ليلل الحربي - أبو چوقي الدگة الناقصة... الجزء الثاني

أبو چوقي
الدگة الناقصة

الجزء الثاني



اتجه إلى مهران، المدينة الإيرانية الملتصقة بالحدود الشرقية حيث يمرّ الزائرون في طريقهم إلى كربلاء، خرج نصف جسده من نافذة سيارة وكرر العبارة نفسها "كربلاء مستقيم، كربلاء مستقيم".

ازدحم الطريق بالزائرين حتى بدت مهران مدينة لا تعيش إلا للعبور كأنها تخلّت عن صمت الصحراء وأقامت سوقًا مفتوحة بلا بضاعة. تتدافع الأصوات من كل جهة فارسية وعربية وإشارات بالأيدي تغني عن الكلام. تختلط بأبواق الكوسترات ومزاميرها حتى تغدو الضوضاء إيقاعا واحدا لا يحاول أحد إسكاته. قافلة تبحث عن مقاعد وسائق يبحث عن قافلة. نساء يجمعن أفراد مجموعاتهن ورجال يحملون الأمتعة ونداءات تتقاطع من دون أن يفهم أصحابها لغة بعضهم بعضا. لم تكن اللغة شرطا للتفاهم. كانت إشارة إلى السيارة وأخرى إلى الطريق وثالثة إلى الأجرة كافية لأن يبدأ كل شيء.

ولأن زمام كل قافلة من الزائرين الإيرانيين بيد امرأة، تقدمت إليه إحداهن. لم تعرف من العربية إلا كلمات متناثرة ولم يعرف أبو چوقي من الفارسية إلا مثلها. غير أن الكلمات القليلة حين تعجز تتكفل الإشارة بإتمام ما بقي. وما إن فهمت مقصده حتى استدارت نحو جماعتها فنادتهم بالفارسية: بياييد بياييد، فتقاطروا إلى السيارة. دفعوا الأجرة مباشرة بعد جلوسهم فالطريق مستقيم مباشر نحو كربلاء وجلست قائدة القافلة إلى جواره في المقعد الأمامي وما إن دارت العجلات حتى أعلن أبو چوقي افتتاح الرحلة بصيحته المأثورة "بر محمد صلوات". فارتفعت الأصوات من خلفه "اللاهم صلِّ على محمد وآل محمد".

لم يبتعد بهم إلا قليلا حتى أعلنت معدته العصيان وأخذت تكركر مرة ثم ثانية فعرف أبو چوقي أن لا جدال مع هذا الإنذار. في حياته الجوع أمرًا يُنفذ فورا تماما كالأمر العسكري ولا يناقش. لمح موكبًا على جانب الطريق فانعطف إليه على الفور وأوقف السيارة صائحا بهم: انزلوا. بثواب الإمام الحسين، صلواتي ببلاش.
نزل معهم وأكل حتى سكتت المعدة وعاد الرأس إلى طبعه ثم عاد إلى المقود واستأنف الطريق بدرة فالكوت. وحين بلغ الكوت أخرج سيجارة وهمّ بإشعالها. انتفض الرجل الجالس خلفه وصاح به بعدما قام من مقعده وتقدم نحوه: لا لا هذه سيجارة!

أخرج سيجارة ملفوفة يدويا غير متناسقة الحواف يتسع طرفها قليلا بينما يضيق الآخر لم تكن تشبه السجائر التجارية ذات الهيئة المتقنة، بدت كشيء صُنع على عجل بورق رقيق يخفي داخله تبغا داكن اللون. أخذ أبو چوقي السيجارة بيده وأشعلها.

ما إن فرغ من تدخين السيجارة حتى أخذت الطرق تتكاثر أمام عينيه. شارع يلد شارعا وكل شارع يلد عشرات غيره حتى خُيِّل إليه أن الأرض تحولت إلى شبكة لا نهاية لها والسيارات تفيض من كل اتجاه. خاطب نفسه مذهولا: أمعقول أنا في هيوستن ما هذه المتاهة من الشوارع؟ أيُّ شارع أسلك؟.

ركن السيارة على جنب، ألقى على رأسه ماء ثم انتبه فجأة فضرب جبهته بكفّه وشاطت النار من رأسه: تبّا فعلها ابن الكلب. دسّ لي الحشيشة.. السيجارة حشيشة. ولأن الخير يخصّ صاحبه والشرّ يعمّ الجميع فلن أجعلها تقف عندي سأردّ الدگّة الناقصة إليهم جميعا، لا إلى الرجل الذي أعطاني السيجارة.

في العادة الإيراني إذا وجه دگة ناقصة/ فعل ناقص، أصابت رجلا واحدا أما العراقي فإذا فعلها لم يرض بأقل من حمولة سيارة كاملة واحدا وعشرين إيرانيا بعدد المقاعد فالخير بنظره يخص والشر يعم. عاد إلى مقعده ووضع يده على مقبض ناقل السرعات وهمس مع المقبض: يا حوم اتبع لو جرينا صرنا أزواج وما فرينا.

ضغط على دواسة الوقود، فانطلقت السيارة تشق الطريق حتى بلغت الشوملي وما إن انتصف النهار حتى انساب أذان الظهر من المذياع. التفت إلى ركابه وقال: هيا حان وقت الصلاة، لا زيارة دون صلاة.

انعطف نحو موكب يقدم خدمات مجانية من طعام وأكل ومساج وغسل وكي ثياب، توضؤوا، ثم صلّوا وأكلوا قبل أن يعودوا إلى الموضع الذي تركوا فيه السيارة لكنها لم تكن هناك أمّا أبو چوقي، فقد سبقهم تاركا الزوار خلفه.

دخل بغداد والحقائب ما تزال مرصوصة في صندوق السيارة. وحين بلغ منزله أنزلها واحدة تلو الأخرى عند مدخل الدار خرجت زوجته وما إن وقعت عيناها على كومة الحقائب حتى عقدت حاجبيها وحدّقت فيها باستغراب:

ـ ما هذه؟

تنحنح واستقام في وقفته وقال بوجه يفيض وقارا وشجنا:

ـ ولچ اسكتي، لا تدرين ما حل بي اليوم وقعت أمامي عدة حوادث سير وكلما رأيت أحدهم يلفظ آخر نفس، أمسك بيدي يوصيني، وصية ميت " حقيبتي أمانة لديك" ثم عضّ لسانه ومات فورا

شهقت زوجته، وضربت كفّا بخدها:

ـ يا للمساكين هذه أمانات، انتبه لها

قال مطمئنا:

ـ ضعيها في غرفة الاستقبال وأغلقي الباب بإحكام. ولا تدعي الأطفال يقتربون منها.

ثم دخل ليستحم وهو يحدّث نفسه: غدا لن أخرج إلى العمل. أخشى أن يكونوا قد سجّلوا رقم السيارة أو أبلغوا الشرطة عنّي.

استيقظ مع أول خيط للضوء مثل عادته، كان يحب أن يسبق الناس إلى الشوارع قبل أن تستيقظ المدينة. دخل غرفة استقبال الضيوف وأغلق الباب عليه ثم اقترب من الحقائب وفتح الحقيبة الأولى فشهق، وجد فيها حنطة، حدّق بها مستغربا:

ـ حنطة!

فتح الثانية

حنطة أيضا!!

ثم الثالثة والرابعة كلها حنطة

عدل وقفته وأمطر الحقائب ومالكيها بكل اللعنات التي مرت في حياته.
جمع الثياب في كيس والحنطة في كيس أخر والحقائب التي أفرغها جمعها في كيس ثالث. حمل غنيمته وخرج بها إلى سوق مريدي. هناك عرفت الأشياء مصائرها أخذت الحنطة طريقها إلى أهل الطيور، المطيرچية، بينما ذهبت الملابس والحقائب إلى أهل البالة حيث تُباع الأشياء التي أنهكتها أيدي أصحابها وتبدأ حياة جديدة مع أصحاب جدد.

خرج إلى السوق بعدها، فوقف عند بائعة السمك تلك التي تجلس على الأرض وتبيع السمك منذ ثلاثين عاما وقال مبتسما:

ـ ها أم اكويظم، كيف حالك؟ وكيف صحتك؟

كان يخاطبها بحميمية توحي للناظر بأن بينهما صلة قرابة وثيقة وهي تبادله الود نفسه ويستطرد بلطاف غير معهود منه:

ـ ابنتك، ألم تلد بعد؟

ـ لا، ليس بعد

ـ وابنك أما تزوج؟

لم يكن يعنيه خبر الابنة ولا الابن وإنما أراد أن ينسج خيطا من الألفة يلين به السعر، تركها واتجه إلى بائع الخضار:

ـ ها أطويلب، كيف حالك؟ وكيف الصحة؟
ـ يا أبا چوقي أنت غائب عنا!

تنهد وأطلق زفرة خرجت من أعمال قلبه:

ـ والله مشغول في العمل وفي إصلاح الإطارات لا يترك لي وقتا

ـ بالمناسبة، لماذا لم تأتوا إلى العزاء؟

كمن يهيم بأمر، سأله:

ـ أي عزاء؟

ـ عزاء ابن عمنا

ـ وأين أقيم؟

ـ في العمارة

ـ وكيف لي أن أعلم؟ لو علمت، لأخذتكم معي بسيارتي.

وهو لم تطأ قدماه العمارة يوما ولا خطر له أن يزورها. ظل يتنقل بين أصحاب الدكاكين يلقي السلام ويسأل عن الأهل والأولاد بحثا عن ثغرة في الميزان أو كلمة طيبة تخفض له الأسعار. عاد إلى البيت وما إن دخل حتى انقلب طفلا بين بناته. انحنى على يديه وركبتيه فوثبن فوق ظهره، قالت إحداهن:

ـ أبي. كن زمال

انحنى قليلا ثم أخذ يزحف بهنّ على الأرض دافعا جسده إلى الأمام وبدأ يقلّد بصوت فمه هدير محرّك سيارة:

ـ لا يا أبي، نحن نركب زمال، لا سيارة

أطلق نهيقا طويلا، أجش متقطعَ النفس ثم واصل مشيته

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى