العربي عبدالوهاب: (جـاســر)

أول مرة وقعت عليه عيني، سرق منى الاهتمام؛ كان ذلك بعد يومين من قدومه برفقة أمه، وسماعته المتدلية من أذنيه، بينما نظراته الجسورة سرعان ما ترتد لنظرات خجولة مشحونة بالحياء. إذا اقترب منك وطلب شيئاً.

كنتُ أقوم بتوزيع أكواب الشاى، على المجموعات المترامية هنا وهناك، بمبالغ رمزية، عندما اقترب منى، كأنه يهمس لى بسر ما، صببتُ له كوبا، ورفضتُ تحصيل ثمنه.

: السبب؟؟!

دون سبب محدد سوى التعرف عليه.

( جاسر )

فى نظراته الثاقبة والبريئة أيضا فرح خاص،

وفى مروره كل ساعة أو ساعتين كنسمة صيفية، تجوب أرضية الساحة، بيده هاتفه الجوال، معلق بأذنيه، يخرج منه سلك أبيض، يتوزع على فرعين ينتهيان بسماعتين ملتصقتين بأذنيه، كأنه يقيس نبض العالم بسماعته، بينما تنساب الأغنيات، وارفة الظلال الخضراء كفراشات محلقة على غد ليس ببعيد.

: جاسر؟

قال: نعم.

سألتُه فى اليوم الثاني شيئا، لبى على الفور السؤال، كما كان يلبى نداء الصلاة، لبي نداء سيدة عجوز مدت له يدها الضعيفة ليأخذ بها؛ حتى تتمكن من النهوض.

ألم أخبركم إنه (جاسر)،

بدونه يختل الإيقاع فى أرض الساحة، وفى غيابه نبحث عن النموذج الذى يمثل الغد فى أعين شبابنا اليافعين.



لن أقول بأن جاسر كان طفلا، لأنني ما رأيتُ فى حياتى دمعة حارقة، إلا يوم رأيتها فى عينيه الباحثتين عن أمه.



قمتُ على الفور معه،

لبيتُ نداءه فى البحث عن أمه التى كان يتعلق فى ظلها ـ ولن أقول فى جلبابهاـ ولكنك تشعر بأنه الجزء المكمل لفراغ اللوحة، فى كل اللوحات العالمية كان يمسك بطرف ثيابها،

فيمن سوف يمسك جاسر بعد الآن؟!!!

ومن يستطيع أن يسد فراغ روحه، ودموعه؟!!!

ومروقه كالسهم بين جنبات الساحة؟؟؟!

تابعتُ بالكاد خطواته،

وسألتُ من مررتُ عليهم: هل منكم من لا يعرف سر اللوحة؟

قالوا: أية لوحة.

قلت: التى يمسك فيها ولد بطرف جلباب أمه،

قالوا: كل الأيادي إمتدت لجاسر،

ولم تمتد يده لأحد.

نهر الأيادي، إعترض على نظرات المواساة فى أعينهم،

لم يقتنع بنظرية فقدان جلبابها فى اللوحة،

كيف يقتنع بأنها لم تعد موجودة؟؟؟!!



ولما أعياني التعب،

وجرحتْ روحى دموعُه

ركنتُ إلى ركن قصيٍّ وانهرت باكيا.

بينما كانت يدي تحاول،

وكانت نداءته فى المدى البعيد الذى يتجاوز أرضية الساحة

تجوب شوارع أخرى وخلجاناً وترعاً...، .... فضاءات وعمارات، حارات، وكفور، أحياء، ومدن وقرى،

دموع، وآهات وتشنجات.

دماء، وجثث كأرغفة الخبز.



كان خياله وخيالى يرفضان كل ما سبق.

وبالرغم من أنهما لا يتواصلان.

إلا أن الأنات كانت واحدة.

والنداءات واحدة.

ودموع جاسر واحدة.

وأمه واحدة.



ويده المتدة لا زالت واحدة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى