في زمن مضى كانت الحيل تفوق التصور وتغلب المحال؛ الآن كل هذه الأشياء صارت من الأساطير؛ كثيرا ما كنت أحلم بأنني بلا حذاء؛ ساعتها أضرب أخماسا في أسداس من تراه سرقه؟
لم أجد تفسيرا لهذا الحلم العجيب، تكرر مرة ومرة وجدتني حين أصحو أتحسسه، لا أطمئن حتى تتحرك أصابع قدمي فيه؛ ساعتها أشعر بالأمان، أشد ما...
في النادي، جلست الطفلة كطردٍ بريدي بانتظار الفحص. لم تنظر إلى الألعاب البلاستيكية المتهالكة حولها، بل راقبت انعكاس وجهها في مرآة حقيبة يد أمها الصغيرة. الأم، التي ترتدي ثيابًا أنيقة لا تليق بمعلمة لغات في مدرسة دولية فحسب، بل بسيدة أعمال، لم تنظر إلى الطفلة؛ تحركت أصابعها بآلية مدهشة على شاشة...
يقولون إن الإلهام ابنُ الليل.
أما أنا، فأعرفه ككائنٍ نهاريّ، يفتح عينيه مع الشمس، ويكتب على جدار الضوء أولى كلماته.
لكنني، بدافع الفضول وربما الشك، قرّرتُ أن أختبر الليل.
أعددتُ الشاي الذي لا أحبّه، ثم القهوة التي أعرف أنها ستؤجل نومي، ثم كوب نعناعٍ مغلي كأنني أستدعي روحًا متمنّعة. جلستُ أمام...
في ذلك المساء الذي لم يكن مساءً حقاً، بل بقايا زمنٍ أضاع اسمه في الطريق، كنت أجلس عند حافة العالم، حيث لا شيء واضح، ولا شيء مكتمل، حيث تختلط الأزمنة كما تختلط الذكريات في رأس رجلٍ لم يعد يعرف إن كان يتذكر أم يحلم.
كانت المدينة صامتة بطريقةٍ مريبة، كأنها تعرف شيئاً ولا تريد أن تخبر أحداً...
شكت زوجته بعد وجبة غداء متقشفة من سوء الحال، وأنه لا يوجد في البيت مليمًا واحدًا، حتى إن أولادهما في الصباح لن يذهبوا إلى مدارسهم، وابنهما عطية لن يذهب إلى جامعته. من أين لهم النقود، وقد تأخر راتب والدهم هذا الشهر؟
قال لها ليس من الضرورة أن يذهب الأولاد إلى مدارسهم ومعهم مصاريفهم، هي ساعات قليلة...
جاء السبت مرة أخرى، فاتسعت جراح النفس. قتلت الوقت في المقهى مع الآخرين، وحان المساء فحثت خطاك باتجاه العمارة. وددت لو يستبقيك أحدهم لتمضوا الليل مع سهرة التلفزة. لاأحد ألقى إليك بكلمة تحول بينك وبين إقفار شقتك. وفي الطريق اشتريت علبة سجائر وثلاث شمعات. صعدت الدرجات كأعمى، وتمهلت أمام الباب...
السواد يملأ المدينة.
دخان كثيف، عجيب! يتمدد ببطءٍ، يلوث الحلق ويترك في الفم طعم رمادٍ محترق. يتسلل إلى الأزقة، يعبر النوافذ، يتسلق الشرفات.
الناس يسعلون.
رجل عند ناصية الشارع يتكئ على الحائط. صدره يعلو ويهبط بعنف. عيناه حمراوان دامعتان، تحدقان في الفراغ. حاول أن يقول شيئًا. تحركت شفتاه بلا...
وصلنا، نحن الدفعة الجديدة من الخريجين إلى لواء الرابع ح ج عند السادسة صباحا. الشاحنات العسكرية مصطفة على جانب الساحة الترابية. نزلنا واحدا تلو الآخر نحمل حقائب صغيرة وأوراق تبليغ مطوية في الجيب. في صباح مغبر لا يختلف عن وجوه الجنود الواقفين عند بوابة النظام كنا نحمل شهادات تخرجنا لكننا اكتشفنا...
في زاوية منسية من الحياة، تعيش فتاة شابة حملت من الحب ما لم يُعترف به، وأنجبت من الصمت ثلاثة أطفال، كلٌّ منهم ظلٌّ من ظلّها. أكبرهم، لم يبلغ الثانية عشرة بعد، لكنه اختار أن يلوذ بالمعبد، يرتدي الرداء البرتقالي، ويصمت. لم يكن هروبًا من العالم، بل بحثًا عن مكان لا يُسأل فيه عن نسبه.
أما الطفلان...
الساعة الثانية من اليوم الثالث عشر من ديسمبر في العقد الثاني من المائة الأولى من الألفية الثالثة،ولأنه قادم من غياهب التاريخ،ليس من بعيد تماما ،إنه قد سلم لتوه مفاتيح غرناطة،لقد حمل كل أوزار آبائه وأعمامه،لقد زفر هناك حيث وجد بقايا سفن طارق،لا يهم فبنو الأحمر ما يزالون يمضغون القات،يتدثرون بتلك...
1
ثمة مواقف تُلمّح بها الحياة قبل أن تُصرّح.
تأتينا مجرّد ومضات ،وليس شرطا أن تعنينا؛ لهذا رُبما تستوقفنا قليلاً أو لا تستوقفنا !
وبعدما تمرّ سنجد أن الأيام شيئا فشيئا تكشف لنا أنها كانت بدايات حكايا تفوق تخيّلنا.
وهذا ماشعرت به " فاطمة الزهراء"حين توقفت بعدما ركنت سيارتها بالشارع الجانبي...
أضع يدي على جدار المدينة،
أشعر بكل خطوطه، كل نتوءه، كل أثر الزمن الذي مرّ عليه.
كأن أصابعي تستطيع قراءة تاريخ المكان،
كما لو أن كل حجر يحكي لي قصة لم تُحك بعد.
أمسك بالحائط، أتنقل بين النتوءات،
وأرى في كل لمسة لحظة لنا،
ضحكة في زاوية، نظرة في شارع، صمت في ركنٍ مهجور.
المدينة ليست مجرد خرائط أو...
ها هو عوده القديم مهملٌ في ركنٍ متربٍ، قد اهترأ جرابه، وظهرت أوتاره المرتخية، ولا يدري على وجه اليقين هل ارتخت بعد غيابكِ أم بعد أن أصاب المرض يده؛ فصار عاجزًا عن العزف..
أتذكرين جلستكما المتكرّرة على تلك الأريكة وأنامله وريشته تداعبان الأوتار، وما إن تشرب أذناكِ اللَّحنن وتنسجمين؛ حتّى تصيحي...
اللوحة الأولى الشيخ.. الرضيع
الشيخ: لا تقل شيئاً قط. رضيعى لا تقل شيئاً عما رأيت. أدرك أنك رأيت. لا تنطق بما رأيت. لا تهمس به. لا تعرى لسانك لأحد منهم.. احذرهم احذر القول لهم.. لا تقصص تلك الرؤيا عليهم، لا تصف لهم تلك الشمس.. هى تضحك تهوى عليك.. لا تصف ذلك القمر، هو يغمرك، نوره يتدفق فيك...