أواخر النهار, أربعاءٌ متحرر من ثلاثاء طويل... كان الأولاد متحلقين حوله, يلعبون وتعلو الأصوات, رفضتْ أصواتهُم قبولَ القمع المتواصل لسبب يسير يعود إلى ما أسماه الأب نفسه: الديمقراطية غير المعقدة التي اعتادها معهم. رفع صوته ليعلو على صوت التلفاز, الذي يبث أخبارًا متواصلة منذ الضحى, وها هي ساعة...
المشهد الأول: الفستان الضيّق
فستانها الضيّق يضغط على كل لحظة من جسدها، لكنه يخلق مساحة واسعة للتعاسة.
كل خطوة تبدو صعبة، وكل حركة تكشف عن ألم لا يُرى إلا في صمت العيون.
كان العالم حولها هادئًا، لكن داخلها كان هناك صخب مستمر: صوت قلبها الذي يرفض أن يُطاع، وأنفاسها التي تكافح الهواء، وظلها الذي...
حين دخل، كانت الساعة تقترب من منتصف الليل. الكتب القديمة تملأ المكان، والأرضية الخشبية تئن تحت خطواته، كأنها تحفظ ذاكرة من مرّوا قبله. رائحة الغبار ثقيلة، كأنها بقايا كلمات ماتت.
على الطاولة آلة كتابة عتيقة، وأوراق متراكمة، وأقلام جف حبرها منذ زمن.
جلس، وقلبه ينبض بعنف.
رفع الغطاء عن آلة...
ما بين هدير الطابور وضجيج الفصول، كانت تمرُّ أمامهُ حاملة دفاترها في يد، وفي الأخرى قلبًا لا يريد أن يَفلِت. لم يكن يراها، بل كان يقرأها. رآها كما تُرى المدن القديمة عند الغروب: بهيّة بلا تباهٍ، خفيّة بلا مُواربة. فيها شيءٌ من أمِّه، وصدقٌ لا يعرفه إلا مَن نشأ في الجنوب، وصوتٌ يرتجف منه الخجل لا...
محخرج هذا الصباح على غير هدى، تائها محَنَّط الأفكار، يتنفس بصعوبة، يشعر أن حياته أصبحت تفتقد للمعنى، وأن الأحداث تجاوزته وهو يمضي بهدوء بجانب الحائط، غير منتبه لاِنسيابية السنوات وسرعة اِنصرامها، وغير آبه بالوقائع التي عاشها دون أن يستلهم منها العبر، مكتفيا بركنها على رفِّ الذكريات، والمضي خلف...
ينبثق من أكوام الحزن آلام وجروح، ملتحفة بدموع الثكالى والبائسين. يتفجّر صراخ من عمق الفراغ، ويهتز الأفق بصدى أنينٍ تصنعه قلوب مكلومة ذابت في رماد القهر، كأن الصدى يجرّ وراءه قوافل من الأسى، تتعثر في طرقٍ لا نهاية لها، وتترك خلفها آثارًا من رمادٍ يرفض أن يبرد.
ومن بين ذلك الصدى الممزق،...
شَفقُ الخَمسِين
هَا هو ذا شفق الخمسين، يلوحُ لكَ وتلوحُ معه أطيافٌ من طفولتك وصِباك، متلفَّعة غلالات بيض، تحت أردية زاهية الألوان. أصداء سنوات تحتفظ بها الروح في جيوبها، تنشرها كلَّما دهمها الحزن وسعتْ إليها الآلامُ بملامحها القاسية. أصداءٌ بعيدة بمقاييس الزمن، قريبة بما تبثُّ من مشاعر عصيَّة...
امتد بصري إلى أفق المكان، فصدمتني أعداد الكراسي الملونة قوائمها بقطيفة زرقاء وحمراء، وهياكلها المذهبة اللامعة التي أعلنت في صمتٍ عن انتهاء الحكاية. حينها ارتطمت ركبتي بالحصى، واختلط الغبار بدمعي، وغبتُ عن الوعي.
أفقت على الحقيقة: الرجل الذي أفنى عمره يزيح عنا غبار الأذى، ويمهد لنا السبل الوعرة،...
اختارتها طاولة وحيدة
فى آخر المقهى، أخرجت بضعة أوراق،
أكثر من ساعتين، لم ترفع فيهما القلم عن أوراقها،
احتست فيهما فنجانان قهوة بتلذذ واستمتاع، بدت وكأنها تشعر بالخوف، على أمنيات لم تتحق، وأحلام مؤجلة، والرهبة من مجهول ينتظرها، ماأصعب أن يغادر الانسان الحياة، وقد امتلأ جوفه كلمات لم تقل،
لذا...
لم أكن أعرف أن الفراق جرحٌ بهذا العمق.
كنت أظن أن الوداع كلمة عابرة، لحظة قصيرة تمرّ مثل غيمةٍ صيفية ثم تمضي، لكن حين تركتك ورحلت… اكتشفت أن الفراق ليس لحظة، بل حياة كاملة تُقتطع من القلب دفعةً واحدة.
حين غادرتك لم أتركك وحدك…
تركت معك عمرًا كاملًا: ضحكاتي التي كانت تخرج من قلبي بلا حساب، دموعي...
"كم من عابدٍ قطع الفيافي بحثًا عن ربّه، فلما واجه حقيقة نفسه؛ احترق جناحاه وصار طيرًا غريبًا ينشدُ وطنًا ليس من تراب".
_فريد الدين العطّار
(١)
جميع أهل القرية يؤمنون أنه من أولياء الله الصالحين، لم يروه...
الساعة تشير إلى السادسة صباحًا حي بحري يستيقظ ورائحة البحر تتسلل إلى الأزقة الضيقة ممزوجة برائحة الخبز الطازج من أفران الفقراء، أحمد أفندي عبد الباقي يجلس كعادته على كرسيه الخشبي أمام باب بيته العتيق في شارع الناضوري يتأمل البحر من بعيد ويمسح نظارته السميكة بمنديله الأبيض قبل أن يعيدها إلى عينيه...
وكز الباب بعصاه فانتبهت، توقفت عن رش أرض الحوش بالماء، رأته يدفع الباب الصدئ، يخطو عابرا العتبة، ترش ما تبقى من ماء في الكوز فوق الصبارة، تزيل عنها بعض ما علاها من تراب مصفر، تسمع صوت لهاثه، يسعل كثيرا وهو يضغط بكفيه على صدره، بالأمس أرقها سعاله كثيرا، كلما أوشكت على النوم يسعل ويهتف مناديا...
أخبرته زوجته عند مجيئه إلى البيت، بأن ابنتهما عادت من المدرسة قبل انتهاء اليوم الدراسي، تشكو من الألم، فذهبت بها إلى المركز الصحي. قال الطبيب بإصابتها بالتهاب اللوزتين، ووصف لها الدواء. وهي الآن نائمة بعد أن تناولت الطعام والدواء.
على مائدة الغداء صارحته بأنها خائفة على ابنتها. فقد تكرر التهاب...
يحيلنا الروائي السيناوي أ./ محمد الغرباوي في قصته " بيت جدي" إلى عبق الماضي، وعطر الأجداد، حيث الأسر القديمة المترابطة، وحيث الدار الوسيعة التي تجمع الأهل والإخوة والأحباب، وحيث الأصالة والقيم تطرح جمالا لعبق الماضي العتيق.
إنها قصة تربوية يرويها بجمال، وانسيابية رؤية، وعمق معنى، وجمال عبارة...