قصة قصيرة

صورة متخيلة لأنكيدو كائن غريب الأطوار، كان يستحث الخطى صوب دائرة ثقافية ذات صلة بالتاريخ، كان يناوب بين السير على قائمتين والمشي على أربع. كاد الشعر أن يغطي كامل جسمه. فوجىء به الحراس، لم يكن في مقدورهم التعرض له، حين ظهر مرهوب الجانب. كانت عيناه تشدانه إلى الداخل. في الداخل، كانت القاعة...
حين طرقت الشرطة بابه، ظنهم جاؤوا ليمنحوه أخيرًا الحق في الرؤية الذي طال انتظاره لثماني سنوات؛ لكنهم قذفوه بتهمة الإهمال؛ ليُسجن لأول مرة باسم ابنه الذي لم يرَ وجهه لسنوات. لم يطرق الباب. ركلوه. ارتد خشب الباب القديم إلى الداخل وهو لا يزال على سريره، يقلب في هاتفه صورًا لا يملكها. اقتحم ثلاثة...
في أحد المقاهي ينظر إلى البحر، فلم تعد مدينته كما يعرفها؛ ضاقت شوارعها بمركبات لا تنتهي، جدران مبانيها ترثي زمان التآلف، ومهما حاول أن يتجاوز ذكرياته إلا أن الواقع قد ألحق بها جراحًا لا تندمل، يستنشق هواء البحر لكن شعورًا ثقيلًا يجثم على صدره؛ فالنسمات تحمل عبء الزمن ومرارة الواقع، في ذلك المساء...
لن ينسى ذلك اليوم. اقتربت المدرسة. سيلتحق بالصف الرابع الابتدائي. شكا لأمه بأنه لا يحب المدرسة. دهشت من قوله، وهو من الأوائل في صفه، وسألته عن السبب. أجاب بأنه يأتي المدرسة حافي القدمين وبملابس بالية، في حين أن بعض زملائه من الكسالى يأتون بملابس وأحذية جديدة. طمأنته بأن والده سيصحبه إلى...
وقفت عند عمود الإنارة المهترئ تتنفس هواء الشتاء البارد، كأول نسمة حرية تلمس رئتيها بعد عمرٍ طويل.. ظلها يتطاول على الرصيف شاهدًا على سنواتٍ ذهبت سدى. الغروب يلف المحطة بألوان حزينة، برتقالية كجرح قديم وبنفسجية ككدمة فى الروح. البرد يخترق عظامها. جلست على المقعد الحجري.. تذكرت كيف كانت تأتى...
يرينا الإصحاح الأول من " سفر التكوين " كيف حدث خلق السموات والأرض، خلق الإنسان والمخلوقات الأخرى، بحيث يُعرَف لكل حيوان اسم، ويختلف عن غيره، وتكون له طبيعة خاصة به، الأمر الذي جعل الرب الإله راضياً مما صنعه، وهو يرى أن كل شيء قد اكتمل ، أي على أحسن وجه، وكما يريد. ولم يعد أمامه سوى أن يستوي على...
مر ببيت صديقه عبد الجواد، وجده يتهيأ للخروج. أسف لأنه جاء في وقت غير مناسب. أجابه، وهو يبتسم بأنه دعي من سفارة عربية إلى حفلة استقبال في أحد الفنادق الفخمة، والمناسبة عيد الاستقلال. لم يحضر مثل هذه الاحتفالات، ولم يدعه أحد إلى الاحتفال بمناسبة وطنية أو سياسية؛ فلا يدعى إلا إلى حفلات زواج،...
الطريق شبه مظلم أعمدة نور فقيرة بعضها أصابها العمش فما عادت تفرق بين المارة.. رجل إمرأة او طفل.. أزيز الاعمدة يُمكِنَك أن تسمعه عن بعد خاصة وهو يدفع بغاز الضياء مثل من أكل أكلة أتخمت بطنه فيدفع بريح ما أتخم به، يضج العمود بالنور لحظتها بقوة فيتأجج ثم فجأة يخفت أو يَظلَم أو لعله يكتم أنفاسه الى...
لم يكن أحد في المدينة يتذكر متى بدأت الحكاية. فمنذ وُلد الناس هناك، وُلدوا بلا عيون. لم يكن الأمر يُعدُّ عيبًا، بل كان فضيلة؛ فالظلام، كما كانوا يقولون، أكثر عدلًا من النور، لأنه لا يميّز بين غني وفقير. في صباحٍ لا يختلف عن غيره من الصباحات — وإن كانوا لا يعرفون معنى الصباح — صدر مرسوم سلطاني من...
رفات رأيتني في المنام، أشعث أغبر، أتكئ على عصا تحميني من التعثر في حطام البيوت. ولما استبد بي التعب أقعيت إلى جوار نصف جدار، كنت حزينا كما يليق بغرناطي فقد داره وحصانه والطريق. غرست عصاي في الحطام، قبضت عليها بكلتا يدي، وأسندت رأسي مغمضا عيناي، لحظات وانتبهت على صوت دقات أقدام، رفعت...
حين غادرتُ المدينةَ كانت ما تزال تحترق .. لم ألتفت ورائي لألقي عليها النظرةَ الأخيرةَ .. لكنني أحسستُ أن ألسنةَ اللهبِ ما تزالُ مرتفعةً ، أدركتُ ذلك من الهسيسِ الذي لا يكاد يُسمع ، وأخبرني بذلك الهواءُ ، ورملُ الصحراء الذي غاصتْ فيه أخفافُ راحلتي ، والكثبانُ التي اصطبغتْ بضياءٍ برتقاليٍ شفيف...
كل حجرٍ فيها مسبحةٌ، وكل مئذنةٍ تعلو لتعانق السماء. بعد فجرٍ والنسيم مشوبٌ برائحة البحر، وممزوجٌ بعطر الأولياء. قررت أن أمضي اليوم من ضريحٍ إلى ضريح، أول بابٍ قصدته باب سيدي المرسي أبو العباس، مسجده قصيدةٌ تعانقه القباب وتطوقه المآذن، في باحة المسجد غمرني سكونٌ مهيب، اقتربت من المقام، رأيت شيخًا...
من خلف قضبان النافذة التي قادوني إليها رأيت صاحبي، العالم الذي اخترع حبر كتاب الأسرار، يساق إلى منصة الإعدام. رأسه محني إلى الأرض، وحركة جسده تشي بالإرهاق. اختلج قلبي بين ضلوعي، وأحسست بالخواء يغزو ساقيّ... وحين تهاوى الجسد الفارع على أثر الطلقات المتدفقة، دون رحمة، من فوهات بنادق كتيبة...
كان معلِّم القرآن، أبو أمينة، يسكن في بيت صغير في الطرف الغربي الشّمالي من القرية، في زاوية محَاذية للمسجد الوحيد فيها، وكانت أمام البيت، أرض واسعة متربة، تتأثّر بأقلِّ قدر من الأمطار، وتتحوّل إلى بركة يتحاشى الناس الخوضَ في مياهها وأوحَالها. ورغم ضيقه الشديد بالتلاميذ وشكواه الدائمة من شقاوتهم...
..وقف الدكتور ممتاز عند زاوية الشارع، مترددًا، يراقب بيت الشيخة عيدة من بعيد. أصوات تتقاطع، ضحكات أطفال تتلاشى بين الزقاق، وراديو قديم يئن من نافذة بعيدة. كان قلبه يدق بسرعة، لقد أثار فضوله كل ما سمعه عن هذه السيدة من أهل القرية. كما أن قلة المرضى، والركود في العيادة، وكل الشائعات عن قواها...
أعلى