لم يبق في هذا المقهى شيء مما كان فيه قبل ثلاثين سنة. كل شيء تغيّر، الجدران واللوحات الجدارية، والكراسي والطاولات ومذاق القهوة والروّاد، والزوار العابرون تغيروا هم أيضا. كانوا قبل ثلاثين سنة عابرين متأنقين واليوم صاروا متسولين. لم يبق من علامات المقهى القديمة شيء، حتى الإسم ما عاد هو، ذهب الاسم العربي القديم وحل محله اسم أنكليزي بحروف عربية. لم يبق شيء إلا النادل، لقد ظل كما هو بهيئته القديمة، وشعره الأسود الفاحم وضحكته العالية. ناديته بكنيته القديمة فلم ينتبه. ألم يسمع ندائي؟ أم أسقط عنه كنيته؟ لابد أنه بات مشهورا بكنية أخرى تواكب هذه التحولات. كان يطوف بين الطاولات العريضة الفاخرة وبين يديه صينية فضية لمّاعة فناجينها بيضاء مفلطحة ولا رائحة تفوح منها كما كانت تفوح من قبل. رحّب بي بكلمات ليست كلماته فلم أجبه. ظللت أنظر إليه وفي عينيّ الف سؤال. ثم قلت: كيف أنت يا كسيلة؟ رأيته يرتبك ورايت الصينية الفضية تميل بين يديه حتى كادت تقع. لابد أنه أسقط عنه تلك الكنية القديمة او أنها غابت عن أذنيه من زمان وها هو يهتز لسماعها بعد ثلاثين سنة. قلت: ألست أنت كسيلة؟ قال؛ بلى، ولكن كيف عرفت أنني كسيلة وانا لم ارك في حياتي. هذا اسم عتيق محته الأيام فلا ذكر له. قلت: ألم تعرفني؟ قال: والله ما عرفتك يا رجل، فمن تكون؟ قلت: أنا فلان وكان رواد هذا المقهى يسمونني الشاعر . هل تذكرت؟ رأيته يضع الصينية الفضية بما فيها على الطاولة ويضرب رأسه بكفيه وهو يقول: لقد تغيرت يا رجل. ما كان االشاعر على هذه الصورة ابدا. كان رجلا آخر. ومضى يذكرني بأوصافه لكنني قاطعته قائلا: دع عنك صورته القديمة وانظر في هذه الصورة التي تراها لعلك تجد فيها شيئا مما كان من قبل. لم يفعل، ومضى يذكرني بصفاتي. قال: كان الشاعر ضحوكا بشوشا، وكان يدخل المقهى بحقيبته فيجلس في ذلك الركن، وأشار بيده حيث يجلس فتيان وفتيات، وكان لا يرفع فنجان قهوته إلى شفتيه حتى يروي لرواد المقهى كلهم قصة من أقاصيص أبيه أو يقرأ لهم فقرة من كتاب أو قصيدة من ديوان. أما أنت فها أنا أراك تترك ذلك الركن بلا كتاب على الطاولة. كنت أنصت إليه وأنا أحاول أن أسترجع بعضا من صورتي القديمة فلم أعثر على شيء مما يقول. أحقا كنت في عينيه كما يقول؟ وأين ذهبت تلك الملامح يا ترى. لا أذكر أنني كنت كما يقول. كيف سقطت صورتي من ذاكرتي. هذا كسيلة يحدثني عني كأنه يحدث رجلا آخر غيري. لابد أنه يختلق الصورة اختلاقا. كيف يذكر صورتي بهذه التفاصيل وهو الذي نسي أنه كسيلة؟ وانا؟ كيف تذكرت انه كان يسمّى كسيلة ولم أتذكر شيئا من صورتي التي يحدثني عنها. هذا جنون لا يطاق. لابد أن واحدا منا قد فقد عقله وأصابه الخرف. أسئلة دوختني و أنستني كسيلة والصينية الفضية وفناجين القهوة، ولم انتبه من تيهي حتى سمعت صوتا يغني:
سلاف دن، كشمس دجن. كدمع جفن، كخمر عدن
طبيخ شمس، كلون ورس، ربيب فرس، حليف سجن
فأدركت وقتها أني رحلت مع الراحلين إلى زمان الأولين
سلاف دن، كشمس دجن. كدمع جفن، كخمر عدن
طبيخ شمس، كلون ورس، ربيب فرس، حليف سجن
فأدركت وقتها أني رحلت مع الراحلين إلى زمان الأولين