شريف محيي الدين إبراهيم - الشيء...

حين دخل، كانت الساعة تقترب من منتصف الليل. الكتب القديمة تملأ المكان، والأرضية الخشبية تئن تحت خطواته، كأنها تحفظ ذاكرة من مرّوا قبله. رائحة الغبار ثقيلة، كأنها بقايا كلمات ماتت.

على الطاولة آلة كتابة عتيقة، وأوراق متراكمة، وأقلام جف حبرها منذ زمن.
جلس، وقلبه ينبض بعنف.
رفع الغطاء عن آلة الكتابة وبدأ يتصفح الأوراق.
كل كلمة كانت تمنحه إحساساً غريباً.

توقفت عيناه عند فقرة تقول: "لا تبحث عني هنا… أنا حيث لا يراك أحد... كل ما تراه انعكاس لما بداخلك."
ارتجف... الكلمات لم تكن ثابتة، بل كانت تنزلق ببطء، كأن الورق يتحدث.
سمع صوتا خافتا : "هل أنت مستعد؟"
التفت في ريبة ، فلم يجد أحداً!!

اقترب من طاولة أخرى، وجد دفترًا صغيرًا مغلقًا، فتحه بحذر، ووجد أرقاما ورموزا غريبة،
لكن بين السطور كانت هناك جمل قصيرة وواضحة، موجهة له وحده: "ستجد نفسك في كل كلمة… وستعرف أن السر ليس في الكتابة، بل في من يقرأ."

جلس وقد انتابته رعشة خفيفة ، لمس الأوراق بأصابعه، فتراجع قليلاً، كان الورق ساخناً.
عاد الصوت، هذه المرة من كل الاتجاهات: "كل جملة تأخذ منك شيئاً."

أخذ القلم...
بدأ يكتب....
كان شيئاً يتكوّن، ظل أولاً، ثم ثقل في الهواء، ثم حضور.
الشيء لم يُر بالكامل، لكنه كان موجود . ومع كل كلمة يكتبها كان يشعر أن شيئاً منه يُنقل ولا يعود.
توقف فجأة، نظر إلى الورقة الأخيرة، الحروف سكنت، لكن الإحساس لم يتوقف.
شعر بفراغ مفاجئ في رأسه.
قال في جزع : "اسمي…"
حاول أن يتذكر اسمه،ولكنه فشل.
صرخ : "ماذا أخذتم مني؟"
جاءه الصوت: "أول مرة أخذنا اسمك... هذه المرة ستعطينا ما تبقى.
"تساءل في دهشة : "وماذا قد تبقى؟"
جاءه الرد: "ما تظنه أنت

***

خرج إلى الشارع... يتحرك بصعوبة...
كان جسده ثقيلا، كأن شيئاً بداخله يُعاد ترتيبه.
اقترب منه رجل، تطلع إليه، وكأنه يحاول أن يتذكره ، نظر إليه ببطء، ولم يتكلم
، جاء آخر ثم آخر، كلهم كانوا يصمتون.
، نظر إلى وجوه الناس ، أدرك أن الحقيقة لم تُكتب كاملة.

وأنت، نعم أنت...
حين وصلت إلى هنا، وتوقفت لحظة وأعدت قراءة جملة ما دون أن تعرف لماذا!!
فاعرف أنك لم تكن تقرأ....
أنت كنت تكمل، والشيء لم يعد بحاجة إليه ، بل إليك أنت.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى