ليال الحربي - الفِطرة...

عجوز أرملة، تعيش في بيت أختها الساكنة في حيّ العامل. جدة كهلة من ذلك الطراز الذي إن أراد شيئًا تحقق فورًا لا لشيء سوى أن الناس بحكم الفطرة، لا يعرفون كيف يرفضون لها طلبا. تقف على رأس ابن الأخت الكبير وليس على فمها غير "خذني إلى الكاظم، خذني إلى الإمام" يجيبها ابن الأخت الكبير "يابا، أم كلثوم سهرتها الليلة الخميس وغدًا سأنام حتى الظهيرة "فتذهب إلى الابن الثاني مزمجرة "خذني إلى الكاظم" وبسبب كثرة الزن وكأنها تستحضر قانون نيوتن الرابع (الزنّ يولّد الانفجار) أجابها ابن الأخت الثاني "حسنًا، سآخذكِ إليه"

من هو الكاظم؟ هي لا تعرفه. لكنها سمعته يتردد كثيرًا على ألسنة الناس حين تأخذهم دوامة الحاجة والفقر. تقول الحكايات الشعبية إنه رجل صالح يرقد في منطقة تحمل اسمه وأنه يُعطي لكل سائل على قدر مراده. كان ابن الأخت الثاني عاطلًا عن الحياة، فيه خيطٌ رفيع من الخَبَل، كالذي يتدلّى من قميصه. الخَبَل لديهم ليس عيبا بل امتياز وراثي، يولد معك ينمو معك ويموت قبلك بقليل ويصبح غنيمة نميمة عند تذكرك.

بدل أن يذهب بها إلى مرقد الكاظم، اقتادها إلى شارع كبير يقع في قلب بغداد النابض نحو شارع السعدون. دخل بها سينما النصر — المكان الوحيد الذي يمكن للمرء فيه أن يرى معجزات دون ضوء. أجلسها على مقعد وثيرة مريحة وجلس جنبها.على الشاشة يُعرض فيلم هندي. سألت الجدة:

"يمّه، وين الكاظم؟"

أجابها بثقة مفرطة:

"هسّه يطلع، انتظري تنطفي الأنوار… الكاظم لا يخرج بالنور بل في الظلمة فقط "

ناولها زجاجة بيبسي مثلّجة. صالة السينما تبريدها مركزي، أقرب ما تكون إلى الجنة في جحيم آب. قالت رافضة:

"لا، عيب! الكاظم سيخرج بأي لحظة!"

فأجابها بنبرة الطبيب النفسي:

"لا خالتي، اشربي… برّدي قلبچ، الكاظم لا يزعل"

أُطفئت الأنوار وخرج الكاظم… بسحنة سمراء، لحية بيضاء، بنطلون كابوي، على فرس أبيض يطربگ (طربگ// طربگ//طربگ)

الجدة وقفت ورفعت طارف عباءتها السوداء عاليًا وصاحت كأنها رأت الحقيقة كلها "سلام الله عليك أبو الجوادييييين!". انفجر مَن في السينما ضحكًا، ليس لأنهم لا يؤمنون بالكرامة بل لأن المعجزات من هذا النوع كثيرًا ما تحدث في السينمات.

جلس خلفهم رجلان بملابس مدنية. اقتربا حتى صارا على بُعد متر وهي المسافة التي تكفي لتشم خيبة أحدهم. نظر أحدهم إلى الآخر وقالا "مخبلين. لنتركهم"

كانا في عيني رجلي الأمن السياحي: امرأة بهيئة جدّة على فطرة الكارما وشابٌ بشَعر نِگرو على طريقة فرانك فاريان في Daddy Cool. كان يمكن أن يُقبض عليهما، ليس بتهمة الازدراء — ولحسن الحظ، الازدراء في هذا البلد يُرتكب من الأعلى إلى الأسفل فقط — بل بتهمة الانتماء إلى حزب الدعاة

ولكن تركوهم.

ضحك ابن الأخت والجدة صفّقت أما الكاظم — اميتاب — طربگ في المشهد الأخير ثم اختفى في الظلمة التي يخرج منها الأنبياء والمجانين.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى