يُقال إنّ للعالم أبوابًا،
لكنّ العتبة
كانت تُبدِّل نفسها
كلّما ظننتُ أنّني لامستُ عبورها.
حدثٌ موسميّ
يتدرّبُ المشي في خدوش الذاكرة،
وبقي الزمن
بلا ساعةٍ تُشير إليّ—
كمحوٍ يتعلّم نطقه،
ضوءٍ
يخشى أن يتورّط في التعريف بوجهي.
ولا جهةَ لي،
سوى ارتعاشٍ يقترب من المعنى
ثم ينجو منه،
كفاصلٍ يتردّد بين...
كنتُ أبدّل اسمك في فمي إلى طقسٍ سريّ،
أداري عشقي الفاضح بك
كأن لحظتين شاردتين
تبادَلتا أماكنهما
دون أن تتركا أثرًا واضحًا.
لم يحدث الارتباك دفعةً واحدة،
تسلّل بيننا في ذلك المساء،
كما لو أن الأشياء نسيت مواقعها للحظة.
انحرافٌ صغير
تركناه…
بين هوامش لا تتّسعُ لنا.
منذ ذلك الحين،
صار لكلّ شيء...
إهداء:
إلى امرأةِ المسافاتِ البعيدة؛
كلُّ اقترابٍ منها
فقدٌ آخر.
ــــ
جلستُ على حافةِ الذاكرة.
لا أفكّر في شيءٍ آخر،
سوى أصابعِها الراعشة
تغزل في الهواء حنينَ عزلتها.
لا تذهبي بعيدًا عن قلبي،
أقول لها..
وبيننا أكثر من جدار شفّاف:
أراها
ولا أصل.
وحين تغيب،
لا يختفي شيء،
فقط
أصبحُ أقلّ...
تعلّمتُ متأخّرًا
أن أكثرَ أشكالِ الحبِّ صدقًا
تلك التي تُغيّرنا للأبد،
تحملُ رائحةَ سفرٍ لا ينتهي،
ثمّ تنكسرُ بصمتٍ
يشبهُ ندفَ الثلج
المتساقطِ من علوٍّ شاهق،
فلا نعودُ بعدها
كما كنّا.
أعرفُ أكثرَ ممّا أقول:
أنّ الحبَّ لا يغادرنا حين ينتهي،
هو يعيدُ ترتيبنا فقط.
كلّما مرَّ يومٌ
يحتفلُ فيه...
صيعلّقُ الفجر على كتفيه
أحزان الصباح،
كسولًا، ينتظرُ ومضةً تُربك
العتمة،
يمضي بي نحو أفقٍ
يتمادى في زرقة اتّجاهاتِه.
وكلما فتح صوتُ البرق شقوقًا في صدر الهواء؛
أجابني الحذر؛
تمهّلي قليلًا،
لكنه قلبي ذلك الكائن الصغير،
لا أدري ماذا أفعل معه..
قلت له،
كيف يختبئ من خُلِق في صدره
نافذة للغيم؟
تربّى...
الحياة لم تُخاصمني،
ولم تأتِ الضربات لتُسقِطني،
كانت محاكمات،
جاءت لتُفرغني،
وتخلع اسمها عند بوّابة اللغة،
خفافًا بما يكفي.
في كل مرّة ظننتُ أنني آويتُ ظمأ النهايات،
يتهاوى صخبُ الأسئلة،
ويُنتزع منّي وشايةُ الحنين،
أزهارٌ آيلةٌ للبكاء،
تغادر عطرها سرًّا،
لا كعقابٍ مُعلَن،
بل كتجريدٍ بطيء...
لم نلتقِ أبدًا،
ما بيننا..
أكثر من صمتٌ خفي
جمع نغمتين
لم تُعزفا معًا.
أحبّكَ من ضفةٍ بعيدة،
لا تصلها أسفار الريح،
لا يقف البعدُ بينهما حارسًا لشواطئها.
ولا أدري كيف تستقيم مواجدي بكَ!
وأراكَ، كما يحدث الآن؛
تُغمِضُ الأشياءُ جفونها،
يصير الغياب
حاسةً تتعلّم الإصغاء،
روحًا لا تحتاج اسمًا
ولا...
تتسلّل خرائط العطب بين الظلال،
كلّ شيء يبدو متروكًا، يحصي خفقة قلب،
تراقصه خاصرة الضوء وأغنيات الريح.
لا أحد هنا،
سوى فائضٍ من الوقت،
يحرس ظلّ القلب،
متخفّفًا،
يخلع اسمه عند العتبة.
مثلها الأشياء حين تفرغ منّا،
تتقن معرفتنا أكثر ممّا ينبغي:
الكراسي تحفظ انحناءات الأجساد،
وتنسى أصحابها،...
كيف سرقتنا مواسمُ الليالي النائية،
وأحلامُ الصحو
العالقةُ على استعارةٍ لم تكن لنا؟
كأنني التقيتُكَ من قبل،
تحملني الطُّرُقُ كما تشاء،
تصل إلى كلِّ الأمكنة
إلّا المكانَ الذي
احتويتُكَ فيه
ذاتَ صباحٍ دافئٍ وحنون،
حلمٌ
يُبقينا على قيد الدهشة.
وأنا، التي أرفو قلبي
على نبوءاتٍ قد تأتي
أو لا تأتي...
لم يكن الصمت فراغًا.
كان كائنًا يجلس قبالتي.
يربك أماكن الأشياء،
والاحتمالات الراعشة.
يسحب المعاني من درج الكلمات
ويضع وجهي على الطاولة،
عاريًا تمامًا،
كأنه يستدعي اسمي الأخير.
ثم أعود إليَّ فارغةً،
بنصف اسم ونصف رغبة.
كما يؤجَّل حلم، عودة جناحيه،
غير مستعجل على التحليق
يمرّ بقربي
دون أن...
فتح الصباح غيومه على خطأٍ صغير،
والريحُ تُقايضني صوتها
بنسيانٍ لم أُتقنه بعد.
كأنني أمشي فوق ظلّي،
أبحثُ عن جملةٍ ضلّت مواجِدها
في قلب شاعرٍ غريب؛
التقينا مصادفةً
في منتصف الحلم...
كنّا نطفو
في فجوةٍ
أوسع من اللغة،
و أضيق من حنينٍ مُضرجٍ
بألوان الغياب.
غرفة صغيرة
لا يزورها أحد،
مكدّسة...
توطئة:
ثمّةَ لحظاتٌ لا تُقال، بل تُقام كصلاةٍ في معبدِ الغياب. رائحةُ قلبٍ لم يُكمِل وداعَه تسري في ذاكرةِ العطر، كأنّها نجاةٌ مؤجَّلة. هناك، في ذلك الحيّز الشفيف، تتهيّأ اللغة لابتداعِ رحيلٍ يشبهها؛ تُخبّئ في البياضِ اسمَها، فليس الختامُ نهايةً، بل رعشةٌ تتوارى في الغيم، تُغازل ملامحَ ولادتها...
حين تُشعلُ مجرّاتُ الشوقِ فضاءاتِ صدري،
تتفتّقُ مسامُّ الحنينِ
كأُغنيةٍ نازفةٍ تبحثُ عن وترِها الضائع،
وأراكَ هناك...
الآن ودائمًا،
حيث تنحني الريحُ لخطاك،
تتسلّلُ كبهجةٍ خفيّةٍ في وشمِ الذاكرة،
تخلعُ الفصولُ عن عرشِها
على إيقاعِ الغياب.
هناك، في أقصى الضوء،
امرأةٌ من صلاةٍ وحنين،
تترنّمُ...