وأنا جالسة في غرفة الضيوف، تذكرت ما حصل منذ أكثر من خمسة وثلاثين عامًا. لم يكن صعبًا علي تذكر ذلك اليوم الذي تناولت فيه فطوري على عجالة كي أذهب للعب مع ابنة خالتي.
كانت ابنتهم، التي تكبرني بعام واحد، تقاسمني ألعابها وتحكي لي الحكايات الجميلة، حتى أصبحتُ متعلقةً بذلك البيت، وصرتُ أقضي فيه ساعات...
مقدمة
لا يقاس عمر الانسان بعدد السنوات .
بل بعدد القلوب التي تشعر ان شيئا منها قد رحل ( حين يرحل هو ) .
...........................
البداية :-
كل صباح كان يقف عند الرصيف الثالث قبل ان تصل اولى القطارات .
لم يكن يحتاج الى ساعة ليعرف موعدها .
كان يعرف المحطة كما يعرف الانسان صوت قلبه .
يعرف اي...
هناك، على الرصيف المقابل، في مواجهة المؤسسة التي تعمل بها، وقف يراقب المدخل، يحسب الثواني المتبقية بصبر نافد ورغبة قوية في رؤيتها، إثر تدخينه علبة سجائر بعود ثقاب وحيد، بدأ به إشعال السيجارة الأولى؛ ثم راح بعدها يشعل سيجارة من الأخرى.
قال في نفسه وهو يدقق النظر، مركزًا اهتمامه على البوابة...
رنَّ هاتفي صباح العيد...
كان صوت صديقي، الذي يعيش وحيدًا منذ طلاق زوجته، يحمل رجاءً لم أعتده منه.
ـ عايز منك خدمة لوجه الله... أنا مسافر وبره البلد. في بنت غلبانة، أنا بساعدها من وقت للتاني. هي دلوقتي في ورطة وملهاش حد. ممكن تديها ألف جنيه لحد ما أقابلك؟ أنا ادّيتها عنوانك ورقم تليفونك.
لم...
سحقاً للكتابة، وتعساًلكل من يُسمّي نفسه كاتباً. هكذا واجه نفسه، وهو يزفر بعمق، ويمارس مسحاً للكتب التي تحتل حائطاً كاملاً في غرفته، وكأنه كان يقرأها بعناوينها.
لا.لا . علي أن أوقف هذه المهزلة. ماذا قدّمت لي هذه الكتب، وتلك النقود التي استهلكتها، وهذه العلاقات التي تصلني بكثيرين، ممَّن أصبحوا"...
قطع عليه الهاتف متعته، على فراش أشهى زوجاته وأجملهن، أسند جسده على يده اليمنى، ولملم باليسرى شعرها الذي نكشه العنف اللذيذ، قاوم غواية ضرعين دافئين مثخنين بالعسل واللبن. قبّلها.. استأذن منها مُداعبًا، الليل لا يزال أمامهما طويلاً، ولا يستقبل مكالمات في مثل هذا الوقت المتأخر، إلا إذا كان في أمر...
في مدينةٍ لا يزورها الليل إلا لماماً، كانت نهى تعيش في شقة واسعة، جدرانها مغطاة بالكامل بستائر مخملية ثقيلة. لم تكن تخشى الضوء، بل كانت تخشى ما قد يكشفه الضوء من فراغات. بدأ الأمر حين غادر "هو". لم يغادر بجلبة، بل انسحب كحبرٍ جفّ فجأة من قلم. حينذاك ، اتخذت نهى قراراً غريباً: لن تسمّي الأشياء...
كان يقود كوسترا على خط الشورجة – الحي، استقرت سيارته في أول الخط. يرفع أبو چوقي رأسه ويفرد ذراعيه للمقود يشعل المحرك ويترك الباب الأمامي مفتوحا. يبدأ الناس بالتقاطر موظفون، عمّال وحماميل ونساء يحملن أكياسا. كل نفر يصعد وهو يرمي التحية نفسها
ـ ها أبو چوقي
فيرد من طرف أنفه:
ـ اصعدوا
ـ صباح الخير
ـ...
قال لي بائع التذاكر:
- أتذكر أني رأيتكَ البارحة هنا، أليس كذلك؟
- نعم، لقد وصلتُ المحطة متأخرًا، فاضطررت لتأجيل الرحلة.
قاطعني مندهشًا:
- ألم تسمع نشرة الأخبار؟ ألم تقرأ الصّحف؟!
نفيتُ بهزةٍ من رأسي، لكن لم يمهلني طويلًا، إذ قال وكأنه يسردُ فيلمًا سينمائيًا:
- ليلة البارحة، بعد ساعة من موعد...
منذ السابع من أكتوبر، لم تعد الأشياء تُقاس بأثمانها، بل بأعمارها الإضافية.
في الأيام العادية كان الناس يشترون ويستبدلون ويرمون ما يشاؤون دون أن يلتفتوا وراءهم. أما في زمن الحرب، فقد اكتشفوا أن لكل شيء حياة أخرى؛ بل حياتين وثلاثًا وعشرًا أحيانًا.
لم يعد السؤال في غزة: ماذا سنأكل اليوم؟
بل أصبح...
في مساءٍ بارد، كان الرجل يجلس وحيدًا قرب نافذته، يراقب المطر وهو يرسم على الزجاج خطوطًا تشبه خرائط العمر. لم يكن البرد في الخارج هو ما يؤلمه، بل ذلك الفراغ الذي استقر في قلبه منذ سنوات. ظن طويلًا أن الدفء شيء يمكن شراؤه، أو مكانًا يمكن الوصول إليه، أو أشخاصًا جددًا يعوضون من رحلوا. لذلك ظل يركض...
بعد خطوبة سمير لصباح بفترة قصيرة وأثناء دردشته معها قال لها فجأة : ما هو رأيك الذي كونتيه عن شخصي فقالت مباشرة وكأنها مذيعة نشرة أخبار: أنت ابن حلال و مؤدب ومن أسرة طيبة، فلم يبدي سمير: سعادة لإجابة صباح الروتينية المجاملة التي عادة ما تقال في مثل الظروف وخاصة أنه لم يقف على حقيقة شخصية...
يخيل إلي أن شيئا من التوفيق قد حالفني، حتى وإن جاء لقائي الأول والمدير باهتا، لا يرتقي لما تعلَّقت به نفسي من آمال الأمس، تلك التي زيّفها لي صاحبي عن طبيعة الرجل والمكان، بدى الرجل في نوبِة برودٍ حالم، يغتصب من بين شفتيه ابتسامة يتيمة، يدور بكرسيه الكبير نصف دورة، قد تَعلّقت عيناه بسقفِ الغُرفة...
في الثّالثة صباحًا بعد إنهاء وردّيتها اللَّيليَّة، تصل إلى محطّة الرّمل، حيث يقع منزلها في شارعٍ جانبيّ، وجدته خاليًا تمامًا من المارّة، ووجدت محلاته مغلّقة الأبواب بعد أن فضَّل أصحابها منذ أن انتصف اللّيل اللُّجوء إلى المنازل، حتَّى يتقوا برد يناير القارس والأمطار التي ما تكاد تنقطع حتَّى...
في ذلك اليوم الذي تشابه مع كل الايام الباهتة عاد سليمان إلى بيته و قدماه الثقيلتان تصعدان سلم الدرج و كأنهما تسحبان عالما بأسره من المتاعب ورائهما .
يفتح الباب بتلك الحركة الألية المتعبة التي كانت تقول لمن في الداخل ( ها قد عدت) فليبدأ الطقس اليومي للتذمر والشكوى .
كانت عفاف تستقبل عودته...