بهدوء، عبر ثقب في زجاج النافذة القديمة، يتسلَّلُ الضَّوء برقَّة إلى سرير الرجل النحيل الحاج سلمان.
يتحرَّك الحاج سلمان بمشقَّة في فراشه، ثمَّ يجلس متغضّن الجبين، يحملق في الظَّلام بعينين شاردتين، بعد ليلة سُهاد في صُحبة المرض اللعين.
كان شديد الحرص منذ طفولته على مشاهدة الشمس وهي تستيقظ من نومها عند كلِّ صباح، أمَّا اليوم فليس إلا الظَّلام، تمتلئ به جوانب الغرفة المُحكمة النوافذ، المُسْدَلة السَّتائر، المُشبَّع فضاَؤها بروائح الدَّواء، وآهات الألم.
يسمع خطوات أحد البحَّارة، عائدًا من تفقُّد «حضرته»، ها هو يطرق زجاج النافذة بهدوء، راغبًا في الاطمئنان على صحَّته. يعتصم بالصمت، يمضي الرجل، ويبقى هو يكابد عذابه اليومي.
إنَّ الأعْمار بيد الله تعالى، غير أنَّ كلام الطَّبيب ينذر باقتراب الأجل، والحقيقة أنَّه ضَاق ذرعًا بهذه الحياة، وودَّ لو يرتاح من هذه الأوجاع الجسدية والنفسية معًا.
كان البدن مفتول العضَلات، والرغبة شديدة في التمتُّع بما أحلَّ الله، لكنَّ الأحوال تغيَّرت، والأمر المؤكَّد الآن أنَّ حياته تتلاشى، كما تذوب قطعة «الكماج» في شاي «الكرك» الذي يحبُّه.
ينفتح الباب إثر طرق خفيف، يبرز منه وجه حسين، بثوبه الأبيض وسحنته السمراء.
يبتسم الحاج سلمان بسرور: أهلاً بك يا ولدي؟ يبادله حسين الابتسام: استيقظت باكِرًا. يقول في ضيق: وهل نمت أساسًا؟ هذه الأدوية تعذِّبني يا ولدي.
ينتشر الضوء في الغرفة حين يضغط حسين على زر المصباح. ليس في الغرفة إلا زوليَّة متهرِّئة، ومكيَّف يغطِّيه الغبار وثلاجة صغيرة، فيما ينزوي كرسي متحرِّك في الركن.
يقول حسين وهو يناوله حبَّة الدواء وكأس الماء: رغم ذلك لا بديل لها، وإلا تراجَعتْ صحّتك أكثر. يتناول الحبَّة منه، يبتلعها بمرارة ويشرب على إثرها الماء، ثم يضطجع.
حسين هذا الشاب طيب القلب، رفيقه منذ عشر سنوات، عرفه مذ كان طفلاً في الثامنة من عمره، يقضي ساعات من يومه في صحبته وهو يعمل على صنع «قراقير» صيد السمك، مُحاولاً تعلُّم الصّنعة، أو مبتاعًا له ما يحتاجه من البقَّالة.
يقول في امتنان ظِاهر: أودُّ مشَاهدة البحر يا بني. يسَاعده على الجلوس فوق الكرسي المتحرِّك، ويسوقه للخارج. يصلان إلى الشاطئ، تنطلق أساريره حين يشمّ رائحة البحر المنعشة، ويشاهد القوارب تتهادى على الشاطئ الجميل.
منحَه البحر كلَّ شيء بفضل الله تعالى، المعاش والبيت والصحة والزوجة الطيبة الحنون - تغمَّدها الله بواسع رحمته -، وإذا كان قد عجز عن منحه الولد، فقد عوَّضه بهذا الشاب الحنون، الذي يرعاه وكأنَّه أبوه. وحسنًا فعل، حين احتفظ ببيته هذا، رغم إغراء سماسرة العقارات، فإذا جاء الأجل، فسيموت قرب البحر، في مكان أثير لديه، لم يفارقه لحظة من عمره.
تمت
يتحرَّك الحاج سلمان بمشقَّة في فراشه، ثمَّ يجلس متغضّن الجبين، يحملق في الظَّلام بعينين شاردتين، بعد ليلة سُهاد في صُحبة المرض اللعين.
كان شديد الحرص منذ طفولته على مشاهدة الشمس وهي تستيقظ من نومها عند كلِّ صباح، أمَّا اليوم فليس إلا الظَّلام، تمتلئ به جوانب الغرفة المُحكمة النوافذ، المُسْدَلة السَّتائر، المُشبَّع فضاَؤها بروائح الدَّواء، وآهات الألم.
يسمع خطوات أحد البحَّارة، عائدًا من تفقُّد «حضرته»، ها هو يطرق زجاج النافذة بهدوء، راغبًا في الاطمئنان على صحَّته. يعتصم بالصمت، يمضي الرجل، ويبقى هو يكابد عذابه اليومي.
إنَّ الأعْمار بيد الله تعالى، غير أنَّ كلام الطَّبيب ينذر باقتراب الأجل، والحقيقة أنَّه ضَاق ذرعًا بهذه الحياة، وودَّ لو يرتاح من هذه الأوجاع الجسدية والنفسية معًا.
كان البدن مفتول العضَلات، والرغبة شديدة في التمتُّع بما أحلَّ الله، لكنَّ الأحوال تغيَّرت، والأمر المؤكَّد الآن أنَّ حياته تتلاشى، كما تذوب قطعة «الكماج» في شاي «الكرك» الذي يحبُّه.
ينفتح الباب إثر طرق خفيف، يبرز منه وجه حسين، بثوبه الأبيض وسحنته السمراء.
يبتسم الحاج سلمان بسرور: أهلاً بك يا ولدي؟ يبادله حسين الابتسام: استيقظت باكِرًا. يقول في ضيق: وهل نمت أساسًا؟ هذه الأدوية تعذِّبني يا ولدي.
ينتشر الضوء في الغرفة حين يضغط حسين على زر المصباح. ليس في الغرفة إلا زوليَّة متهرِّئة، ومكيَّف يغطِّيه الغبار وثلاجة صغيرة، فيما ينزوي كرسي متحرِّك في الركن.
يقول حسين وهو يناوله حبَّة الدواء وكأس الماء: رغم ذلك لا بديل لها، وإلا تراجَعتْ صحّتك أكثر. يتناول الحبَّة منه، يبتلعها بمرارة ويشرب على إثرها الماء، ثم يضطجع.
حسين هذا الشاب طيب القلب، رفيقه منذ عشر سنوات، عرفه مذ كان طفلاً في الثامنة من عمره، يقضي ساعات من يومه في صحبته وهو يعمل على صنع «قراقير» صيد السمك، مُحاولاً تعلُّم الصّنعة، أو مبتاعًا له ما يحتاجه من البقَّالة.
يقول في امتنان ظِاهر: أودُّ مشَاهدة البحر يا بني. يسَاعده على الجلوس فوق الكرسي المتحرِّك، ويسوقه للخارج. يصلان إلى الشاطئ، تنطلق أساريره حين يشمّ رائحة البحر المنعشة، ويشاهد القوارب تتهادى على الشاطئ الجميل.
منحَه البحر كلَّ شيء بفضل الله تعالى، المعاش والبيت والصحة والزوجة الطيبة الحنون - تغمَّدها الله بواسع رحمته -، وإذا كان قد عجز عن منحه الولد، فقد عوَّضه بهذا الشاب الحنون، الذي يرعاه وكأنَّه أبوه. وحسنًا فعل، حين احتفظ ببيته هذا، رغم إغراء سماسرة العقارات، فإذا جاء الأجل، فسيموت قرب البحر، في مكان أثير لديه، لم يفارقه لحظة من عمره.
تمت