ضِل حيطة


تكره جدتي – لأمي – طوال حياتها مقولة: "ضل راجل"؛ من أجل ذلك لم تتوانَ أن تطرد ثلاثة من بنيها إلى قارعة الطريق عندما استشعرت أن بهم ميلًا للركون جوار الحائط.

ثم شمّرت عن ساعديها؛ أرسلت في طلب مأذون الحي، أجبرت خمسة حوائط من الطوب اللبن أن يطلقوا بناتها. أخبرت الناس من تلقاء نفسها أن الفراغ خير من جدار لا ظل له، لا يقي من الحر أو الهوام.

لم ترحم أيًّا من بناتها. لم تخضع لتوسلاتهن. لم تقبل فيهم شفيعًا أو وسيطًا.

جدتي لأمي شرسة. في حياتها وعلى يديها العاريتين تهدمت جُدر كثيرة، كما أسقطت بمعولها حوائط على مد البصر، حتى أن الحي أصبح عاريًا.

ولقد ركلت جدتي ضاربة الودع الغجرية العجوز وبعثرت صُرّتها بما فيها, ثم بصقت عليها في تصرف عنيف لم أره منها من قبل؛ كذلك لم تلتفت أم أمي إلى تحذيرات الخبراء والشيوخ عندما أخبروها:

-أن المدينة قد يستبيحها العدو في أي وقت، وما أكثر الأعداء والمتربصين.

لكنها بعنادها الفطري لم تستمع إليهم. بل أشاحت بوجهها، كما لوّحت بيديها؛ أنهت حالة العبث هذه – بحسب وصفها هي – وقالت:

-لا مانع.

هكذا كلمة واحدة أخرست الألسن.

لا مانع.

حتى أني أسررت لأمي؛ أن تسأل أمها عن الكلمة وما وراءها.

أجابتني أمي:

-لا.

هكذا إجابات وجميع ردود نساء عائلتنا على أية مسألة:

-مقتضبة. مخيفة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى