قصة قصيرة

في الحافلة التي تقله من شرق المدينة جاءته الفكرة. نظر إلى يمينه فوجد المقبرة الشرقية على ما هي عليه. قبور فوق قبور، فيم الأحياء على يساره يتسابقون لامتلاك هذه الفانية التي هي ليست سوى دنية، ولكنها تدفعهم إلى تكرار قول عمر: أعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً. وكلهم يعملون لدنياهم كأنهم سيعيشون إلى الأبد...
وصل شوقي لمكان تواجد صديقه حمدي بصعوبة شديدة وكاد سقوطه ان يكون وشيكا قبل جلوسه بجواره بعد مجهود كبير بذله في مسافة العشرة أمتار التي تفصل بين حمدي و سيارة شوقي التي توقفت به ملاصقة تماماً لدرجات الكافتيريا الثلاث ،وبعد تناول شوقي ساقع وشاي معقبا عليهما بقهوة سأله حمدي: ما الأمر الهام الذي...
جلست مع أذان الفجر، وسكون المدينة يعانق أطرافها. فتحت النافذة المُشرعة على منارة الجامع القريب، تنصت لآيات المؤذن تتسلّل مع خيوط الضوء الأولى كنقاء الوعد. رفعت رأسها نحو السماء، تحدّث النجوم كما اعتادت كل فجر، كأنها تبحث عن يقين ضائع بين مجرّات الغياب. تمتمت بصوت يكاد يبتلعه الصمت: ـ لماذا طلب...
الأستاذة في انتظارك منذ نصف ساعة… دخلتُ مكتبي مترددًا… لا أعرف لماذا شعرت، وأنا أمسك مقبض الباب، أنني أفتح غرفة قديمة في نفسي، لا باب مكتبي الخاص. كانت تقف أمام النافذة الزجاجية العريضة، ظهرها نحوي، تتأمل شاطئ بحر الإسكندرية الغارق في ضوء الغروب. وحين التفتت… داهمتني المفاجأة. شهقت: — معقول…...
كنتُ صغيراً حين لمحتُ الحاج محمود في حيّنا... رجلٌ نحيفٌ أنيقٌ، يعتمر سِدارةً فيصلية، ويمشي بخفَّةِ مَن يعرفُ أنَّ الدُّنيا لا تستحقُّ كثيراً من الضَّجيج. كانَ منزِلُهُ قُبالةَ منزِلِنا، وكانَ حضورُهُ هادئاً حتى أنَّ المرءَ يكاد لا ينتبه إليه، لولا تلكَ النَّظرةُ الطَّويلةُ التي كانَ يرمقُ بها...
#بعد شهور طويلة من التلصص العاطفي الصامت، من مراقبتها عن بُعد كما يراقب الفقير واجهة محل فاخر يعرف مسبقا أنه لن يشتري منه شيئا، وقفتُ أمامها أخيرا. كنت أراها كل صباح تقريبا تعبر ممرات الحي الجامعي بخطوات هادئة، تحمل كتبها إلى صدرها كأنها تحتمي بها من العالم. لم تكن الأجمل في الكلية، ولا الأكثر...
هكذا ينعتونه في القرية.. أحد الجيران القادمين من وراء البحار أهداه هاتفا ذكيا مستعملا.. تعلم بسرعة كيف يسبح في العالم الأزرق.. اختفى حمو يومين بالتمام والكمال.. لم يفعلها من قبل.. كان يختفي يوما أو نصف يوم، ثم يظهر مثل ثعلب زفزاف، لكن من غير ذيل.. خشيت أمه أن يكون قد حصل له مكروه.. في كل مرة...
يُعد دور "الشيخ سلام" في مسلسل "شيخ العرب همام" (2010) - من وجهة نظري - علامة فارقة في مسيرة الفنان مدحت تيخا، والكثير من النقاد والجمهور يصفونه بأنه "ماستر بيس" تاريخه الفني. فما الذي جعل هذا الدور الأروع في مسيرته؟ الخروج من نمط الكوميديا؛ فقبل هذا الدور، كان يُحصر مدحت تيخا في أدوار الشاب...
توقفت أمام العمارة الشاهقة؛ ظللت أتطلع لها في صمت، أستجمع أفكاري، أسترد ذكريات قديمة عن مُضيّفي، من قبيل الاطمئنان الظاهري، قلت: نعم.. العنوان مضبوط، كما هو مكتوب: .. الشارع. رقم العمارة. العلامات الإرشادية من" محل عصير القصب. المقهى الصغير البلدي الذي تفوح منه رائحة المعسّل العطنة بكثافة. محل...
استقالة عم عبده قصة قصيرة: أحمد رجب شلتوت كلنا نعرف عن "عم عبده" صراحته وشجاعته في قول الحق، ونقول أن الله أكرمه بنفس لوامة، فإن أدرك خطأه يعترف به، ويعتذر عنه، ويجاهد نفسه حتى لا يعود إليه، لكن عيبه، والطبيعي ألا يخلو أحدنا من العيوب، أنه أحيانا يترك نفسه لسورة الغضب فيبدو _ كما رأيناه...
واصلت ذلك الصباح عادتي اليومية في فترة إجازة الصيف. ذهبت إلى مكان بيع القهوة، ونقدْت البائعة ثمن الفنجان وأخذت أحتسي القهوة ببطء مصغياً إلى حديث الزبائن السريع سرعة تناول القهوة في مكان ليس فيه كرسي واحد، مكان يتناول فيه الزبائن مشروباتهم واقفين داخل المكان أو خارجه، ليوفروا، لذلك، ماركاً ونصف...
ــ لقد سئمتُ الحياة ومتاعبها. كانت هذه كلماته الأخيرة، تتساقط كأوراق الخريف، وتتلاشى أنفاسه في العدم. ومن بين تلك الأنفاس الأخيرة، انفتح داخله يقينٌ متذبذب أن وجوده في الحياة لم يكن باختياره، ومن هذا اليقين المرهق تراءت له ضوضاء أصوات مبهمة، ورسائل غير مفهومة، وأنه كان يكبح جماح نفسه الهشة بسبب...
سألني صديقي، الذي لا يُقابل في غرفتي أحدًا غيري: – ما الذي فعلته في الأيام الماضية حينما غبتُ عنك؟ أجبته: – كالعادة، مرّت الأيام بشكل روتيني، لكن الغريب هذه المرة أنني ما إن أضع رأسي على الوسادة، حتى تتزاحم الأحلام عندي! صديقي هذا لا يفكّر في مقاطعتي أبدًا، اكتفى بهزّ رأسه مشجّعًا لي على متابعة...
بعدت عن الكتابة منذ فترة، شغلت كثيرا برتق ثيابي، لم تعد في خزانتي غير التي تهرأت وسرح فيها الزمن، مضت رغبتي في الألوان الزاهية تلبسها أنثى جميلة، ثوبها من قطن مشجر مطرز بالورد. أسترجع الصور الجميلة لتلك الفتاة. خدها يحمر حين يعابثها الديك الرومي يصيح وراءها يكاد يفتك بها تغيظه الثياب الحمراء...
كانت الأرض الممتدّة إلى مرمى البصر، جرداء يابسة، كريهة المنظر، لم ينبت فيها شيء، اللهم إلّا أعشابٌ يابسةٌ تفرَّقت هنا وهناك، تكرَّمت بها يد الطبيعة على استحياء، فزادت الصورةَ وحشة وقتامة. وكانت المرأة المُلتاعة، تقف في الخارج قرب الباب القديم المتهالك، تنظر بوله إلى الطريق، وقد تساقطت أدمعُها،...
أعلى