ظافر الجبيري - فقاعة...

أواخر النهار, أربعاءٌ متحرر من ثلاثاء طويل... كان الأولاد متحلقين حوله, يلعبون وتعلو الأصوات, رفضتْ أصواتهُم قبولَ القمع المتواصل لسبب يسير يعود إلى ما أسماه الأب نفسه: الديمقراطية غير المعقدة التي اعتادها معهم. رفع صوته ليعلو على صوت التلفاز, الذي يبث أخبارًا متواصلة منذ الضحى, وها هي ساعة القيلولة تمتلئ ضجيجًا وأخبارًًا, وصاح بهم:
- دعوني أسمع الأخبار!
أية أخبار هذه! خبرٌ واحد مفرد اجتمع له الآلاف عبر شوارع الصورة... يراهم يشاهدون الفعل المنفلت, يصنعون الحدث المنظم ليكونوا جزءًا منه حركيًّا أو حتى صُوريًًّا.
كانت طفلته تلعب وتنظر نحوه قليلا, تلعب.. وتلعب ضمن جوقة الإزعاج المزخرف حوله بعناية. تصغي بعينيها حينًا, يباغته سؤالها: أبويه ليش يرمونه! ما عاد يبغونه؟ واللعبة في يدها, تنظر إليه.. يداه مشدودتان إلى فكيه بقبضتيهما المتقابلتين باستسلام, أقدامٌ طليقةٌ تركض بانتشاء, أيدٍ تلوّح في الهواء, تقذف بكل ما تجد مصوبة نحو رأس البطل.. الصغيرة مشغولة: يدٌ تمسك الكأس والرغوة تعلو منه, اليدُ الأخرى تُدخِل ملعقةَ النفخ ذات الحلقة الدائرية تغطس ملعقتها نزولا, وتعلو الصرخات عبر الجهاز الأسود, وصوت يعلو: "الصورة مفبركة! غير بريئة...."
اقتربت آلة ذات قرنين, امتدت وتطاولت إلى الأمام والأعلى مهيبة ومصممة في آن، اقترب قرنا الاستشعار في تؤدة من البطل، لم يعد بإمكانه الهروب الذي سيهربه دونما شك.
واستقامت اللعبة للطفلة، صارتْ تُخرج الملعقة بثقة أكبر كمن يرفع علمًا على سارية منتشيًا, تطاير صابونُ الصغيرة على وجه الأب, صاح بها، فهوى البرونز, وصرخ: ابتعدوا!
انحبست الأنفاس، بينما نَفَسُ الصغيرة يواصل إزالة جفاء الجوِّ برطوبة البهجة المتقافزة من عيون المكان. نهض بعد تردّد, ركل يمنة ويسرة, داس بكلتا قدميه الفقاعاتِ المتلاحقةَ من فم الصغيرة.. يركل هنا وهنا, وملأت المكانَ فقاعةٌ سوداءُ كبيرة،عاجلتْها الأقدام، داستها بتلّذذ،ركلتها الأرجلُ بانتشاء وعلت الأصوات فرحة عبر الصورة، وارتسم حزنٌ بهيج على وجه صغيرة تداخلت لعبتُها مع لعبةٍ بعيدة .. لعبةٍ لم تدم سوى بضع وعشرين سنة . _______________________________________________________________________________________


*من مجموعة الهروب الأبيض. 2008م الناشر ( المشترك) المركز الثقافي العربي_ نادي الرياض الأدبي. *مرت 23 سنة منذ دخول الاحتلال الأمريكي إلى العراق( بغداد تحديدًا) النصُّ كُتب في ذلك اليوم، وعلى الرغم من مرور كلّ هذه الأعوام،إلا أن المشهد ما زال راسخًا في الذاكرة،والأدهى من ذلك، أن العراق يعاني حتى اليوم من تبعات الحدث المشؤوم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى