أحمد عبدالله إسماعيل - المهر...

جلست "سوزي" في غرفة المعيشة، تراقب عقارب الساعة وهي تخنق الوقت ببرود. الليلة يطرق بابها "طارق"، الخاطب الذي يرى فيها "المرأة الهادئة التي مرت بتجربة لم تكتمل". في جيب فستانها، طوت وثيقة طلاقها، ورقة رسمية تخفي خلف حبرها قصة لم تُحك قط.
بدأت الموسيقى التصويرية في رأسها تزداد حدة. تذكرت مطلّقها؛ ذلك الرجل الذي لم يهدأ باله حتى امتلك السيارة لكنه فشل في الوصول بها إلى أي وجهة. تذكرت "ميثاق الصمت" الذي عقداه خلف الأبواب الموصدة. لقد وهبها الذهب والأثاث مقابل أن تمنحه هي "السمعة". هي الآن في نظر المجتمع "ثيب"، وفي الحقيقة "بكر".
دخلت الأم الغرفة، وضعت يدها على كتف ابنتها وهمست:
- سيصلون بعد ساعة. هل نخبره؟ أم نترك المأذون يفاجئه؟
هنا بدأت الأمور تتعقد؛ تدرك سوزي أن الصمت الآن ليس سترًا، بل هو "تزييف" قد يهدم بيتها القادم. إذا وافقت على مهر "المطلقة" وهي بكر، فقد خانت نفسها. وإذا كشفت السر، فقد خانت عهدًا قديمًا.
طُرق الباب. دخل طارق وأهله. بدأت المجاملات المعتادة، لكن الحديث انزلق سريعًا نحو "الترتيبات". قال والد طارق بنبرة عملية:
- يا حاج، نحن نعز سوزي، لكنكم تعرفون الظروف؛ ولأنها قد سبق لها الزواج، فنحن نفكر في مؤخر بسيط و...
شعرت سوزي ببرودة تسري في أطرافها. نظرت إلى طارق، بدا طيبًا، لكنه نظر إليها بنظرة "الشفقة" التي يمنحها الرجال للمطلقات. هنا، قررت أن تزيل البخار عن المرآة.
طلبت سوزي الحديث مع طارق منفردًا. في الشرفة، حيث كان ضجيج الشارع يغطي على همس القلوب، قالت له:
- طارق، جئتَ لتطلب يد امرأة تعرف نصف قصتها. لكن النصف الآخر هو الذي سيحدد إن كنا سنبدأ بصدق أم بوهم. لستُ المرأة التي يظنها أهلك، ولست المطلقة التي يتفاوضون على قيمتها.
حبس طارق أنفاسه، ظنها ستعترف بذنب، لكنها تابعت بلغة واثقة:
- خرجت من بيتي الأول كما دخلته. لم أبع سري لأهلي، ولن أبيعه لك مقابل مهر أعلى، بل أخبرك به لتعرف أنني صنت من لم يستحق الصون، فكيف سأصون من يستحقه؟
تجمدت نظرات طارق على أضواء الشارع البعيدة، وبدت أصابعه وهي تضغط على سور الشرفة الحديدي وكأنها تحاول التمسك بالواقع الذي اهتز فجأة. لم ينظر إليها، بل إلى الصورة التي رسمها لها في خياله وهي تتشقق لتظهر مكانها امرأة لم يحسب حساب قوتها.
ساد صمت طويل، أطول من ليل زفافها الأول. نظر طارق إلى عينيها، لم يرَ "مطلقة" ولا "بكرًا"، رأى "إنسانًا" يتجلى في أسمى صور الأمانة. عاد إلى الصالون، وبدلاً من أن يكمل التفاوض على المهر، أغلق باب النقاش وقال لوالده بلهجة حاسمة:
- يا أبي، سوزي لا تُقدر بما مضى، بل بما هي عليه الآن. اكتبوا ما تطلبه، فالحقيقة التي عرفتها اليوم أغلى من كل الذهب.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى