لم تكن السفن العتيقة تعرف متى بدأت حكايتها.
كل ما كانت تتذكره هو القمر، حين يعلّق ضوءه كجرحٍ أبيض في السماء، فتقترب الظلال من بعضها على استحياء، كما لو أنها تخشى أن توقظ الرمل من نومه الطويل.
في تلك الليالي، كانت السفن تتسامر دون أصوات.
تتبادل صرير الأخشاب، وتنقل الريح ما تبقى من همسٍ تكسّر في...
(إن ضعف الإنسان هو الذي يجعله اجتماعياً. وعناصر الشقاء المشتركة بيننا هي التي تدفع قلوبنا إلى الإنسانية. فما كنا لنحس أننا مدينون للإنسانية بشيء لو لم نكن بشراً)...
جان جاك روسو
حدثني أبي، نقلا عن جدي الذي روى له الحكاية، وقد اوصاه بأن ينقلها...
مرت السنون كأنها لمحة بصر، وغزا الشيب رأسي، حتى انتهى بي المطاف على سرير أبيض في مستشفى بارد. كانت العملية دقيقة وخطيرة، والمؤشرات الحيوية تتراقص على الشاشات كأنها تودعني. قبل أن يستسلم وعيي للتخدير، لمحتُ عينًا مألوفة، فيها لمعةٌ لم أستطع تحديد مكانها في ذاكرتي المنهكة، ثم غَرَقَ كل شيء في صمت...
في مكتب هادئ، تسمع طنين جهاز التكييف، وصوت نقرات خفيفة وسريعة على لوحة مفاتيح، وصوت تقليب أوراق رصين، يجلس المدير العام، وفي المكتب المجاور حيث يطغى صوت العملاء والأوراق والآلات الحاسبة على أنفاس الموظفين، تتحرك "أميرة" كفراشة هادئة؛ أناقة مفرطة، وصوت خفيض لا يكاد يُسمع، ورزانة تفرض الاحترام على...
ليست كل حواري قريتنا مفتوحة، نصفها تقريبا حارات سد لكن لكل منها اسم تماما كما الحواري المفتوحة، فقد يعرفونها باسم صاحب أول بيت من بيوتها أو أقدم ساكنيها، إلا واحدة اتخذوا من وصفها اسما لها، كان الكبار يخوفوننا بها، وكنا نصدق أن العفاريت تسكنها، كانت أقصر الحارات وشبه مهجورة، فأصحابها القدامى...
أبي، شخص غريب، اختير لدور الأب فلعبه بحماقة ليس لها مثيل.
تحمّلته، وتحمّلت حماقاته كثيرًا. عزائي الوحيد هو شهرته؛ فهو من أصحاب الكلمة المشهورين، له كتب ودواوين وأتباع ومحبّون.
مات.
جلست مع ذاتي أبحث عنه في داخلي. ربما وجدت دمعة تحفظ أبوّته أمام الجميع، لكن بحر محبتنا لم يُشقّ يومًا.
جلست أفكر...
الدَّغل لا ينتهي، والطريق طويلٌ طويل.. مُلـفَّح بأنفاسٍ حرشاء، ومرشق بالبصبصات، وهى....
وحدها تسير فى هَذِي الطريق
مُشَّرعة كسيسبانة تعتنق المسير، ممشوقة على وجه هذا الدغل.. والنهر عن يمينها يغازلها بلفحة باردة تمرق حيناً من بين أعشاب الحلفاء التى تضاجع الشاطئين، وحيناً من بين الأشجار التى طمس...
انتظر محمد القحطاني مرور عشر دقائق ليصل إلى موظفة الحجز، التي أخبرته بوجود مقعد في آخر مقطورة. عليه اتخاذ القرار بسرعة، فالقطار سينطلق من السويد إلى الدنمارك بعد دقيقتين.
وضع التذكرة في جيب بنطاله وبدأ يهرول للوصول إلى القطار رقم 6B. لقد كان الراكب الأخير.
شعورٌ بالانزعاج سرعان ما ألمّ به حين...
جلس الأب على المقعد المقابل للطبيبة النفسية.
كفّاه منطبقتان فوق ركبتيه، ظهره مستقيم، عيناه ثابتتان لا تطرفان.
إلى جواره جلست الأم، متحفظة، تضم حقيبتها إلى صدرها كدرع.
الطفلة في المنتصف، رأسها منكس، تحدّق في البلاط.
أما الأخت الكبرى فكانت تراقب الوجوه جميعًا، كأنها تفهم أكثر مما ينبغي لعمرها...
كان يظن بأن رأى ـ صديقه ـ سوف يغير وجه الحياة .
كان يظن ذلك حتى وقت قريب ، إلى أن اكتشف بأن القردة وحدها تلتقط أصابع الموز تباعا دون جهد ،
بل ينالون التصفيق ، حين يتقافزون بين الأفرع .
لذلك رمى أكوام القمامة فى الشارع بنظرة بائسة، ومضى ذاهبا إلى صديقه الألمعى الذى نجا من الموت بأعجوبة، إثر...
(( الى كلِّ من جلس يومًا على حافة العالم، ينتظر نفسه))
منذ طفولتي، كان لي ولعٌ بصيد السمك، كأن السنّارة خُلقت لتجاورني. كنت أضعها إلى جانبي حتى في النوم، كأنها وصيّة أبي التي لم أنطقها معه. قالوا إنني نحس، لأنني وُلدت… وفي اليوم التالي مات أبي. كبرتُ وأنا أتعلم كيف أبتلع الكلمة كما تبتلع...
ما بين الشمس والقمر الاستحالة ،هكذا همستُ لي وفي حلمي رأيت الشمس تغطي القمر بشالها ،بعض المستحيل يهزمه الخيال ...
استيقظ وفي خاطري شيء من أمل ،قد يرن الهاتف المعلق في زواية المطبخ واسمع اسمي من بعد طول انتظار ذلك الاسم الذي نقشته على جذع السنديانه ذات خريف ومن يومها وانا افتقد رائحة المطر...
بات يدير في عقله ألف فكرة، تتزاحم الصور في مخيلته لفتيات يتمايلن أنوثة، عيونهن تضج بسحر وإغراء عجز أن يقاومه؛ ينظر مرة إلى صورة وجهه في المرآة وقد دهمه قطار العمر الذي لا ينتظر أحدا؛ في بلاد تعاند الجمال وترسم بإبرة صدئة وجوها وأقنعة مستعارة؛ ترك الزمن بصمة تجاعيده التي لن تمحى؛ أدلة اتهامه...
ها أنت الآن تسير وحيدًا في مدينة لم تعد تعرف ملامحها. الركام يغطي كل شيء، والمباني التي كانت يومًا شاهدة على الحياة أصبحت الآن شواهد للموت. غزة تنهار تحت القصف، وأنت تبحث عن بقايا من الماضي الذي كان يجمعك بأهلك، بطلابك، وبأحلامك التي دفنت تحت الأنقاض.
كنت في المنزل مع عائلتك عندما بدأ القصف...