك الثالوث الجنوبي المعروف الناصرية والديوانية والسماوة لكنهم استقروا لاحقا في النجف نفسها وصاروا جزءا من مشهدها اليومي لا من مواسمها وحدها؛ ذلك أن عائلات النجف وكربلاء يغلب عليها الطابع التجاري، في المطاعم والفنادق فكيف لتاجر أن يتسول؟ وحتى فقراء المدينتين يتجنبون التسول فيهما ويفضلون أماكن أخرى اتقاء للوصمة الاجتماعية.
كانت النساء بدورهن أكثر براعة في ابتكار خطاب ديني مُحكم الصياغة يجمع بين الحياء والقداسة والدهاء الاجتماعي، كأن تقترب إحداهن من رجل دين أو طالب علم وتقول بصوت خفيض:
_ السلام عليكم، سيدنا؟
_ وعليكم السلام
_ سؤال
_ تفضلي
_ والله إني جئت من بغداد ولدي نذر ونذري يقتضي أن أمدّ يدي للناس. وإذا مددت يدي فلا أمدها إلا لطالب العلم. غير طالب العلم لا أمدّ له يدي وأنا في النجف عند أبو اليتامى
_ وإذا كان طالب العلم نفسه لا يستلم راتبا، فكيف به؟ وحالته يرثى لها ويأكل مرقة هواء اليوم وغدا مرق طماطة. ها أنا أمامكِ آخذ غدائي من العتبة وأقسمه نصفين نصفا للغداء ونصفا للعشاء. فلا تمدي يدكِ لي؛ لأن ما عندي، ما عندي.
_ شلون؟ يعني أني هسه أنطيك؟
_ لا أريد منك شيئا لكن ابحثي لك عن طالب علم "متريّش" ممتلئ الحال وخذي منه
فتدرك أن باب الاستدرار قد أُغلق وأن الحيلة لم تُجدِ هذه المرة فتنسحب كما جاءت فارغة اليدين.
وهذا المشهد على بساطته، يكشف مفارقة عميقة في اقتصاد التسول الديني فالمتسول لا يطلب المال من الغني فقط، يكفي أن يكون الرجل معمما أو طالب علم أو محسوبا على العتبة العلوية/الحسينية حتى يُفترض فيه اجتماعيا أنه قادر على العطاء أو على الأقل عاجز عن الرفض. المتسول في المدن الدينية يعيش على قراءة دقيقة للمواسم والرموز والبشر. فهو يعرف متى تأتي الجموع ويعرف أيضا من الذي يُستدرّ بالدين ومن يُستدر بالعاطفة ومن يُستدرّ بالعار ومن لا جدوى منه أصلا. ولذلك يصبح التقويم الديني في هذا السياق جدولا اقتصاديا موازيا يُنظَّم على أساسه العمل والنوم والتنقل والربح.
المقبرة: اقتصاد الفاجعة
في العادة لا يقول المتسول مباشرة "أعطني المال" فالتسول، في جوهره هو اختراع صيغة مناسبة للمكان وعليه فإن لكل مكان شفرته الخاصة به. العبارة التي يعرف أنها تعمل في هذا الفضاء دون غيره والنبرة التي تتوافق مع مزاج الناس والتمثيل الذي ينسجم مع روح الموقع. وفي المقبرة، لا يصلح خطاب مواقف السيارات ولا خطاب العتبة وحده فهنا يكون الناس في حال هشّ عاطفيا. جالسون بالمقربة من قبور آبائهم وأمهاتهم يقرأون القرآن، يستعيدون وجوها غابت أو يبكون بصمت ثقيل ويعاتبون الموت على أثر الغياب الموحش هذا. ولهذا، فإن المتسول في المقبرة يقترب منهك بوصفه جزءا مفاجئا من طقس الحزن نفسه ويفرض نفسه عليك كالدخليل تماما. مثلا يجلس أحدهم جنب قبر والده، يقرأ له القرآن فإذا بشخص يظهر من حيث لا يدري، ينقضّ عليه من الخلف ويبدأ فورا من غير استئذان بقراءة سورة يس" أعوذ بالله من الشيطان الرجيم،،، بسم الله الرحمن الرحيم،،، يس والقرآن الحكيم"، هكذا بلا مقدمة ولا سؤال ولا تمهيد فقط اقتحام كامل للمشهد. وكان هذا الأسلوب ينجح أكثر مع النساء من الرجال فكثيرات منهن إذا فُوجئن بصوت خلف ظهورهن في المقبرة، يفزعن ويرتبكن وربما يختلط عليهن الخوف بالحزن حتى تقسم بعضهن ألا يعدن إلى المقبرة بعد تلك الحادثة ويؤجلن الزيارة لسنوات. أما أخريات فيدفعن المال سريعا تخلصا من وطأة اللحظة. ولهذا كانت غنيمة المتسول في المقبرة هي النساء أكثر من الرجال؛ لأنه يعرف أنه يلعب هنا على وتر العاطفة والخشية والفقد معا. يمكن تخيّل المشهد على هذا النحو مع المرأة:
امرأة تجلس عند قبر ولدها تبكي بصمت غارقة في ذكراها،
وفجأة ومن فوق رأسها مباشرة ينفجر صوت لم تستدعِه
"أعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم،،، بسم الله الرحمن الرحيم،،، يس والقرآن الحكيم،،،، إنك لمن المرسلين،،،"
يرتفع الصوت فوقها كأنه هبط عليها من الغيب لا من الأرض فتنتفض المرأة ويختلط عليها الأمر بين رهبة المكان وفجاءة الصوت وتقول:
_ إي أدري... لعد آني شدا آسوي أ...؟ مو دا أقرأ قرآن؟ اني دا أقرأ القرآن، تجيني إنت يس والقرآن الحكيم! شكو؟
في تلك اللحظة، ينقلب المشهد فالذي حاول أن يحتكر القداسة كي يبتز بها، يجد نفسه فجأة مكشوفا، منزوع الهيبة مردودا إلى حقيقته فيصمت ويذهب. لكن المشهد مع الرجال يأخذ أحيانا منحى آخر أقل رعبا وأكثر سخرية ومواجهة. يأتي متسول شابٌ هذه المرة ويبدأ بطريقته المعتادة "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم... يس والقرآن..."
غير أن الرجل الجالس عند القبر يكون حافظا لسورة يس أو على الأقل عارفا بمقاطعها فيلاحظ سريعا أن المتسول يلتقط منها آيات متفرقة، يقفز من موضع إلى موضع ويختصرها كما لو كان يريد أن ينجز الواجب بأقل وقت ممكن ولا يقرأها قراءة سليمة، فيقاطعه الرجل:
_ اوگف.. اوگف
ثم يبدأ بتصحيح القراءة كلمة كلمة وآية آية وكلما أخطأ المتسوّل صحّح له الرجل وكلما حاول أن يختصر أعاده إلى الموضع الصحيح حتى وجد الشاب المتسول نفسه بدل أن يبتز الحزن يتلقى درسا في التجويد. يمضي الرجل معه حتى يكاد يُلزمه بإكمال السورة كلها ثم يقول له المتسول:
_ ها؟ طلعت حافظها؟ يلا، انطيني
فيرد الرجل على الفور:
_ ماذا اعطيك؟
_ ألم أقرأ السورة كاملة؟ هيا.. أعطني
_ ما الذي أُعطيك إياه؟ وهل أنا الذي أرسلتك إليّ؟
_ كيف؟ ألسْتُ قد قرأت
_ باوع تروح من يمي لا أدفنك هنا... تره آني دفّان واختصاص دفن بالليل!
وهنا، لا يحتاج الأمر إلى أكثر من هذه الجملة كي يطفر المتسول ويهرب.
المتسول بوصفه مقيما موسميا:
وهناك أيضا نموذج آخر من المتسولين أكثر هدوءا وأشد مكرا مثل رجل طاعن في السن متقاعد يتقاضى راتبا شهريا يبلغ ستمئة ألف دينار لكنه لا يكتفي به ويخرج في مواسم الزيارة والأعياد ليمارس التسول بوصفه دخلا موسميا إضافي. يأتي في تلك الفترات إلى النجف وينزل في فندق محلي ثم يتمركز في شارع الرسول، أحد أكثر الشوارع حيوية وازدحاما بالزائرين والباعة والمعمّمين والمارة. هناك، يقف مرتديا نظارة طبية ويمسك عكازا يتكئ عليه ويفتح كفّه للذاهب والعائد مرددا بصوت متهدج "بثواب أمير المؤمنين..الله ينطيكم..الله يجزيكم.." وهو في الحقيقة ليس أعمى لكنه "مسوي روحه أعمى"، كما يُقال باللهجة العراقية، أي يتقمص هيئة العاجز ليضاعف فرصته في استدرار العطف. ولا يقيم في النجف إقامة المتشرد بل إقامة الضيف المنظم، فهو نزيل في فندق تبلغ أجرة الليلة فيه عشرة آلاف دينار، يأتي من كركوك ويبقى في النجف عشرة أيام أو نحوها بحسب الموسم. وخلال تلك الفترة يأكل ثلاث وجبات يوميا في المطاعم الجيدة ويصرف على نفسه بهامش واضح من الراحة ثم حين تنتهي المناسبة الدينية ينهي إقامته ببساطة ويركب سيارة أجرة من النجف إلى بغداد ثم سيارة أخرى من بغداد إلى كركوك
وحين يسأله السائق عن الأجرة، لا يدخل غالبا في مساومة الفقير بل يجيب ببرود الواثق "شكد الكروة؟ مو مهم."
شارع الرسول هو مسرح الإحراج العلني وفي شارع الرسول نفسه، لا يقف الرجال وحدهم فهناك أيضا نساء احترفن نوعا آخر من التسوّل، يقوم على وتر الإحراج العلني. كأن تقف المرأة على قارعة الشارع، متربصة بحركة المعمّمين وما إن ترى أحدهم يمر حتى ترفع صوتها عمدا وبنبرة مسموعة لمن حولها "شيخنا!..سيدنا!"..بلا زحمة.. سؤال!" وما إن يلتفت حتى تبدأ منصة التسول التي أعدتها سلفا. لكن المفارقة أن صاحب العمامة نفسه يعرفهم ويعرف وجوههم وقصصهم ومواضع وقوفهم تماما كما يعرفهم الباعة وأصحاب الدكاكين وكل من يمر من الشارع يوميا. أي إن هذه المسرحية على الرغم من تكرارها، لا تفقد فاعليتها بالكامل، لأنها تقوم على شيء بسيط جدا وهو أن الإحراج حتى لو كان مكشوفا يظل أحيانا أقوى من القناعة.
من النجف إلى كربلاء وخلال جغرافيا التسول الديني هذا
وما يحدث في النجف يتكرر بدرجات متفاوتة في كربلاء أيضا غير أن تمركز المتسولين هناك يأخذ شكلا أكثر امتدادا على طريق بغداد – كربلاء، لا في مركز المدينة وحده والسبب بسيط، كما يقال شعبيا "بغداد خواردة" أي إن كثافة الزائرين القادمين منها وتنوعهم الطبقي وحجم الإنفاق المتوقع منهم، تجعل الطريق المؤدي إلى كربلاء سوقا مفتوحا للتسول. ولهذا، لا يقتصر حضور المتسولين في كربلاء على يوم أو يومين، بل يمتد أحيانا إلى شهر صفر كله. شهرٌ كامل من الإقامة والعمل والاستفادة من البنية المجانية التي توفرها المواكب والعتبات والخدمات الشعبية من طعام، شراب، مبيت، غسيل ثياب، تنقل جزئي ومجال بشري هائل للطلب. وبذلك يصبح المتسول مقيما موسميا متنقلا، يتعامل مع النجف وكربلاء كما يتعامل التاجر مع موسم السوق، يعرف متى يأتي وأين ينزل وكم يبقى ومتى يغادر وكم خرج به من الربح.
إذا انتقلنا إلى واسط وتحديدا إلى سكان الكوت، فسنجد نمطا مختلفا من التسول أقل طموحا من حيث المسافة وأكثر حسابا من حيث الكلفة فالمتسول هناك، في الغالب لا يذهب إلى بغداد أو إلى المحافظات البعيدة؛ لأن الأمر يحتاج إلى أجرة نقل وربما مبيت في فندق ما وعدة أيام من الإنفاق بينما هو لا يريد أن "يعطي من دمه" ثم لا يخرج في النهاية إلا بالقليل. لهذا، كان متسولو الكوت يفضلون الأقضية والنواحي القريبة، يذهبون إليها صباحا ويتسولون فيها ثم يعودون إلى أهلهم في اليوم نفسه. أي إن التسول هنا لا يقوم على الهجرة الموسمية كما في النجف وكربلاء بل على الدورة اليومية القصيرة (خروج، تحصيل، عودة).
وكانت النساء في هذا السياق أكثر حذرا في الأداء.
فقد تكون المرأة معلمة ذات دخل جيد لكنها مع ذلك تقف خارج المحافظة، تحديدا قرب البانزين خانة بجانب مطب صناعي حيث يخفف السائقون سرعتهم وتكون فرصة الالتقاط البصري أكبر. هي ترتدي نقابا أسود وعباءة سوداء وجوارب سوداء وتحمل حقيبة سوداء خارج العباءة، أي إنها تبني هيئة كاملة قائمة على التستر والانضباط والهيبة الحزينة وتكتفي بصيغة محسوبة " السلام عليكم.. إني محتاجة، وما عندي".