منى محمد صالح

أسوأُ ما في الحنين أن يأتي... حين لا يجدُ ذريعةً واحدة يختبئُ خلفها. لا شيء يحدث فقط، مرّت أغنيةٌ عابرة فتعثّرَ المساءُ قليلًا وأنا التي... ما زلتُ أقطعُ المسافةَ كلَّ ليلة، وأتركُ للخطوةِ فرحًا مواربًا، مقعدًا فارغًا في داخلي، لا يراه أحد. ذلك الارتباكُ القديم الذي يزهرُ الآن وحيدًا بين...
كم من مرّةٍ أعدتُ ترتيب قلبي كما تُرتَّب الكتبُ على رفٍّ قديم. وفي كلِّ مرّةٍ... تعانقني تفاصيلُ اسمكَ المخبّأة هناك. أبطئُ الوقتَ بيدي، أقلبُ الدقيقة على وجهها الآخر لعلّها تُنبتُ لي وجهًا أعرفه. ممرٌّ سرّيٌّ، يشبه النجاة. كلُّ خطوةٍ فيه تؤدّي إليكَ... ولا تصل. شوقٌ، يكفيه أن يعبثَ...
أنا التي ظننتُ أنني أحسنتُ ترتيب رماد قلبي بعدكَ... كنتُ قد قطعتُ وعدًا للمرايا، ألا أناجي اسمكَ بذلك الهمس الحنون، لئلا... يرتدّ الصدى في وجهي. إلى أن رأيتكَ. وكيف لشارعٍ مزدحمٍ بالضجيج، أن يفرغ إلا من ظلِّكَ يغفو دافئًا في الروح؟ آهٍ... لو تدري. كنتُ أختار ثيابي بعناية مفرطة، أرتدي برود...
أكتبُ لكَ الآن كما تُتركُ نافذةٌ مواربةٌ في بيتٍ غادره أهله... أنا التي أغلقتُ الباب بيدٍ مرتعشة، ونسيتُ أن أستأذن قلبي. وقفتُ طويلًا هناك، أفتِّشُ في المرايا عن لهفةِ ذكراك، وعن هيئةٍ لا تكونُ مشبعةً بكَ... لم أجد. وأحيانًا، تخذلني حتى تلكَ النظرةُ التي كنتَ تتركها في عينيَّ، ثم تمضي...
توطئة: أبحثُ عن بدءٍ لي، فلا أجدُ سوى امرأةٍ ما، تعانقُ ارتجافَ قلبِها على مهلٍ. تفتحُ درجًا قديمًا في الذاكرة، محاولةً متأخرةً للنجاة. مساءً بعيدًا يمرُّ بهدوءٍ، يُلامسُ وشايتَها بأغنياتِ الريح. ــــ أنا لا أدري من أين بدأتُ… وتنهدت في سرّها، كأنها تُغلق خلفها باب السؤال! في المساء، لا يدنو...
كم مرّةٍ أفلتُ من نفسي إلى جسدٍ آخر لأتدرّب على جرحٍ يسبقني دائماً بخفقةٍ واحدة، فقط واحدة.. قريبة من القلب. ويمضي بي ذلك الجسد كأنّه لا يتذكّرني، على خطى لا تخصّني، تُلبِسه الحياة ثوباً لا يشبه مقاسه، فيتعثّرُ بنعومته، وتتشابك به أقمشة الاحتمالات هناك، يتربّص به اسمٌ آخر... لا يشبهه. لا مرآة...
يحدث أحيانًا؛ أن ما يسكن الصمت أجمل من القصيدة نفسها. الكلمات التي تعانق روحك دون أن تدري، المشاعر التي تختار أن تقيم في تلك المسافة البيضاء، رقصة مشتهاة، حميمة بهذا الدفء، لا شيء أكثر .. أعرف تمامًا ذلك النوع من حضورك الجميل الذي لا يحتاج إلى باب كي يدخل، ولا إلى صوت كي يُسمع. يكفي أن يمرّ...
أُخبِّئُ قلبي في جرّةٍ من فخّارٍ قديمٍ، كي لا تعثر عليه مطارقُ النهار وأتركه قرب النافذة... يغفو كوردةٍ مبلّلةٍ نجتْ توًّا من يومٍ طويل. •• أنا امرأةٌ لا تبكي كثيرًا، أمشي بخطوٍ خافتٍ... كالأواني التي تتكسّرُ في بيتٍ بعيدٍ. الحزنُ عندي يتسرّبُ بطرقٍ أخرى؛ في الفناجين الكريستالية التي نبت فيها...
تعتذرُ لي عن كلِّ المسافاتِ التي تمنعُكَ أن تكونَ لي… كلّما امتدّتْ نحوي… وعن بتلاتِ الصمتِ وهي تخضرُّ في كفَّيكِ فيغفو الوقتُ بيننا، مثل فرحٍ شهيٍّ، وننسلُّ خفيفين كخيطين من ضوءٍ… إلى قصيدة. 19 مايو 2026
لا أحبُّ الطُّرُق التي تجبرك أن تترك ظلّك عند الباب. ادخل كما أنت بفوضاك، بنقصك، بتلك العتمة البعيدة التي تعرف اسمك كما لا أحد ضلوعٌ ضيّقة تحبسُ خطايا الضوء. واترك ظلًّا صغيرًا ينجو منك، لا يذوب في جسدٍ آخر. لا تلقِ بنفسك في فمِ العاطفة كقربانٍ أعمى، فالنار لا تحفظ أسماء حطبها. ثمّة حبٌّ...
يُقال إنّ للعالم أبوابًا، لكنّ العتبة كانت تُبدِّل نفسها كلّما ظننتُ أنّني لامستُ عبورها. حدثٌ موسميّ يتدرّبُ المشي في خدوش الذاكرة، وبقي الزمن بلا ساعةٍ تُشير إليّ— كمحوٍ يتعلّم نطقه، ضوءٍ يخشى أن يتورّط في التعريف بوجهي. ولا جهةَ لي، سوى ارتعاشٍ يقترب من المعنى ثم ينجو منه، كفاصلٍ يتردّد بين...
كنتُ أبدّل اسمك في فمي إلى طقسٍ سريّ، أداري عشقي الفاضح بك كأن لحظتين شاردتين تبادَلتا أماكنهما دون أن تتركا أثرًا واضحًا. لم يحدث الارتباك دفعةً واحدة، تسلّل بيننا في ذلك المساء، كما لو أن الأشياء نسيت مواقعها للحظة. انحرافٌ صغير تركناه… بين هوامش لا تتّسعُ لنا. منذ ذلك الحين، صار لكلّ شيء...
إهداء: إلى امرأةِ المسافاتِ البعيدة؛ كلُّ اقترابٍ منها فقدٌ آخر. ــــ جلستُ على حافةِ الذاكرة. لا أفكّر في شيءٍ آخر، سوى أصابعِها الراعشة تغزل في الهواء حنينَ عزلتها. لا تذهبي بعيدًا عن قلبي، أقول لها.. وبيننا أكثر من جدار شفّاف: أراها ولا أصل. وحين تغيب، لا يختفي شيء، فقط أصبحُ أقلّ...
تعلّمتُ متأخّرًا أن أكثرَ أشكالِ الحبِّ صدقًا تلك التي تُغيّرنا للأبد، تحملُ رائحةَ سفرٍ لا ينتهي، ثمّ تنكسرُ بصمتٍ يشبهُ ندفَ الثلج المتساقطِ من علوٍّ شاهق، فلا نعودُ بعدها كما كنّا. أعرفُ أكثرَ ممّا أقول: أنّ الحبَّ لا يغادرنا حين ينتهي، هو يعيدُ ترتيبنا فقط. كلّما مرَّ يومٌ يحتفلُ فيه...
صيعلّقُ الفجر على كتفيه أحزان الصباح، كسولًا، ينتظرُ ومضةً تُربك العتمة، يمضي بي نحو أفقٍ يتمادى في زرقة اتّجاهاتِه. وكلما فتح صوتُ البرق شقوقًا في صدر الهواء؛ أجابني الحذر؛ تمهّلي قليلًا، لكنه قلبي ذلك الكائن الصغير، لا أدري ماذا أفعل معه.. قلت له، كيف يختبئ من خُلِق في صدره نافذة للغيم؟ تربّى...

هذا الملف

نصوص
72
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى