سمير لوبه

الساعة تشير إلى السادسة صباحًا حي بحري يستيقظ ورائحة البحر تتسلل إلى الأزقة الضيقة ممزوجة برائحة الخبز الطازج من أفران الفقراء، أحمد أفندي عبد الباقي يجلس كعادته على كرسيه الخشبي أمام باب بيته العتيق في شارع الناضوري يتأمل البحر من بعيد ويمسح نظارته السميكة بمنديله الأبيض قبل أن يعيدها إلى عينيه...
يتثاءب النهار في قريةٍ مصريةٍ نائيةٍ، تتمدد البيوت الطينية على الأرض تئن تحت ثقل السنين، وتتراكم فوق جدرانها ندوب الشتاء القاسي والصيف القائظ، في ظل شجرةٍ عجوزٍ على أطراف القرية، فلاحٌ فقيرٌ ممدد تحتها، حافي القدمين، يحدق في الأفق بعينين أنهكهما الجوع والحلم، وفجأةً تمرُّ أورطة من عساكر...
في أحد المقاهي ينظر إلى البحر، فلم تعد مدينته كما يعرفها؛ ضاقت شوارعها بمركبات لا تنتهي، جدران مبانيها ترثي زمان التآلف، ومهما حاول أن يتجاوز ذكرياته إلا أن الواقع قد ألحق بها جراحًا لا تندمل، يستنشق هواء البحر لكن شعورًا ثقيلًا يجثم على صدره؛ فالنسمات تحمل عبء الزمن ومرارة الواقع، في ذلك المساء...
كل حجرٍ فيها مسبحةٌ، وكل مئذنةٍ تعلو لتعانق السماء. بعد فجرٍ والنسيم مشوبٌ برائحة البحر، وممزوجٌ بعطر الأولياء. قررت أن أمضي اليوم من ضريحٍ إلى ضريح، أول بابٍ قصدته باب سيدي المرسي أبو العباس، مسجده قصيدةٌ تعانقه القباب وتطوقه المآذن، في باحة المسجد غمرني سكونٌ مهيب، اقتربت من المقام، رأيت شيخًا...
لا أظن أن للاسم هذه القدرة على الخداع. حين أقول اسمي ياسمين، يتخيل السامع زهرةً بيضاءَ في شرفةٍ تطل على صباحٍ هادئ، أو فتاةً تمشي بخفةٍ في ممرات الحياة. لكنني هنا، في هذا المكان لست زهرةً في شرفةٍ، جئت إلى هنا في يومٍ لا أتذكر تاريخه بدقةٍ، فالوقت هنا يفقد معناه سريعًا. يومها انغلق الباب خلفي...
تتسلل خيوط الشمس كل صباحٍ؛ يبحث ضوؤها عن قصةٍ جديدةٍ يحكيها. اليوم وفي حظيرةٍ متهالكةٍ بجوار بيتٍ طيني تعيش أربع فرخاتٍ وديكٍ واحدٍ حياةً بسيطةً، الديك واسمه " نجم " لا يغادر جذع شجرةٍ مقطوعةٍ رافعًا صدره، مزهوًا بريشه الأحمر المتوهج، وبالقرب منه أربع فرخاتٍ تتحركن بخطواتٍ خفيفةٍ " نور، قمر،...
تعمل الجرافات بلا توقف، تردم الترعة التي كانت يومًا شريان الإسكندرية. وقف الشيخ "إمام" بجوار حفيده عند حافة ترعة المحمودية، يتأملان ما تبقى منها وهي في سبيلها أن تصبح ذكرى. يمضي المشروع بخطواتٍ ثقيلةٍ فوق ما كان ماءً حيًا، حتى بلغ كوبري التاريخ، وتوقف هناك؛ لم تُردَم الترعة عند هذا الموضع، كأن...
ديوان "أردية مهترئة لديونيسوس" للأستاذ " أمل سالم " نصوصه الشعرية مغايرة ومفتوحة على تعدد التأويلات، ينتمي إلى الشعر الحداثي الذي يخلق المعنى عبر التوتر اللغوي والرمزي ، في تمازج فريد بين الأسطورة والذات، وبين الجسد والروح. العنوان "أردية مهترئة لديونيسوس" يفتح الباب على فضاء أسطوري...
البحر في ذلك اليوم لا يشبه نفسه؛ مياهه تتقلب ببطءٍ، والريح تمرُّ فوقها بصفيرٍ يوشك أن يكون نواحًا، وتلك السماء الرمادية بدت مثل لوحةٍ غُسلت ألوانها بماء البحر. في ميناء الإسكندرية، وقف البحَّارة على سطح السفينة الإنجليزية " بياتريس " ، يشدُّون الحبال، يكتبون الأسماء في الدفاتر. لا يعلمون أن بين...
في شتاء الإسكندرية لا تعرف إن كنت تمشي في مدينةٍ أم في ذاكرة . المطر يهطل متقطعًا، يجرب صوته على الأسفلت قبل أن يستقر في البحر. الكورنيش ممتدٌ مثل صفحة كتابٍ لا ينتهي، والأمواج ثائرةٌ تهتف فوق الصخر . هواءٌ باردٌ يلسع الوجه فيوقظ قلبًا يقابل رائحة البن في مقهى شعبيٍ بشغفٍ عند محطة الترام. في...
في ظلمةٍ تمحو ملامح المكان ، كتلةٌ بشريةٌ سوداءُ قابعةٌ في كرسي ، تحاول العينان منها فك شفرة العتمة فيزول العمى ، في مكتبه بين كتبه الموسومة بعناوينَ شتى ، لم ينس سعيد هنداوي أول شعورٍ بالغرور العذب يسري في دمه ؛ إذ يرى اسمه مطبوعًا على غلافٍ ورقي بائسٍ ، بالنسبة إليه كانت المرة الأولى في...
لا يعرف أحدٌ من أين جاء، ولا لماذا اختار هذه المدينة الساحلية بالذات. رجلٌ طويل القامة، يرافق البحر خطاه، مائل الكتفين كمن يحمل ثقلًا على ظهره. بين أصوات الصيادين والنوارس ورائحة السمك بخفةٍ يطير، حين يمرُّ في الميناء تلتفت إليه العيون. كان اسمه، أو على الأقل الاسم الذي اختاره لنفسه، "سواح". لم...
في صيفٍ سكندريٍ صافٍ، وقد غسل البحر السماء بمائه، فتزينت بلونٍ أزرقَ طفوليٍ، وصل الترام الأصفر رقم ١ إلى المكس، صرير عجلاته يصافح حجر البازلت الساخن، ويفوح من نوافذ عشش المكس المفتوحة عطر الشمس، الترام الآتي من النزهة مرَّ على محطة مصر، والعمري، ومن ثم عبر كوبري التاريخ إلى القباري ثم الورديان،...
في حي كليوباترا لم يكن هناك من يجهل اسم مدموازيل شكرية، تلك السيدة التي دخلت الأربعين من عمرها بثقةٍ كأنها تدخل شرفة منزلها بخفةٍ لتسقي الورد والرياحين، لا تكترث كثيرًا للزمن، فابتسامتها وحدها كفيلةٌ بأن تضيء وجه حي كليوباترا كل صباح، تسكن مدموازيل شكرية عمارةً قديمةً من طرازٍ فرنسي، تطل على...
بالأمس شربت من البحر. نعم، كما أقول لك تمامًا، لم يكن حلمًا ولا استعارة، إنما فعلٌ حقيقيٌ ماديٌ له ملحٌ، وله لذعةٌ، تعود بي إلى الخلف كأنها تستعيد الطفولة. في هذا اليوم خرجت وحدي من البيت قبل الغروب، لا وجهة لي سوى أن أتبع النسيم حين يلامس وجهي بخفةٍ ناعمةٍ كما تفعل أصابع الأم وهي توقظ طفلها،...

هذا الملف

نصوص
34
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى