أخذتني أبنة عمتي نور ( عمرها 14 ) ذات جدائل سود، الى مكان غامض، حدثتني عنه ليلة الأمس، ونحن ننام فوق السوباط تحت نخلة البرحي. أعرف أن خيال قريبتي لا يحده حد، وبمرور الأيام، أكتشفتُ إنها تتمتع بإصغائي لها، مما حفزها إلى التحدث بالكثير من الحكايات الخيالية ، خصوصا عن ذلك المكان الغامض بالقرب من البئر الناشف . فقالت لي : هنا في قريتنا، بئر هو عبارة عن فوهة مفتوحة محفورة في الأرض من جهتنا تمتد الى أعمق أعماق الدنيا حتى تصل الى أرض جديدة، من الجهة الأخرى . ضحكت عليها ، فلم يستوعب عقلي كلامها، أنا الذي يكبرها بسنة واحدة، لا يمكن أن اتصور أن فوهة البئر مفتوحة إلى الجهة الأخرى من الأرض. قالت إن الكثير من الناس الغرباء يأتون إلينا من سكان تلك الأرض من الجهة الأخرى عبر فوهة البئر، يأكلون تمر البرحي ويشربون حليب ابقارنا ، ثم يرحلون من حيث أتوا عبر الفوهة نفسها .
بقيت في الليل أتقلب على الفراش، وأنا أنظر الى نجوم السماء القريبة من السوباط، حتى توقعت سقوطها علينا من شدة قربها، قلت لها في الصباح، " يجب أن أرى بئر اكاذيبك في المكان الغامض". فأخذتني بعد تناول الفطور.
وصلنا الى البئر، نظرت إليه، فوجدته فوهة سوداء شديدة السواد، لا أثر لقاعها، رميت حصى لكي اكشف زيف ادعاءاتها ، فلم اسمع صدى ارتطامها بالقاع ، أرتجف قلبي، شعرت بالخوف، ضحكت هي علي، قالت " جبان، لماذا لا تنظر طويلا الى البئر؟ " سألتها ، وانا أرتجف خوفا : "هل يمكن للأنسان أن يذهب من هنا الى تلك الأرض في الجهة الأخرى؟ "
فقالت: " كل الذين دخلوا الى البئر، لم يعودوا، عمي نشمي كان هارباً من حرب إيران، ولما حاصره الأنضباطية، هرب الى البئر ، ولم يعد، وخالي سوادي هرب من الجيش الشعبي، ولما حاصروه عناصر الفرقة الحزبية، دخل الى البئر، ولم يعد، صبرية بنت حجي لفته، لما وجدوها نائمة عارية في مشحوف نايف، طاردوها أهلها وركضوا خلفها وهي عارية، لأنها فقدت شرفها مع نايف الذي رمى نفسه في النهر ولم يعد ، دخلت صبرية الى البئر، ولم تعد لحد الان" ، فقلت لها "ربما ماتوا أو غرقوا في مياه البئر" .
ضحكت مرة ثانية، قالت: " كلا، يذهبون الى هناك ويتزوجون من نساء حلوات شقراوات. في يوم من الايام اطل علينا صبي بعمر ( 10 ) سنوات قال أن أسمه جوني وأسم والده نشمي ، عرفنا إنه أبن عمي نشمي ، بقي جوني معنا أسبوعا، يحدثنا عن جمال الحياة في بلادهم هناك في الجانب الآخر من الأرض ، يتحدث بلغة عربية ركيكة، ومعها بعض الكلمات الإنجليزية ، قال أن أمه شقراء اسمها رنكيا ، تعرف عليها والده نشمي، في أول يوم وصل به الى بلادهم وتزوجها .
اخذنا الصبي الى جده، وهو جدي والد ابيه نشمي، فاحتضنه وشم رائحته، وحمد الله أن أبنه مازال على قيد الحياة، ثم بكي جدي فرحا ، ولكن بعد أسبوع ودعنا جوني وقال أعطوني تمرا من البرحية هدية منكم، فحمله جدي زنبيلا ملأه بالبرحي ثم دخل الى البئر واختفى" .
نظرت نور الى عيني، فوجدتني متلهفا الى شيء ما، ثم أخبرتني بأن الكثير من الجنود الذين هربوا من حرب إيران، جاءوا الى البئر، دخلوا فيه ولم يعودوا. غير أن الحكومة اكتشفت سر هذا البئر، أخذت تنفي كل واحد لا يعجبها، ثم يعودون بعد سنوات يحملون أطفالا معهم، ومرات يجلبون نساءهم الشقراوات يمضون بضعة أيام، ثم يرحلون عبر البئر للعودة الى ديارهم الجديدة.
أيقنت أنها لا تكذب، وأن كلامها ليس من الخيال، بعد أن تأكدت من عمتي، التي هي أمها، عن صدق مزاعمها ، لكن عمتي حذرتني من الإقتراب من البئر لأنني أمانة عندها.
في اليوم التالي، أخذت نور، سحبتها من يدها الى البئر، وقفنا عند فوهته نفكر، ثم قلت لها: ما رأيك؟ الحياة هنا جافة لا مستقبل لنا. فقالت فرحة: هيا.
دخلت البئر قبلي، وفعلت مثلها، وصلنا الى الجانب الآخر من الأرض خلال ساعات ، ها نحن نعيش في آخر الدنيا ، تزوجنا وأنجبنا صبيا وبنتا، ولكنني في الليل، قبل أن أطارحها الغرام، أقول لها: والله أشتقت الى تمر البرحية، وهي تقول: أنا أيضا ، لكننا لم نقرر العودة الى بلادنا حتى الان.
++++++++++
+ السوباط : عريشة تشبه الغرفة بلا جدران مرتفعة عن الارض بسيقان النخيل، ومسقفة بالسعف ينام عليها الضيوف طلبا للبرودة .
بقيت في الليل أتقلب على الفراش، وأنا أنظر الى نجوم السماء القريبة من السوباط، حتى توقعت سقوطها علينا من شدة قربها، قلت لها في الصباح، " يجب أن أرى بئر اكاذيبك في المكان الغامض". فأخذتني بعد تناول الفطور.
وصلنا الى البئر، نظرت إليه، فوجدته فوهة سوداء شديدة السواد، لا أثر لقاعها، رميت حصى لكي اكشف زيف ادعاءاتها ، فلم اسمع صدى ارتطامها بالقاع ، أرتجف قلبي، شعرت بالخوف، ضحكت هي علي، قالت " جبان، لماذا لا تنظر طويلا الى البئر؟ " سألتها ، وانا أرتجف خوفا : "هل يمكن للأنسان أن يذهب من هنا الى تلك الأرض في الجهة الأخرى؟ "
فقالت: " كل الذين دخلوا الى البئر، لم يعودوا، عمي نشمي كان هارباً من حرب إيران، ولما حاصره الأنضباطية، هرب الى البئر ، ولم يعد، وخالي سوادي هرب من الجيش الشعبي، ولما حاصروه عناصر الفرقة الحزبية، دخل الى البئر، ولم يعد، صبرية بنت حجي لفته، لما وجدوها نائمة عارية في مشحوف نايف، طاردوها أهلها وركضوا خلفها وهي عارية، لأنها فقدت شرفها مع نايف الذي رمى نفسه في النهر ولم يعد ، دخلت صبرية الى البئر، ولم تعد لحد الان" ، فقلت لها "ربما ماتوا أو غرقوا في مياه البئر" .
ضحكت مرة ثانية، قالت: " كلا، يذهبون الى هناك ويتزوجون من نساء حلوات شقراوات. في يوم من الايام اطل علينا صبي بعمر ( 10 ) سنوات قال أن أسمه جوني وأسم والده نشمي ، عرفنا إنه أبن عمي نشمي ، بقي جوني معنا أسبوعا، يحدثنا عن جمال الحياة في بلادهم هناك في الجانب الآخر من الأرض ، يتحدث بلغة عربية ركيكة، ومعها بعض الكلمات الإنجليزية ، قال أن أمه شقراء اسمها رنكيا ، تعرف عليها والده نشمي، في أول يوم وصل به الى بلادهم وتزوجها .
اخذنا الصبي الى جده، وهو جدي والد ابيه نشمي، فاحتضنه وشم رائحته، وحمد الله أن أبنه مازال على قيد الحياة، ثم بكي جدي فرحا ، ولكن بعد أسبوع ودعنا جوني وقال أعطوني تمرا من البرحية هدية منكم، فحمله جدي زنبيلا ملأه بالبرحي ثم دخل الى البئر واختفى" .
نظرت نور الى عيني، فوجدتني متلهفا الى شيء ما، ثم أخبرتني بأن الكثير من الجنود الذين هربوا من حرب إيران، جاءوا الى البئر، دخلوا فيه ولم يعودوا. غير أن الحكومة اكتشفت سر هذا البئر، أخذت تنفي كل واحد لا يعجبها، ثم يعودون بعد سنوات يحملون أطفالا معهم، ومرات يجلبون نساءهم الشقراوات يمضون بضعة أيام، ثم يرحلون عبر البئر للعودة الى ديارهم الجديدة.
أيقنت أنها لا تكذب، وأن كلامها ليس من الخيال، بعد أن تأكدت من عمتي، التي هي أمها، عن صدق مزاعمها ، لكن عمتي حذرتني من الإقتراب من البئر لأنني أمانة عندها.
في اليوم التالي، أخذت نور، سحبتها من يدها الى البئر، وقفنا عند فوهته نفكر، ثم قلت لها: ما رأيك؟ الحياة هنا جافة لا مستقبل لنا. فقالت فرحة: هيا.
دخلت البئر قبلي، وفعلت مثلها، وصلنا الى الجانب الآخر من الأرض خلال ساعات ، ها نحن نعيش في آخر الدنيا ، تزوجنا وأنجبنا صبيا وبنتا، ولكنني في الليل، قبل أن أطارحها الغرام، أقول لها: والله أشتقت الى تمر البرحية، وهي تقول: أنا أيضا ، لكننا لم نقرر العودة الى بلادنا حتى الان.
++++++++++
+ السوباط : عريشة تشبه الغرفة بلا جدران مرتفعة عن الارض بسيقان النخيل، ومسقفة بالسعف ينام عليها الضيوف طلبا للبرودة .