ليال الحربي - من طماطة الوطن إلى كيك السلطة: قراءة في طقوس التوتاليتارية العراقية

في الأنظمة التوتاليتارية، يصبح السؤال عن معنى الوطن سؤالا محرجا، كأنك تسأل عن حقيقة إعلان دعائي صدقناه لفرط تكراره. ما الوطن هناك؟ ليس أرضا ولا ذاكرة، بل فكرة مصممة بعناية في مكاتب السلطة، تُباع كمنتج سياسي مزوق بورق الشعار. تُدجّن الوطنية كما تُدجن الأغنام، وتُعلّب في خطب وأناشيد، وطن يُذاع في نشرات الأخبار لا في نبض القلب.

أما الهتافات والرايات التي تملأ السماء، فهي ليست علامات الفرح، بل طقوس خوف جماعي، تُرفع كما تُرفع الأيدي في الصفوف العسكرية. النشيد الوطني هناك لا يُحرك الوجدان بل يثير التعاسة، صوتٌ مستهلك، يُعيد للذاكرة رتابة الطوابير ورائحة العرق في الساحات العامة. بخلاف الأعلام التي تُرفع حين تكون البلاد سعيدة، فهذه تُرفع لأن هناك من يراقب.

صدقوني، لا أحد يشعر بالوطن حقًا في تلك البلاد. إن حاولت الحديث إليه، استيقظ فيك الجوع لا الحنين فتشتهي طبق الدولمة لا الحرية. تتحدث إليه فيغلبك السأم، أو تظل تثرثر وحدك لأن أحدا لا يُصغي. الأغاني تمجد القائد لا البلاد، والحروب التي كانت تُقدّم باسم الشجاعة صارت في ذاكرة الجندي مجرد وجع في المعدة لا يزول. واليوم، اختُزل الوطن في شعارات متلفزة، كل فريق يسوقها لمصلحته. صار الوطن إعلانا سياسيا طويلا مملا، وصار حبه واجبا يُذاع، لا شعورا يُعاش.


ولأن فهم الحاضر واستشراف المستقبل، لا يتحققان إلا بالعودة إلى الماضي، كان لا بد أن نُدير وجوهنا إلى الوراء لنعرف إلى أين نتجه.بحثتُ كثيرا عن رمز يختزل صدام حسين وحزب البعث الخاص به، كما اختزل الصليبُ المعقوف النازية، والمسيح الصليب المتطرف، والراياتُ التي ترفرف في الهواء الطلق الإسلامَ السياسي، وفشلتُ في العثور على شيء مماثل.حتى الفاشيةُ الإيطالية وجدتْ لها النسرَ المعقوف الذي يعلو كل شيء، أيقونة تُرى وتُخشع لها الجماهير. لكن البعث العراقي، رغم تاريخه الدموي والسلطويّ، لم يصنع رمزا بصريا واحدا يختصر أيديولوجيته أو شخص القائد الذي أحب هذا العراق كثيرا إلى درجة أكله، لم يكن هناك شعارٌ هندسيّ واضح، أو علمٌ يتضمن رموزا حادة، أو وجهٌ للقائد يتحول إلى أيقونة عبادة كما فعل ستالين وغيره

كلُّ شيء كان مشتتا، راياتٌ، أعلامٌ، صورٌ، سيوفٌ متقاطعةٌ هنا وهناك، نسرٌ حزين، ومجسم ضخم للزعيم. كلُّ هذه العناصر كانت مشتتة، لكنها تعمل معا في صمت لتصنع شعورا بالسلطة المطلقة، دون أن تكون هناك أيُّ علامة واحدة تخترق الوعي كما يفعل الصليبُ المعقوف أو المطرقةُ والمنجل

كانت الأيديولوجيا البعثيةُ تكره التجريد، وتخاف من الرمز كما يخاف الطفلُ من الظلام. لذلك لم يكن لها شعارٌ ثابت؛ لأنها كانت تعرف أن الشعارَ يعني فكرة، والفكرة يمكن أن تُناقش.أما الصنمُ فلا يُناقش، يُعبَد فقط. كان البعثُ يريد أن يُرى، لا أن يُفكّر فيه. هنا تكمن المفارقة، الاستبدادُ العراقي لم يُحوّل شخصيته أو أيديولوجيته إلى رمز بصري واحد، بل جعل من الزعيم نفسه الرمز المتناثر. صدام حسين هو كلُّ شيء، والحزبُ امتدادٌ له، لكن هذا الرمز، غيرَ المتمركز في شكل هندسيّ واحد، يفتقر إلى القسوة البصرية التي جعلت من النازية أو الفاشية الإيطالية أو الشيوعية أيقونات مطلقة للسلطة.

ربما لو كان هناك رمزٌ واحد للبعث العراقي، لكان هو الوجه الحيَّ للقائد نفسه كان ليكون حادا، صارما، متفردا، يطل على كلّ فضاء، يراقب كلّ حركة ويفرض وجوده في كل زاوية.

كلُّ الرموز الأخرى مجردُ أصداء له، تعكس سلطته بلا تجريد، بلا هندسة رمزية صارمة، بلا أيقونة واحدة تُختصر فيها الأيديولوجيا. صدام لم يكن رمزا لشيء بل ظلا ممتدا في كل شيء، ولا معنى له في أي شيء.

تجلى في صورة بورتريه معلقة على كلّ جدار، في أغنية تمجد شخصه لا بلده ،في غُترة فلسطينية تُسوقه “بطلا لفلسطين”، وهو في الحقيقة جرذُ حفرة بكى في نهاره الأخير بين ذراعي محققه جورج بيرو في لقائه الآخير معه كما يبكي الطفل. نعم، في داخل كل ديكتاتور طفل يبكي بحشرجة من سُرِق من نومه في حال فنى.


حتى الزي الخاكي الذي ارتداه الجيش، واللون الزيتوني للجيش الشعبي والنظامي، لعنتهما الذاكرةُ العراقيةُ لأنهما التصقا به. أما الفتوةُ والطلائع، فكانت وجوهُ الأطفال فيهما تُربى على الطاعة قبل أن تعرف معنى السؤال. وأما مفردةُ "الله أكبر" على العلم، فقد اختزلت تاريخا من الدموية، فكلُّ شيء من نظامه انتهى إلا هذه المفردة. وأما شعارُ (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة) فقد بقي صدى لأمة انتهت، وأناس مضوا دون أن يدركوا حتى ذلك.

يتحول التاريخُ في تلك الأنظمة إلى رزنامة طاعة، فما الوطن إلا تواريخ وطنية مصنوعة. في تموز عيدُ الثورة، وفي ٢٨ نيسان ميلاد القائد، وفي ٧ نيسان ميلاد البعث، وفي كانون عيد تأسيس الجيش،وفي آب عيدُ النصر… وأيُّ نصر هذا؟ النصرُ لتجار السلاح فقط.

أما ١٧ تموز فهو العيدُ الثاني الأهم بعد عيد “البابا صدام”.
كلها أعياد لا تحتفل بالوطن، هي فقط تُعيد مبايعة الزعيم بأسماء مختلفة، استعراض وخوف خلف موجة تصفيق

لفهم حزب البعث الصدامي بين عامي 1968 و2003 على نحو أعمق، لا بد من التركيز على شخصية صدام حسين نفسه. منذ لحظة سيطرته على مبنى الإذاعة وإحكام قبضته على الإعلام في السبعينيات، مرورا بالحدود وتحويل البلاد إلى معسكر اعتقال داخلي، وصولا إلى هيمنة عائلته التي قامت على المكانة الاجتماعية والولاء الشخصي، أصبحت السلطة مركزية بالكامل. ولستُ هنا في صدد إعادة ما ذكره الأرشيفُ العراقي لتلك الحقبة بل أركز على الجوهر السياسي والفلسفي للسلطة.

بالمجمل، كانت فلسفة البعث عبادة شخصية أكثر منها أيديولوجيا سياسية. لقد ارتفع في بغداد قوسُ النصر المؤلف من سيفين متقاطعين يرتكزان على نموذجين ضخمين لذراعي القائد، لتغدو الرموز المرئية جزءا من هيكل السلطة ووسيلة لتكريس صورة الزعيم.

إن أعوام حكم صدام كانت بحق أعواما صدامية، على غرار ما يُقال عن الأنظمة النازية والستالينية والماوية، حيث تصبح السلطة محور كلّ شيء، والفردُ مجرد ظل يُعبد الطريق لتمجيد القائد. ولأن الطاعةَ لا تُورث إلا بالاحتفال، فقد قرر الحزب أن يجعل من ميلاد الزعيم طقسا سنويا،
عيدٌ لا يحتفل به أحدٌ طوعا، لكنه يُحتفل به على كل حال، كأنه صلاةُ الخوف الجماعية.

مشهد واحد من تلك الأعياد يكفي لفهم كيف يتحول الولاءُ إلى عادة والعادةُ إلى عبادة تحت مفهوم الوطنية

ميلاد الريس:

يبدأ التحضير لعيد ميلاد الريس قبل شهر كامل من موعد الولادة الميمونة، وكأن الفلك نفسه يستعد لتلك اللحظة التي هبط فيها القائدُ إلى الأرض ليكمل نقص الخليقة.
المشرفون على هذه المناسبة ليسوا وزارة الثقافة ولا لجان الاحتفالات، هم فقط الفرقُ الحزبية التي تعرف جيدا كيف تُزين الطاعة وتغلفها بالتصفيق.

في الأيام التي تسبق العيد، تتحول البلاد إلى ورشة نفاق ضخمة. السائقون يعلنون أن شاحناتهم أُصيبت بالعمى الميكانيكي فيفرغون هواء الإطارات ويجلسون في البيوت، ويتوارون عن الأنظار لكن الحزب، بعد سنين طويلة من الأعطال الوطنية اكتشف حيلتهم فقرر حلا عبقريا:
يُسحب من السائقين إجازةُ السوق قبل شهر من موعد الميلاد وتُمنح لهم ورقة مرور حزبية تفتح كل نقاط التفتيش.

في كل محافظة فرع حزبي وفي كل فرع مسؤول، وفي كل مسؤول هاتف، ينقل الخبر المقدس:

“في الثامن والعشرين من نيسان، كلمن يجمع ربعه.”

تماما كما في الوحدات العسكرية، يُبلّغ الآمرُ السرايا، والسرايا تُبلغ الفصائل حتى تصل الأوامر إلى أصغر رتبة حزبية: المؤيد. والمؤيد، المسكين، يتحول إلى بوق بشري، يبلغ المعلمين والموظفين وحتى عمال النظافة بأن يوم الميلاد قادم والشوارع يجب أن تتهلل بوجودهم.

المدارس تُغلق، والمستشفيات تعمل بربع ضمير ،لا يدخلها إلا من كاد يموت أو يولد. ويا لخيبة من وُلد في عيد القائد، إذ يبدأ حياته في طابور التصفيق. البلاد تتوقف عن العمل، لا صناعة، لا زراعة، فقط صناعة الشعارات:

“بالروح، بالدم، نفديك يا صدام!”

وحتى الذين لم تبقَ في أرواحهم قطرة دم، يرفعون الشعار بنفس الحماسة. تصل سيارات اللوري وباصات الريم إلى مقار الفرق، تنقل الناس كأنهم ذاهبون إلى حج بلا كعبة. الطعام؟ لا وجبة رسمية في أعياد القائد. يُسمح لك أن تحمل معك خبزة وطماطة ورشة ملح داخل كيس نايلون أسود.يهرسها المواطن في كفه ويأكلها ببطولة الجائع المطيع، يشرب بعدها من ماء الري، لأن ماء البيوت ليس ثوريا بما يكفي. هكذا يقضي المحتفلون نهارهم تحت الشمس، يتصببون هتافا، ويصنعون من التتن والسجائر غيمة دخانية صغيرة في سماء الوطن الكبير.

المسيرات تملأ الشوارع، الناس يصرخون، اللافتات تلوح Happy Birthday Saddam والميكروفونات تصدح:

“عيد ميلاد سعيد... للقائد الفذ!”

ثم تُعزف الأناشيد وتظهر فرق الأطفال والأيتام، يرتدون الزي العسكري، يغنون بصوت مرتجف:

“بابا صدام... بابا صدام.”

أما الكيك، فتبقى حكايته رمزية. يُقال إنهم يقطعونه وسط التصفيق لكن أحدا لم يشاهده قط، ولم يشم رائحته.كيك القائد لا يُؤكل، إنه فكرة مثل العدالة والحرية، لا وجود لها خارج الخيال الحزبي. الرفاق وحدهم يذوقون طعم الكريمة، أما الشعب فيكتفي برؤية الظل. في كل احتفال، كان هناك شيءٌ لا يُؤكل، لا يُلمس، لا يُرى لكنه يُفرض. تلك كانت فكرة السلطة نفسها، تُشبعك بالفراغ وتُقنعك أنه الولاء.

ينتهي النهار الطويل، والجماهير تعود إلى بيوتها، كلٌّ يردّد نشيده الشخصي:

“ولچ صبي الغداء، كتلني الجوع.”

السائق يستعيد رخصته بعد العيد، والمعلم يعود إلى صفه والموظف إلى طابوره والجميع بلا فلس، بلا كيك، بلا كرامة

وفي النهاية، هناك من يشعل دولارا مزيفا من فئة الواحد، يراقب احتراقه ببطء ويهمس:

“ها هو الوطن... يحترق بنفس السعر.”

كان النظامُ يدرك أن الطقوس تصنع الإيمان أكثر مما تصنعه الشعارات، لذلك جعل من الميلاد شعيرة توازي صلاة الجماعة، ومن صورة الزعيم أيقونة تُقبّل بدل الوطن.
لم يكن الناس يصفقون له حبا بل خوفا من أن تُسجل كاميراتُ الحزب وجوه الصامتين وهكذا تحول الاحتفال إلى جماعة إكراه تجمعهم الرهبةُ لا الفرح.

لذلك، حين سقط النظام، لم يسقط تمثالٌ فحسب بل سقطت معه فكرةُ العيد نفسها، لأن العيد الذي لا يولد من الناس لا يعيش فيهم. احترق الدولار المزيف كما احترقت الفكرة المزيفة، وانتهى العيد الذي لم يكن يوما عيدا لأحد.

في العراق، لم تعش الوطنيةُ يوما على حقيقتها.
في السابق، كانت وطنية صدامية، تُحتفل بها في صور الزعيم والبورتريهات والتصفيق الإجباري. واليوم تحولت إلى وطنية انتخابات، وغدا ستصبح وطنية ديكتاتورية جديدة، تُعيد أخذ ثأر ما سلبته “الديمقراطية المزعومة” من يد جائع متخلف، أكثر حرمانا من صدام نفسه، يأتي من بلاد نائية ليُعيد تأسيس التاريخ الوطني وفقا لأهوائه الشخصية من جديد.

انتهت الفكرةُ الوطنية حين ضرب الجندي نفسه رصاصة عام 1980 ليتخلص من لجان الإعدام.
واليوم، بعدما تغير الزعيم وتبدلت اللافتات، بقيت الطقوسُ نفسها.استبدلنا صورة صدام بصورة المرشح، واستبدلنا شعارات الحزب بشعارات الحملات الانتخابية،
لكن الإيقاع واحد، والهتاف واحد، والمائدة فارغة كما كانت.
وحده الكيك تغير،صار بنكهة الديمقراطية.

لم يكن العيد سوى بروفة لجنائز قادمة وكلّ احتفال بالوطن كان تدريبا على نسيانه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى