قصة قصيرة

في وحدته التي اختارها طواعيةً، تذكَّر صورة كاتب قديم، كان كلَّما يدخل لحظة تأمل في الوجود، كما سمّاها بنفسه، يترنّم بالأغنية التي اعتبرها أسلافه،الأغنيةَ الوحيدة الموجودة في الكون، حيث لا تقتصر على البشر وحدهم، فلا يعود يشعر بالوحدة البتة . استعذب تلك الحالة، وهو يحاول أن يعيشها من الداخل . حين...
كانت منطقة السوق وسط مخيم النصيرات قد تغيّرت كثيرًا بعد السابع من أكتوبر. البسطات تمددت كأنها نبتت من الأرض فجأة، والدكاكين الصغيرة صارت تبيع كل شيء؛ من الخبز إلى شواحن الهواتف، ومن البطاطا إلى أكياس الفحم.. فيما دخان الملوخية يملأ المكان. وبالقرب من مسجد الفاروق، بجوار الهايبر مول الشهير الذي...
استهواه الطيران كثيراً، فاستسهل التحليق عالياً، وهو واقف على أعلى ذروة جبل معمَّم بالضباب.. رمى بنفسه في الفراغ الهائل تحت وطأة نشوة استباقية. أدرك سريعاً أن ثمة هاوية سحيقة تنتظره . *** قال الولد لأبيه: لقد أصبحتُبالغاً وراشداً وقد نبت شعر ذقني ولحيتي، وآن أوان زواجي. ابتسم الأب، ومع...
لم يكن يمر يومٌ في منزلنا دون عقد ما يشبه المجلس العرفي الذي تديره أمي الحاجة "غالية" التي تجلس وسط سيدات القرية في هيبة ووقار، تعطيهن النصائح بعقل وحكمة في أدق تفاصيل حياتهن، ثم يقبلن يدها وينصرفن بعد التعهد بتنفيذ التعليمات بحذافيرها. ونادراً ما تغادر أي سيدة الدوار دون "أخذ الواجب" سواء كان...
يقضي أكثر وقته علي المقهى في المناقشات مع اغلب روادها ،هو في الحقيقة إذا شئنا الدقة لا يناقش لسبب بسيط وهو أنه لا يستطيع أحد حتى وإن كان خطيب مفوه أو يتمتع بسلاطة لسان، أن يتحدث في وجوده ليس؛ لسعة علمه وقوة منطقه، فهو يعتقد أنه يتحدث ويناقش، ولكنه يخطب ويلوح بيديه وكأنه زعيم بصدد بناء أمة...
الباب موارب. دفعه الأب برفق، ثم توقف عند العتبة. جال ببصره في الغرفة؛ ملابس متناثرة فوق الأرض، كتب مبعثرة بين السرير والمكتب، درج نصف مفتوح، كوب على حافته بقايا عصير جفّت، والغطاء ملتف، مهزومًا في معركة مع النوم. تنهد طويلًا وقال: ما هذه الفوضى التي تعيش فيها؟ رفع الابن رأسه عن هاتفه، ألقى نظرة...
جاء إبريل، وولّى الشتاء، وقلتُ: سأنام هادئ البال. احتسيتُ آخر كأس شايٍ مُرّ، وفرشتُ فرشتي الممنوحة، والتحفتُ بالبطانية الخشنة. وكان الجوُّ رائقًا، والسماءُ تلوّنت بزرقةٍ مدهشةٍ لم تشبها شائبة، فيها جلس القمر متفاخرًا، لا ينافسه في مُلكه العالي ملك. وكان مرصدي ثقبٌ في الخيمة جاور جبهتي؛ منه أختلس...
حين أفتح باب بيت أبي، أشعر أن الزمن لم يغادره. إبريق القهوة النحاسي ما زال في مكانه، وستارة النافذة تتحرك مع الهواء كما كانت أيام أمي. حتى رائحة الهيل، كلما دخلت، تخيلت أنها ستخرج من المطبخ وتمسح يديها بمئزرها وتقول: ـ تأخرتِ يا سارة. لكن البيت لم يعد بيتًا، وأمي لم تعد هنا. بعد وفاة أبي، كنا...
كان اهتمامي، ولا يزال، بالغباء في صدارة هواياتي قراءةً وكتابة كذلك.ففي الغباء، في الكثير مما قرأتُ، تبيّن لي أن هناك من يتَّصفون وحيث عشتُ وأعيش، بدرجة عالية من الذكاء والفطنة. وعليَّ أن أصحح حقيقة ذات صلة بالغباء، كامنة في النظرة الأحادية إليه. هناك أشخاص ممَّن عرفتهم وأعرفهم، وممن تابعتُهم...
في المخيم، لم يعد النسيان عارضًا عابرًا، بل صار جارًا قديمًا يشارك الناس خبزهم، ويجلس معهم أمام الخيام، ويزاحم أسماءهم في الذاكرة. كان أبو العبد يسير بمحاذاة بسطات السوق، حتى لمح أبا سالم. ابتسم، وربت على كتفه بحماس. قال: تعال... بدي أعرّفك على زلمة محترم. من أحسن الناس بالمخيم. تقدما نحو...
في منطقة العلواية خلف محطة مصر أزقة ضيقة تتعفن فيها المياه الراكدة تحت أقدام المارة وبيوت قديمة أنهكها العمر، وفي بيتٍ صغير يتنفس العفن والظلام يثير رهبة البيوت المسكونة في النفس. على بابه الخشبي المتهالك تمساحٌ صغير محنط مفتوح الفم وبجواره خفاشٌ أسود متدلٍ من حبل مهترئ تدفعه الريح فيدور كجثةٍ...
نزلت من قطار الخامسة فجرا الذي وصل المحروسة مشرق الشمس، توجهت إلى بوابة المحطة المصرية، أوصتني أمي أن أزور السيدة أم هاشم، حملت حقيبتي التي وضعت فيها طعامي وثيابي وبضعة من أوراقي الشخصية، حذرني شيخ الجامع الكبير من نساء المحروسة، يسرقن الكحل من العيون، على أية حال، أرتدي جلبابا من الصوف، أضع...
حلفت أني لن أتعلم لغة الغصن حين تتسلقه الريح. ولن أتبدل اذا ما بدل المطر اسماء الاحجار وان صوتي عاصفة لن تموت عند أول هدوء حلفت أن أنصت إلى الصمت وهو يروي حكايا الشمس والمطر حكايا الجدران التي أتعبتها الشقوق حلفت أن أبقى واقف في الساحات القديمة و الأبواب الصدئة التي لم يعد أحد يتذكرها...
شاهدتُ على مسافة قريبة، من الصريفة التي أسكنها في هور الجبايش، امرأة تجلس على حافة الهور، تعطيني ظهرها، يلامس شعرها الذهبي مؤخرتها الكبيرة، ترتدي ثوباً أخضر مكشوف الذراعين، مزخرف بحبات فضية، تتلامع مع شعاع شمس الصباح . أرتبكتُ، ذعرتُ، لا أعرف ماذا أفعل، هذه المرأة غريبة، ربما جاءت مع وفد سياحي...
لوّحَ "المعلم" بسكينهِ الحادة يمنةً ويسرة، طالعَ من حوله بتجاهل من تحتِ جفنين مُتهدّلين. على المقعد المقابل؛ جلس عجوز لا يكف عن الشكوى بصوتٍ معتل، تُنبئ نبرته الحادة عن قلقهِ كمن تَحرقهُ نار الانتظار. في المقابل، ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي شابٍ صغير، ابتلع ريقه وكأنه يسمع ما توحي به نفس...
أعلى