جماليات الفتنة ومأساة الوعي الجمعي
قراءة في قصيدة "حين جا وأشعل الحريقة" للسمّاح عبد الله
تتخذ قصيدة "حين جا وأشعل الحريقة» للسمّاح عبد الله من الحريق نقطةً لتوليد مشهد شعري تتشابك فيه الذات الفردية بالجماعة، والفرجة بالفعل، والغناء بالموت، وهي لا تقدّم النار باعتبارها عنصرًا وصفيًّا عابرًا، بل تجعلها مركزًا دلاليًّا تتفرع منه أسئلة السلطة والانقياد والافتتان وتحولات الوعي الإنساني، وتنبع خصوصية النص من اقتصاده اللغوي وقدرته على تحويل حدث بسيط في ظاهره إلى تجربة مركبة، تتداخل فيها الصورة الحسية مع البعد الرمزي، ويتحول فيها الفعل الجماعي إلى مجال لمساءلة العلاقة بين الإنسان وما يغويه أو يقوده، وتنطلق هذه الدراسة من قراءة تأويلية تستند إلى تحليل البنية التصويرية والضمائر والحركة الإيقاعية والرموز المركزية في القصيدة؛ للكشف عن كيفية بناء دلالتها النقدية ورؤيتها للوعي الجمعي، وستتدرج القراءة من عتبة المشهد الشعري إلى تمثيل الجماعة والسلطة، ثم إلى الإيقاع والفضاء ورمزية النار، وصولًا إلى أفقها الإنساني والأخلاقي.
– 1 –
تقيم القصيدة رؤيتها على مفارقة مأساوية دقيقة؛ فالنار التي تحيل في الوعي العادي إلى الخراب والألم والفناء تتحول هنا إلى مركز للفتنة الجماعية، وإلى صورة رمزية للسلطة الكاريزمية القادرة على تعطيل البصيرة واستبدالها بنشوة الانقياد، ويبدأ النص من وضع إنساني متباعد "كنا مسافرين كل في طريق"، بما توحي به العبارة من فردية واختلاف ومصائر لا يجمعها مقصد واحد، غير أن مجيء ذلك الفاعل المبهم في "حين جا وأشعل الحريقة" يبدّل منطق العالم كله، فضمير الغائب لا يمنح الشخصية اسمًا ولا تاريخًا؛ لأن وظيفتها تتجاوز الفرد إلى نموذج المحرّض أو الزعيم أو صاحب الخطاب الخلاصي، وهو لا يدعو الناس إلى النار، بل يشعلها فقط، ثم تتولى الجماعة المفتونة بالمشهد إكمال فعل الكارثة، لذلك يكون الالتفاف حولها أول علامات التحول "فالتففنا حولها/ محدقين في جمالها العريان وهي تعلو"؛ إذ يُجرّد الحريق من معناه المدمر ويؤنسن أو يؤنّث عبر "جمالها العريان" و"لونها العذريّ"، فتغدو النار كائنًا إغوائيًّا طاهرًا في عين المفتونين، على الرغم من أنها تقودهم إلى الاحتراق، وتشتغل الألفاظ الحسية، مثل "طقطقاتها" و"مهرجان لونها"، على صناعة احتفال بصري وسمعي يطمس الحقيقة، إنهم لا يرون موتًا أو ضحايا، ولكنهم يتلقون المشهد بوصفه مهرجانًا وفرجة جمالية، ومن داخل هذا المناخ يظهر "السيد الأكبر"، وهي تسمية ساخرة تؤسس هرم السلطة وتفضح استعداد الجماعة لتقديس من يتقدمها؛ فخلعه "جلبابه القطنيّ" وارتماؤه في "حضنها" لا يقدمانه شهيدًا واعيًا، ولكن يقدمان ممثلًا بارعًا في مسرح الطقوس، وبخاصة حين تصر القصيدة على أنه "يغني" و"ملوّحًا بيديه في فرح"، وهنا تبلغ المفارقة ذروتها؛ فالنار "تأكله"، لكنها في الإدراك الجمعي "تلقيه إلى أعلى وتلقفه"، أي أن فعل الاحتراق نفسه يُؤوَّل صعودًا واصطفاءً. وتكشف الصيغة الاستفهامية "يا ترى لِمَ لا نجرب في أغانينا أوارَ السيد الأكبر" عن أخطر انتقال في النص؛ فالجماعة لا تكتفي بمشاهدة انتحار الرمز، بل تسعى إلى استنساخ ناره في أغانيها، أي إلى تحويل تجربة الفرد القائد إلى خطاب جماعي قابل للتكرار، ومن ثمّ تتسع دائرة العنف عبر الصورة الدائرية "فقمنا مثل دائرة حواليها/ وشبّكنا أصابعنا النحيلة في أصابعنا النحيلة"، حيث يغدو التضامن الإنساني نفسه أداة للفناء؛ لأن الأيدي المتشابكة لا تنقذ أفرادها، بل تمنعهم من الانفلات من طقس الجماعة، ولفظة "النحيلة" المكررة تنبه إلى هشاشتهم، بينما يفضح "الجلد المشقق" واقع البؤس الذي يجعل "دغدغات النار" قابلة لأن تُسْتَقبَل بوصفها لذة، أما الخاتمة "شممنا عطرنا للمرّة الأولى/ تذوّقنا رحيقه"، فتبلغ أقصى درجات السخرية السوداء؛ إذ يستعير الجسد المحترق معجم العطر والرحيق، فيصير احتراق الذات اكتشافًا وهميًّا للذات، وهكذا لا تدين القصيدة النار وحدها، بل تفضح الكيفية التي يمكن بها للخطاب الجمالي والغناء والاحتفال أن يمنحوا الخراب هيئة الخلاص، وأن يقودوا المختلفين الذين كانوا "كل في طريق"، إلى وحدة لا تنتهي إلا في الاحتراق الجماعي.
– 2 –
وبعد أن تؤسس القصيدة مشهد الفتنة الجماعية تنتقل بنيتها الداخلية إلى مستوى أدقّ، وهو تفكيك اللغة التي تُنتج هذا الافتتان وتمنحه مشروعيته الشعورية، فالنص لا يقدّم الجماعة باعتبارها كتلة صامتة تساق إلى مصيرها، ولكن يجعلها ذاتًا ناطقة تشارك في صياغة الوهم، ويتجلى ذلك في التدرج الضمائري من "رأيناه" إلى "فقلنا" ثم "فقمنا" و"تغنينا" و"شممنا" و"تذوقنا"، إن هذا الانتقال ليس مجرد تنويع نحوي، ولكنه مسار لتحول الوعي من المراقبة إلى القول، ومن القول إلى الفعل، ومن الفعل إلى التماهي الكامل مع التجربة؛ ففي البداية تقف الجماعة خارج النار محدّقةً فيها، ثم تشاهد "السيد الأكبر" وهو يحترق، لكنها لا تستقبل المشهد بوصفه إنذارًا، ولكن تنقله مباشرة إلى لغة اقتراحية "يا ترى لِمَ لا نجرب في أغانينا أوارَ السيد الأكبر"، وتكمن خطورة العبارة في اقتران "الأوار"، بوصفه شدة اللهب، بــ"الأغاني" بوصفها مجالًا للجمال والبهجة والتعبير الجمعي، وهكذا تنقلب الأغنية من فعل يفتح المجال للحياة إلى وسيلة لتجميل الفناء، ويغدو الحريق مادة غنائية قابلة للتداول، كما أن الفعل "نجرب" يفرغ القرار من فداحته؛ فالولوج إلى النار لا يُسمَّى انتحارًا أو هلاكًا، بل يُقدَّم كتجربة محتملة، كأن اللغة تخفف من قسوة الواقع قبل أن تدفع الذات إلى ارتكابه، ومن هنا تتبدى براعة السماح عبد الله في استثمار التكرار الفعلي الذي يوازي تدرج الطقس "وارتمينا/ فرحين.../ وتغنينا/ ولوّحنا بأيدينا"، فتعاقب الأفعال بصيغة الجمع يوهم بالحيوية والاختيار، غير أن إيقاعه المتلاحق يكشف في العمق انمحاء المسافة بين الأفراد؛ إذ لا تظهر ذات مفردة تسأل أو تعترض أو تنسحب، بل يتحرك الجميع في إيقاع واحد، وتكتسب صورة "شبّكنا أصابعنا النحيلة في أصابعنا النحيلة" قيمة مركزية في هذا السياق؛ لأنها تعيد تعريف الجماعة، فليست الأيدي متشابكة هنا لتعين بعضها على النجاة، وإنما لتتأكد من دخولها النار كتلة واحدة، بل إن تكرار "أصابعنا النحيلة" يحوّل العبارة إلى ما يشبه اللازمة، فيكشف هشاشة هذا الجمع الذي يتخيل في الالتحام قوة، بينما يفضح الوصف ضعفه البنيوي، وتزداد هذه الدلالة حين نلاحظ أن القصيدة لا تمنح النار صوتًا آمرًا، ولا تصور السيد الأكبر وهو يطلب من الآخرين تقليده؛ فالسلطة بعد أن تؤدي عرضها الأول تستقر في لغة الجماعة نفسها، ولذلك فإن المأساة لا تصدر عن قهر مباشر بقدر ما تنشأ عن قابلية الجماعة لأن تجعل من مشهد قهرها نشيدًا خاصًّا بها، وهنا ينتقل النص من نقد الزعيم المحترق إلى نقد البنية النفسية والثقافية التي تحتاج إلى مثال مشتعل كي تعترف بوجودها؛ فالجماعة لا تقول إنها تريد الموت، بل إنها تريد "أن تعلو بنا النارُ/ ونقبض بالأصابع بهجة الدنيا"، وفي هذه المفارقة يتجاور فعل العلو مع فعل الاحتراق، والقبض مع العجز، والبهجة مع الفناء، بما يفضح اللغة حين تصير قناعًا لا يصف الحقيقة، ولكن يعيد إنتاجها في هيئة مقبولة ومغرية.
– 3 –
وتنفتح القصيدة في نهايتها على مستوى أكثر قتامة يتجاوز نقد العدوى الجماعية إلى مساءلة علاقة الإنسان بذاته حين لا يعرفها إلا عبر تدميرها، فقول الجماعة "شممنا عطرنا للمرّة الأولى/ تذوّقنا رحيقه" لا يمثل ذروة النشوة فحسب، بل يكشف اختلالًا عميقًا في نظام الإدراك؛ إذ إن الذات لا تتعرف إلى رائحتها وطعمها إلا بعد أن تصير جسدًا محترقًا، وتنبني هذه الخاتمة على قلبٍ دلالي بالغ العنف، فالعطر والرحيق ينتميان إلى حقل الحساسية والجمال والامتلاء الحي، لكنهما هنا يجاوران "الجلد المشقق" و"دغدغات النار"، فيستحيل الجسد من مصدر حياة إلى مادة حسية يستهلكها أصحابه أنفسهم، ليست الصورة، إذن، احتفاءً صوفيًّا بالفناء؛ لأن سياقها لا ينهض على وعي فردي حرّ أو على بحث معرفي متبصر، وإنما على انجذاب جمعي سبق أن أخطأ في رؤية الحريق، ثم أخطأ في قراءة احتراق السيد الأكبر، ثم كرر الخطأ بوصفه أغنيةً وفرحًا، لذلك يبدو "للمرّة الأولى" في العبارة الأخيرة شديد المرارة؛ لأنه إعلان عن ولادة متأخرة للذات، لكن هذه الولادة لا تحدث عبر اكتشاف إمكاناتها، بل عبر تذوق رمادها، ومن ثمّ تستعيد القصيدة بدايتها "كنا مسافرين كل في طريق" على نحو معاكس؛ ففي البداية كانت الذات موزَّعة في طرق متعددة، بما يحمله التعدد من احتمال الاختيار، أما في النهاية فقد انصهرت تلك الذوات في حسٍّ واحد وطعم واحد ومصير واحد، غير أن هذه الوحدة ليست مصالحة، ولكنها محْوٌ للاختلاف وامتصاص للفرد داخل طقس جماعي يلتهمه، ويعزز هذا الأفق أن النص لا يصف ما يحدث بعد "تذوقنا رحيقه"؛ فالصمت الذي يلي النهاية ليس فراغًا شكليًّا، لكنه يترك القارئ أمام النتيجة الحتمية التي أخفتها لغة البهجة طوال القصيدة، وهي أنه لا شيء بعد الاحتراق سوى انقطاع الصوت الذي ظل يغني، وبهذه التقنية ينجح الشاعر في جعل القارئ أكثر وعيًا من الشخصيات؛ فهو يدرك أن ما يسمونه "عطرًا" هو رائحة الفناء، وأن ما يسمونه "رحيقًا" هو حصيلة افتراس النار للأجساد، وأن التلويح بالأيدي في الفرح ليس إلا الإيماءة الأخيرة قبل زوال القدرة على الحركة، وهكذا تتحول القصيدة إلى تحذير من اللحظة التي يتصالح فيها المقهور مع أدوات هلاكه، لا لأن القهر اختفى، بل لأن الخيال نفسه أعاد صياغته في صورة احتفال، إنها لا تسأل لماذا تحترق الجماعة فقط، بل تسأل السؤال الأشد إيلامًا، وهو كيف تبلغ الجماعة من الاغتراب عن ذاتها حدًّا يجعلها تتوهم أن احتراقها هو لحظة تعرفها الأول بها؟
– 4 –
إذا كان التحليل السابق قد كشف تحوّل الجماعة من المشاهدة إلى التماهي، فإن القصيدة تمنح هذا التحول بعدًا مكانيًّا وزمنيًّا يزيده إغلاقًا ورهبة، فالمكان في "حين جا وأشعل الحريقة" لا يُعرَّف بحدوده الواقعية ولا بأسمائه، ولكنه يتشكل حول مركز واحد هو النار، لذلك يبدأ النص بحركة انفتاح أفقي "كنا مسافرين كل في طريق"، ثم ينتهي إلى حركة دائرية مغلقة "فقمنا مثل دائرة حواليها، وبين الطريق والدائرة تتحدد رحلة الوعي المضادّة؛ فالطريق يفترض امتدادًا واحتمالًا وتعددًا في الجهات، أما الدائرة فتفترض مركزًا واحدًا يعيد كل حركة إليه، ويمنعها من تجاوز حدوده، وليس من المصادفة أن تكون النار هي مركز الدائرة؛ لأن الجماعة لا تحيط بها للحماية أو للمقاومة، ولكن كي تجعلها بؤرة نظرها الوحيد، ومصدر دفئها ووعدها، وهنا يتحول المكان إلى هندسة رمزية للانغلاق، فكلما اقتربت الجماعة من الحريق ضاق عالمها، إلى أن لا يبقى فيه سوى جسد يحترق وأعين تتفرج وأيدٍ متشابكة، أما زمن القصيدة فيسير في الظاهر إلى الأمام عبر الأفعال المتتابعة "قام"، "وارتمى"، "رأيناه"، "فقلنا"، "فقمنا"، لكنه في العمق زمن طقسي دائري؛ لأن الفعل المؤسس، أي احتراق السيد الأكبر، لا ينقضي بعد وقوعه، بل يعاد تمثيله في الآخرين، ويكشف التعبير "كان يغني لا يزال" عن هذا التعليق الزمني اللافت، فالرجل يُؤكل بالنار، ومع ذلك يظل في عين الجماعة مغنيًّا، كأن الغناء يوقف حقيقة الموت أو يؤجل الاعتراف بها، إن عبارة "لا يزال" ليست تفصيلًا وصفيًّا، بل آلية إنكار، فالصورة لا تُترَك لتصل إلى نهايتها الطبيعية؛ لأن اكتمال الموت سيهدم الأسطورة التي تحتاج الجماعة إلى تصديقها، ومن ثمّ فإن التحاقهم به ليس استجابة للحاضر وحده، بل رغبة في إعادة الزمن إلى لحظة العرض الأول، وإطالة نشوة المشهد قبل أن يُكشَف معناه الواقعي، ويتصل بذلك حضور "المرّة الأولى" في الخاتمة، فبعد زمن دائري يعيد الجسد إلى النار تدّعي الجماعة أنها تبلغ للمرة الأولى إدراكًا حسيًّا جديدًا "شممنا عطرنا للمرّة الأولى"، وهكذا تتجاور دائريّة التكرار مع وهم البداية، في مفارقة تكشف أن الوعي المغلق يعجز عن رؤية أنه يكرر موته، فيتوهم كل احتراق ولادة واكتشافًا، وتكمن قسوة القصيدة في أنها لا تترك خارج الدائرة فضاء واضحًا للنجاة، فلا يظهر طريق بديل، ولا صوت من الخارج، ولا شخصية ترفض الاصطفاف، غير أن هذا الغياب نفسه يصبح دالًّا؛ فالنص يرسم عالمًا بلغت فيه الفتنة حدّ احتلال المجال كله، حتى غدت إمكانية الابتعاد عن النار فعلًا لا يخطر في ذهن أحد، وبذلك لا يعود المكان خلفية للمأساة، ولكنه يتحول إلى صورة مجسّدة لبنية وعي اختزل الكون في مركز واحد، وسمّى انجذابه القسري إلى ذلك المركز فرحًا.
– 5 –
وعند هذا المستوى، يمكن قراءة "السيد الأكبر" بوصفه أكثر من فرد يتقدم الجماعة إلى الحريق، إنه صياغة مكثفة لعلاقة السلطة بمريديها حين تستمد مشروعيتها لا من قدرتها على إنقاذهم، ولكن من قدرتها على تحويل هلاكها وهلاكهم إلى مشهد جدير بالتصفيق، فصفة "الأكبر" لا تعرّف الرجل باسمه، وإنما ترفعه إلى مرتبة رمزية فوق بقية المسافرين، بينما لا تشرح القصيدة مصدر هذا الامتياز ولا مبرره، إن الغموض هنا جوهري؛ لأنه يفضح آلية السلطة الكاريزمية، فالشخصية لا تحتاج إلى برهان كي تُتبع، ولكن يكفي أن تحتل موقعًا مرئيًّا في اللحظة المناسبة، وأن تؤدي فعلها بجرأة استعراضية، لهذا يخلع "جلبابه القطنيّ" قبل أن "يرتمى في حضنها"، فيتحول الزي البسيط إلى علامة قابلة للقراءة؛ فالجلباب يوحي بالقرب من الناس العادية وربما البراءة، لكن خلعه يجعل الفعل انتقالًا مدروسًا من اليومي إلى الطقسي، وبعد ذلك لا يواجه النار كخطر، بل يرتمي في "حضنها"، وهي استعارة تستبدل علاقة الافتراس بعلاقة الألفة والعناق، ومن خلال هذا التحويل اللغوي يقدّم السيد الأكبر نموذجًا تأويليًّا للنار قبل أن يقدم نموذجًا سلوكيًّا، إنه يعلّم الآخرين كيف يرون الهلاك، لا كيف يواجهونه، ومن هنا تنبع دقة العبارة الجماعية "نجرب في أغانينا أوارَ السيد الأكبر"؛ إذ لا يقولون إنهم سيقلدون جسده أو مصيره، بل ينسبون الأوار إليه، كأن النار أصبحت ملكية رمزية له أو جزءًا من هويته، وبذلك تصير السلطة قادرة على مصادرة حتى الألم المشترك وتسميته باسمها؛ فليس ثمة أوار النار، بل "أوار السيد الأكبر"، غير أن القصيدة لا تجعل هذا الرمز مركز إدانتها النهائي؛ لأن الرجل نفسه ينتهي إلى أن "تأكله النار"، أي أنه ليس سيّدًا عليها بالفعل، وإن بدا كذلك في عين الجماعة، وهذه المفارقة تفكك وهم السيطرة، فالذي يلوّح مبتهجًا لا يمتلك النار، بل هو أحد ضحاياها، غير أن مهارته في تحويل ألمه إلى غناء تغري الآخرين بتأويل سقوطه انتصارًا، ولذلك تفتح القصيدة أفقًا نقديًّا يتجاوز الإحالة المباشرة إلى شخص أو حدث سياسي محدد، إنها تتناول كل خطاب يطلب من أتباعه أن يروا التضحية الملموسة دليلًا على العلو، وأن يستبدلوا مساءلة النتائج بالانفعال أمام الصورة، وفي هذا المعنى تبلغ الخاتمة قيمتها الأخلاقية؛ فالقصيدة لا تدين الناس لأنهم فرحوا فحسب، بل تكشف كيف ينتج الفرح المصطنع قبولًا طوعيًّا بما ينبغي أن يُرفَض، إن الفاجعة لا تكمن في وجود "السيد الأكبر" وحده، ولكنها تكمن في اكتمال نظام رمزي يجعل الجماعة تمنحه حق تسمية النار، ثم يمنحها، في المقابل، وهمًا عابرًا بأنها حين تحترق معه تكون قد "قبضت بالأصابع بهجة الدنيا".
– 6 –
ولا تكتفي القصيدة بتصوير الجماعة وهي تنجرف نحو الفناء، بل تجعل بناءها الإيقاعي نفسه مشاركًا في إنتاج هذا الانجراف؛ فالقارئ لا يقف خارج الحركة ليتأملها في سكون، وإنما تدفعه الجمل المتتابعة إلى الإحساس بتسارعها، وبتضاؤل فرص التوقف داخلها، ويتضح ذلك أولًا في غلبة الأفعال الماضية المتعاقبة "قام السيد الأكبر"، "وارتمى"، "ورأيناه"، "فقلنا"، "فقمنا"، "وشبّكنا"، "وارتمينا"، "وتغنينا"، "ولوّحنا"، "شممنا"، "تذوّقنا"، إن هذه السلسلة الفعلية لا تتيح زمنًا كافيًا للتأمل بين فعل وآخر؛ فكل خطوة تبدو كأنها تستدعي التالية بصورة آلية، حتى يصبح الانتقال من المراقبة إلى الارتماء في النار نتيجة إيقاعية قبل أن يكون نتيجة قرار واعٍ، وتؤدي الواو المتكررة وظيفة خاصة في هذا السياق؛ فهي لا تصل بين الأحداث فحسب، بل تمحو الفواصل النفسية والأخلاقية التي كان يمكن أن تنشأ بينها، فحين يقول الشاعر "ورأيناه وهو تأكله النارُ/ وتلقيه إلى أعلى وتلقفه وهو مبتهج"، ينساب فعل الاحتراق وفعل التلقي والابتهاج في مجرى تركيبي واحد، كأن العنف والفرح وجهان لحركة واحدة لا تستوجب التوقف أو الاعتراض، ثم تبلغ هذه الآلية ذروتها في مشهد الجماعة "وارتمينا/ فرحين بدغدغات النار في الجلد المشقق/ وتغنينا/ ولوّحنا بأيدينا"، إن تقطيع الأسطر هنا لا يكسر الاندفاع، بل يكشفه؛ فكل فعل يُفرَد في سطر أو شبه سطر، بما يمنحه حضورًا إيقاعيًّا مستقلًا، ثم يدفعه فورًا إلى الفعل الذي يليه، وهكذا يتحول التقطيع إلى ضربات متلاحقة تشبه حركات طقس جماعي، لا إلى فسحات للتفكير، كذلك يتأسس الإيقاع على مفارقة بين خفة الأفعال وثقل نتائجها؛ فألفاظ مثل "دغدغات" و"تغنينا" و"لوّحنا" تنتمي إلى عالم اللعب والبهجة والحركة العفوية، لكنها تجاور "النار" و"الجلد المشقق"، فتجعل الإيقاع المرح قناعًا صوتيًّا لتجربة موجعة، ومن هنا تتبين القيمة النقدية للغنائية في النص، فليست الغنائية احتفالًا باللغة، ولكنها وسيلة لكشف قدرة الإيقاع على تحويل الجماعة إلى جسد واحد يستجيب للنداء قبل أن يختبر معناه، حتى تكرار كلمة "النحيلة" في "أصابعنا النحيلة في أصابعنا النحيلة" لا يؤدي وظيفة وصفية محضة، بل يبطئ العبارة لحظة؛ كي يلفت إلى هشاشة الأجساد المتشابكة، قبل أن يعيدها الفعل "وارتمينا" إلى اندفاعها، ويبدو كأن القصيدة تمنح القارئ عبر هذا التباطؤ العابر فرصة لرؤية ما لا تراه الشخصيات، أي أن تلك الأيدي ليست قوية لأنها متماسكة، وأن غناءها لا يلغي تشقق الجلد الذي يفضح كلفة البهجة، لذلك فإن الإيقاع هنا لا يزين الدلالة، ولكن يجسد بنيتها، فكلما ازداد الغناء والحركة واتصال الأفعال ازداد انطفاء المسافة النقدية بين الذات وفعلها، إلى أن يصبح الاحتراق نهاية يفرضها تتابع الجمل كما يفرضها منطق الفتنة.
– 1 –
بعد أن تتكشف آليات الانجراف في الإيقاع واللغة والسلطة، تبلغ القصيدة مستواها التأويلي الأبعد عبر قلبها الحاد لرمزية النار؛ فالنار في المخيال الإنساني والثقافي رمز متعدد الوجوه، فقد تكون مصدر الدفء والإنارة، أو علامة المعرفة والكشف، أو صورة التطهر والتحول، أو أداة التمرد والثورة، غير أن السماح عبد الله لا يستدعي هذه الإمكانات لكي يثبتها، ولكنه يستدعيها لكي يعرّي قابلية الرمز نفسه للانحراف حين يُسلَّم إلى وعي مفتون، ولذلك لا تظهر النار في القصيدة بوصفها نورًا يبدد عتمة الطريق، ولكن بوصفها حدثًا بدأه شخص مجهول الملامح "حين جا وأشعل الحريقة"، ولفظة "الحريقة" ذاتها بما تحمله من نبرة يومية شعبية تُبْعِد النارَ عن التجريد الأسطوري والاحتفال الفلسفي، إنها ليست نارًا مهيبة في فضاء مقدس، لكنها حريق ملموس يهدد الجسد والعالم، غير أن الجماعة تعمل عبر نظرتها ولغتها على ردّها إلى معنى مغاير، ترى "جمالها العريان"، وتصغي إلى "طقطقاتها"، وتبتهج بـ"مهرجان لونها العذريّ"، وهنا تقع المفارقة الأساسية، وهي أن النار ليست حاملة للجمال في ذاتها، بل يصبح الجمال اسمًا يطلقه الوعي عليها حين يفقد معيار التمييز بين ما يضيء وما يلتهم، إن صفة "العذريّ" شديدة الكثافة؛ لأنها تمنح اللهب معنى الطهر والبراءة، في الوقت الذي يصف فيه النص جسدًا "تأكله النار"، وبذلك لا تقف القصيدة عند تصوير الخداع السياسي أو النفسي، بل تمس منطقة أعمق، وهي قدرة اللغة على تطهير العنف رمزيًّا، ثم تقديمه بوصفه بابًا إلى السمو، ويكتمل هذا القلب حين تتخيل الجماعة أن "تعلو بها النار"، ففعل العلو الذي يفترض الارتقاء والتجاوز، يقترن بأداة تدمير لا ترفع الإنسان إلا بوصفه دخانًا ورمادًا، إن القصيدة تعارض، من دون خطاب مباشر، بين صعود حقيقي لا يتحقق إلا بحفظ الإنسان لذاته وحريته، وبين صعود زائف يجعل الهلاك دليلًا على النبل، ومن ثمّ يصبح السؤال الأخلاقي الكامن في النص أشد من سؤال النار ذاتها، وهو بأي وعي يستقبل الإنسان الرموز التي تحكم وجدانه؟ وهل يستطيع أن يميز بين نار المعرفة ونار الفتنة؟ وبين التضحية الحرة والاندفاع الذي تصنعه العدوى؟ إن القصيدة لا تجيب بتقريرٍ جاهز، لكنها تجعل القارئ شاهدًا على انهيار هذا التمييز داخل الجماعة، فحين تقول "ونقبض بالأصابع بهجة الدنيا"، تضع صورة القبض الحسي المحدود إزاء ادعاء امتلاك "بهجة الدنيا" كلّها، وهو تضخم تخييلي يسبق السقوط؛ لأن الأصابع التي ظنت أنها تقبض على العالم هي نفسها "النحيلة" والمهددة بالاحتراق، لذلك تنتهي القصيدة إلى أن الخطر ليس في النار حين تكون نارًا، ولكن الخطر في اللحظة التي تُسمّى فيها نار الهلاك عطرًا ورحيقًا، ويُنظَر إلى تلاشي الذات ليس بوصفه خسارة إنسانية، ولكن بوصفه أول معرفة ممكنة بها.
الخاتمة:
تكشف هذه الدراسة أن قصيدة "حين جا وأشعل الحريقة" تبني رؤيتها النقدية من خلال تحويل الحريق إلى بؤرة تتكثف فيها أزمة الوعي الجمعي؛ فقد بينت القراءة أن النص لا يعالج فعل الاحتراق من زاوية مأسوية مباشرة، ولكنه يتتبع المسار الذي يجعل الجماعة تعيد تأويل الخطر في صورة فتنة، ثم تستبطن هذا التأويل حتى يصبح الغناء والاحتفال والاندفاع الجماعي أشكالًا لقبول الهلاك، ومن هنا تتجاوز القصيدة دلالتها الحدثية لتلامس بنية إنسانية أوسع، تتصل بقابلية الجماعات للانقياد حين تستبدل مساءلة الواقع بالانفعال أمام الصورة الكاريزمية والخطاب الجمالي.
كما أوضح التحليل أن بناء القصيدة يقوم على تضافر عناصرها الفنية المتمثلة في حركة الضمائر، وتسلسل الأفعال، والإيقاع المتسارع، وتشكيل المكان، والمفارقة الرمزية للنار، ولا تعمل هذه العناصر منفصلة، بل تنتظم في بنية واحدة تكشف انتقال الجماعة من التعدد إلى الذوبان، ومن إمكان الاختيار إلى طقس مغلق لا يتيح للذات أن ترى حقيقة مصيرها، وبذلك تتجلى القيمة الفنية للقصيدة في قدرتها على جعل الشكل الشعري نفسه حاملًا للرؤية؛ إذ تتحول اللغة والإيقاع والصورة إلى وسائل لكشف آليات الفتنة، وليس إلى أدوات للزخرف أو الوصف.
ومن ثم فإن القصيدة تطرح سؤالًا أخلاقيًّا ونقديًّا عن الشروط التي تجعل الإنسان قابلًا أن يتنازل عن وعيه باسم البهجة أو الخلاص أو الارتقاء، وهذه الرؤية تمنح نص السمّاح عبد الله طاقته الدلالية؛ لأنه لا يكتفي بإدانة السلطة المحرِّضة، بل يضع الجماعة أيضًا أمام مسؤوليتها عن المعنى الذي تمنحه لما يحدث لها، ومن ثمّ تظل القصيدة نصًّا يحذّر من اللحظة التي يفقد فيها الوعي قدرته على التمييز بين ما ينقذه وما يفنيه، وتكشف هذه القصيدة جانبًا مميزًا من تجربة السمّاح عبد الله الشعرية، يتمثل في قدرته على تكثيف الرؤية الاجتماعية والأخلاقية داخل مشهد شعري قصير، وعلى تحويل اللغة اليومية والصورة الحسية إلى أداة نافذة لكشف هشاشة الوعي الجمعي ومفارقات انقياده.
حين جا وأشعل الحريقة.
شعر: السمّاح عبد الله
كنا مسافرين كل في طريق
حين جا وأشعل الحريقة.
..........................................
فالتففنا حولها
محدقين في جمالها العريانِ وهي تعلو
وكأنا قد أُخذنا بغتةً بطقطقاتها
ومهرجان لونها العذريّ
قام السيد الأكبر فينا خالعا جلبابه القطنيَّ
وارتمى في حضنها وهْوَ يغني
ورأيناه وهُوْ تأكله النارُ
وتلقيه إلى أعلى وتلقفه وهُوْ مبتهجٌ
كان يغني لا يزالُ
ولا يزال ملوّحا بيديه في فرحٍ بغنوته
فقلنا: يا ترى لِمَ لا نجرب في أغانينا أوارَ السيدِ الأكبرِ
كي تعلو بنا النارُ
ونقبض بالأصابع بهجة الدنيا؟
فقمنا مثل دائرة حواليها
وشبّكنا أصابعنا النحيلة في أصابعنا النحيلةِ
وارتمينا
فرحين بدغدغات النار في الجلدِ المشققِ
وتغنينا
ولوّحنا بأيدينا
شممنا عطرنا للمرّة الأولى
تذوّقنا رحيقه.
قراءة في قصيدة "حين جا وأشعل الحريقة" للسمّاح عبد الله
تتخذ قصيدة "حين جا وأشعل الحريقة» للسمّاح عبد الله من الحريق نقطةً لتوليد مشهد شعري تتشابك فيه الذات الفردية بالجماعة، والفرجة بالفعل، والغناء بالموت، وهي لا تقدّم النار باعتبارها عنصرًا وصفيًّا عابرًا، بل تجعلها مركزًا دلاليًّا تتفرع منه أسئلة السلطة والانقياد والافتتان وتحولات الوعي الإنساني، وتنبع خصوصية النص من اقتصاده اللغوي وقدرته على تحويل حدث بسيط في ظاهره إلى تجربة مركبة، تتداخل فيها الصورة الحسية مع البعد الرمزي، ويتحول فيها الفعل الجماعي إلى مجال لمساءلة العلاقة بين الإنسان وما يغويه أو يقوده، وتنطلق هذه الدراسة من قراءة تأويلية تستند إلى تحليل البنية التصويرية والضمائر والحركة الإيقاعية والرموز المركزية في القصيدة؛ للكشف عن كيفية بناء دلالتها النقدية ورؤيتها للوعي الجمعي، وستتدرج القراءة من عتبة المشهد الشعري إلى تمثيل الجماعة والسلطة، ثم إلى الإيقاع والفضاء ورمزية النار، وصولًا إلى أفقها الإنساني والأخلاقي.
– 1 –
تقيم القصيدة رؤيتها على مفارقة مأساوية دقيقة؛ فالنار التي تحيل في الوعي العادي إلى الخراب والألم والفناء تتحول هنا إلى مركز للفتنة الجماعية، وإلى صورة رمزية للسلطة الكاريزمية القادرة على تعطيل البصيرة واستبدالها بنشوة الانقياد، ويبدأ النص من وضع إنساني متباعد "كنا مسافرين كل في طريق"، بما توحي به العبارة من فردية واختلاف ومصائر لا يجمعها مقصد واحد، غير أن مجيء ذلك الفاعل المبهم في "حين جا وأشعل الحريقة" يبدّل منطق العالم كله، فضمير الغائب لا يمنح الشخصية اسمًا ولا تاريخًا؛ لأن وظيفتها تتجاوز الفرد إلى نموذج المحرّض أو الزعيم أو صاحب الخطاب الخلاصي، وهو لا يدعو الناس إلى النار، بل يشعلها فقط، ثم تتولى الجماعة المفتونة بالمشهد إكمال فعل الكارثة، لذلك يكون الالتفاف حولها أول علامات التحول "فالتففنا حولها/ محدقين في جمالها العريان وهي تعلو"؛ إذ يُجرّد الحريق من معناه المدمر ويؤنسن أو يؤنّث عبر "جمالها العريان" و"لونها العذريّ"، فتغدو النار كائنًا إغوائيًّا طاهرًا في عين المفتونين، على الرغم من أنها تقودهم إلى الاحتراق، وتشتغل الألفاظ الحسية، مثل "طقطقاتها" و"مهرجان لونها"، على صناعة احتفال بصري وسمعي يطمس الحقيقة، إنهم لا يرون موتًا أو ضحايا، ولكنهم يتلقون المشهد بوصفه مهرجانًا وفرجة جمالية، ومن داخل هذا المناخ يظهر "السيد الأكبر"، وهي تسمية ساخرة تؤسس هرم السلطة وتفضح استعداد الجماعة لتقديس من يتقدمها؛ فخلعه "جلبابه القطنيّ" وارتماؤه في "حضنها" لا يقدمانه شهيدًا واعيًا، ولكن يقدمان ممثلًا بارعًا في مسرح الطقوس، وبخاصة حين تصر القصيدة على أنه "يغني" و"ملوّحًا بيديه في فرح"، وهنا تبلغ المفارقة ذروتها؛ فالنار "تأكله"، لكنها في الإدراك الجمعي "تلقيه إلى أعلى وتلقفه"، أي أن فعل الاحتراق نفسه يُؤوَّل صعودًا واصطفاءً. وتكشف الصيغة الاستفهامية "يا ترى لِمَ لا نجرب في أغانينا أوارَ السيد الأكبر" عن أخطر انتقال في النص؛ فالجماعة لا تكتفي بمشاهدة انتحار الرمز، بل تسعى إلى استنساخ ناره في أغانيها، أي إلى تحويل تجربة الفرد القائد إلى خطاب جماعي قابل للتكرار، ومن ثمّ تتسع دائرة العنف عبر الصورة الدائرية "فقمنا مثل دائرة حواليها/ وشبّكنا أصابعنا النحيلة في أصابعنا النحيلة"، حيث يغدو التضامن الإنساني نفسه أداة للفناء؛ لأن الأيدي المتشابكة لا تنقذ أفرادها، بل تمنعهم من الانفلات من طقس الجماعة، ولفظة "النحيلة" المكررة تنبه إلى هشاشتهم، بينما يفضح "الجلد المشقق" واقع البؤس الذي يجعل "دغدغات النار" قابلة لأن تُسْتَقبَل بوصفها لذة، أما الخاتمة "شممنا عطرنا للمرّة الأولى/ تذوّقنا رحيقه"، فتبلغ أقصى درجات السخرية السوداء؛ إذ يستعير الجسد المحترق معجم العطر والرحيق، فيصير احتراق الذات اكتشافًا وهميًّا للذات، وهكذا لا تدين القصيدة النار وحدها، بل تفضح الكيفية التي يمكن بها للخطاب الجمالي والغناء والاحتفال أن يمنحوا الخراب هيئة الخلاص، وأن يقودوا المختلفين الذين كانوا "كل في طريق"، إلى وحدة لا تنتهي إلا في الاحتراق الجماعي.
– 2 –
وبعد أن تؤسس القصيدة مشهد الفتنة الجماعية تنتقل بنيتها الداخلية إلى مستوى أدقّ، وهو تفكيك اللغة التي تُنتج هذا الافتتان وتمنحه مشروعيته الشعورية، فالنص لا يقدّم الجماعة باعتبارها كتلة صامتة تساق إلى مصيرها، ولكن يجعلها ذاتًا ناطقة تشارك في صياغة الوهم، ويتجلى ذلك في التدرج الضمائري من "رأيناه" إلى "فقلنا" ثم "فقمنا" و"تغنينا" و"شممنا" و"تذوقنا"، إن هذا الانتقال ليس مجرد تنويع نحوي، ولكنه مسار لتحول الوعي من المراقبة إلى القول، ومن القول إلى الفعل، ومن الفعل إلى التماهي الكامل مع التجربة؛ ففي البداية تقف الجماعة خارج النار محدّقةً فيها، ثم تشاهد "السيد الأكبر" وهو يحترق، لكنها لا تستقبل المشهد بوصفه إنذارًا، ولكن تنقله مباشرة إلى لغة اقتراحية "يا ترى لِمَ لا نجرب في أغانينا أوارَ السيد الأكبر"، وتكمن خطورة العبارة في اقتران "الأوار"، بوصفه شدة اللهب، بــ"الأغاني" بوصفها مجالًا للجمال والبهجة والتعبير الجمعي، وهكذا تنقلب الأغنية من فعل يفتح المجال للحياة إلى وسيلة لتجميل الفناء، ويغدو الحريق مادة غنائية قابلة للتداول، كما أن الفعل "نجرب" يفرغ القرار من فداحته؛ فالولوج إلى النار لا يُسمَّى انتحارًا أو هلاكًا، بل يُقدَّم كتجربة محتملة، كأن اللغة تخفف من قسوة الواقع قبل أن تدفع الذات إلى ارتكابه، ومن هنا تتبدى براعة السماح عبد الله في استثمار التكرار الفعلي الذي يوازي تدرج الطقس "وارتمينا/ فرحين.../ وتغنينا/ ولوّحنا بأيدينا"، فتعاقب الأفعال بصيغة الجمع يوهم بالحيوية والاختيار، غير أن إيقاعه المتلاحق يكشف في العمق انمحاء المسافة بين الأفراد؛ إذ لا تظهر ذات مفردة تسأل أو تعترض أو تنسحب، بل يتحرك الجميع في إيقاع واحد، وتكتسب صورة "شبّكنا أصابعنا النحيلة في أصابعنا النحيلة" قيمة مركزية في هذا السياق؛ لأنها تعيد تعريف الجماعة، فليست الأيدي متشابكة هنا لتعين بعضها على النجاة، وإنما لتتأكد من دخولها النار كتلة واحدة، بل إن تكرار "أصابعنا النحيلة" يحوّل العبارة إلى ما يشبه اللازمة، فيكشف هشاشة هذا الجمع الذي يتخيل في الالتحام قوة، بينما يفضح الوصف ضعفه البنيوي، وتزداد هذه الدلالة حين نلاحظ أن القصيدة لا تمنح النار صوتًا آمرًا، ولا تصور السيد الأكبر وهو يطلب من الآخرين تقليده؛ فالسلطة بعد أن تؤدي عرضها الأول تستقر في لغة الجماعة نفسها، ولذلك فإن المأساة لا تصدر عن قهر مباشر بقدر ما تنشأ عن قابلية الجماعة لأن تجعل من مشهد قهرها نشيدًا خاصًّا بها، وهنا ينتقل النص من نقد الزعيم المحترق إلى نقد البنية النفسية والثقافية التي تحتاج إلى مثال مشتعل كي تعترف بوجودها؛ فالجماعة لا تقول إنها تريد الموت، بل إنها تريد "أن تعلو بنا النارُ/ ونقبض بالأصابع بهجة الدنيا"، وفي هذه المفارقة يتجاور فعل العلو مع فعل الاحتراق، والقبض مع العجز، والبهجة مع الفناء، بما يفضح اللغة حين تصير قناعًا لا يصف الحقيقة، ولكن يعيد إنتاجها في هيئة مقبولة ومغرية.
– 3 –
وتنفتح القصيدة في نهايتها على مستوى أكثر قتامة يتجاوز نقد العدوى الجماعية إلى مساءلة علاقة الإنسان بذاته حين لا يعرفها إلا عبر تدميرها، فقول الجماعة "شممنا عطرنا للمرّة الأولى/ تذوّقنا رحيقه" لا يمثل ذروة النشوة فحسب، بل يكشف اختلالًا عميقًا في نظام الإدراك؛ إذ إن الذات لا تتعرف إلى رائحتها وطعمها إلا بعد أن تصير جسدًا محترقًا، وتنبني هذه الخاتمة على قلبٍ دلالي بالغ العنف، فالعطر والرحيق ينتميان إلى حقل الحساسية والجمال والامتلاء الحي، لكنهما هنا يجاوران "الجلد المشقق" و"دغدغات النار"، فيستحيل الجسد من مصدر حياة إلى مادة حسية يستهلكها أصحابه أنفسهم، ليست الصورة، إذن، احتفاءً صوفيًّا بالفناء؛ لأن سياقها لا ينهض على وعي فردي حرّ أو على بحث معرفي متبصر، وإنما على انجذاب جمعي سبق أن أخطأ في رؤية الحريق، ثم أخطأ في قراءة احتراق السيد الأكبر، ثم كرر الخطأ بوصفه أغنيةً وفرحًا، لذلك يبدو "للمرّة الأولى" في العبارة الأخيرة شديد المرارة؛ لأنه إعلان عن ولادة متأخرة للذات، لكن هذه الولادة لا تحدث عبر اكتشاف إمكاناتها، بل عبر تذوق رمادها، ومن ثمّ تستعيد القصيدة بدايتها "كنا مسافرين كل في طريق" على نحو معاكس؛ ففي البداية كانت الذات موزَّعة في طرق متعددة، بما يحمله التعدد من احتمال الاختيار، أما في النهاية فقد انصهرت تلك الذوات في حسٍّ واحد وطعم واحد ومصير واحد، غير أن هذه الوحدة ليست مصالحة، ولكنها محْوٌ للاختلاف وامتصاص للفرد داخل طقس جماعي يلتهمه، ويعزز هذا الأفق أن النص لا يصف ما يحدث بعد "تذوقنا رحيقه"؛ فالصمت الذي يلي النهاية ليس فراغًا شكليًّا، لكنه يترك القارئ أمام النتيجة الحتمية التي أخفتها لغة البهجة طوال القصيدة، وهي أنه لا شيء بعد الاحتراق سوى انقطاع الصوت الذي ظل يغني، وبهذه التقنية ينجح الشاعر في جعل القارئ أكثر وعيًا من الشخصيات؛ فهو يدرك أن ما يسمونه "عطرًا" هو رائحة الفناء، وأن ما يسمونه "رحيقًا" هو حصيلة افتراس النار للأجساد، وأن التلويح بالأيدي في الفرح ليس إلا الإيماءة الأخيرة قبل زوال القدرة على الحركة، وهكذا تتحول القصيدة إلى تحذير من اللحظة التي يتصالح فيها المقهور مع أدوات هلاكه، لا لأن القهر اختفى، بل لأن الخيال نفسه أعاد صياغته في صورة احتفال، إنها لا تسأل لماذا تحترق الجماعة فقط، بل تسأل السؤال الأشد إيلامًا، وهو كيف تبلغ الجماعة من الاغتراب عن ذاتها حدًّا يجعلها تتوهم أن احتراقها هو لحظة تعرفها الأول بها؟
– 4 –
إذا كان التحليل السابق قد كشف تحوّل الجماعة من المشاهدة إلى التماهي، فإن القصيدة تمنح هذا التحول بعدًا مكانيًّا وزمنيًّا يزيده إغلاقًا ورهبة، فالمكان في "حين جا وأشعل الحريقة" لا يُعرَّف بحدوده الواقعية ولا بأسمائه، ولكنه يتشكل حول مركز واحد هو النار، لذلك يبدأ النص بحركة انفتاح أفقي "كنا مسافرين كل في طريق"، ثم ينتهي إلى حركة دائرية مغلقة "فقمنا مثل دائرة حواليها، وبين الطريق والدائرة تتحدد رحلة الوعي المضادّة؛ فالطريق يفترض امتدادًا واحتمالًا وتعددًا في الجهات، أما الدائرة فتفترض مركزًا واحدًا يعيد كل حركة إليه، ويمنعها من تجاوز حدوده، وليس من المصادفة أن تكون النار هي مركز الدائرة؛ لأن الجماعة لا تحيط بها للحماية أو للمقاومة، ولكن كي تجعلها بؤرة نظرها الوحيد، ومصدر دفئها ووعدها، وهنا يتحول المكان إلى هندسة رمزية للانغلاق، فكلما اقتربت الجماعة من الحريق ضاق عالمها، إلى أن لا يبقى فيه سوى جسد يحترق وأعين تتفرج وأيدٍ متشابكة، أما زمن القصيدة فيسير في الظاهر إلى الأمام عبر الأفعال المتتابعة "قام"، "وارتمى"، "رأيناه"، "فقلنا"، "فقمنا"، لكنه في العمق زمن طقسي دائري؛ لأن الفعل المؤسس، أي احتراق السيد الأكبر، لا ينقضي بعد وقوعه، بل يعاد تمثيله في الآخرين، ويكشف التعبير "كان يغني لا يزال" عن هذا التعليق الزمني اللافت، فالرجل يُؤكل بالنار، ومع ذلك يظل في عين الجماعة مغنيًّا، كأن الغناء يوقف حقيقة الموت أو يؤجل الاعتراف بها، إن عبارة "لا يزال" ليست تفصيلًا وصفيًّا، بل آلية إنكار، فالصورة لا تُترَك لتصل إلى نهايتها الطبيعية؛ لأن اكتمال الموت سيهدم الأسطورة التي تحتاج الجماعة إلى تصديقها، ومن ثمّ فإن التحاقهم به ليس استجابة للحاضر وحده، بل رغبة في إعادة الزمن إلى لحظة العرض الأول، وإطالة نشوة المشهد قبل أن يُكشَف معناه الواقعي، ويتصل بذلك حضور "المرّة الأولى" في الخاتمة، فبعد زمن دائري يعيد الجسد إلى النار تدّعي الجماعة أنها تبلغ للمرة الأولى إدراكًا حسيًّا جديدًا "شممنا عطرنا للمرّة الأولى"، وهكذا تتجاور دائريّة التكرار مع وهم البداية، في مفارقة تكشف أن الوعي المغلق يعجز عن رؤية أنه يكرر موته، فيتوهم كل احتراق ولادة واكتشافًا، وتكمن قسوة القصيدة في أنها لا تترك خارج الدائرة فضاء واضحًا للنجاة، فلا يظهر طريق بديل، ولا صوت من الخارج، ولا شخصية ترفض الاصطفاف، غير أن هذا الغياب نفسه يصبح دالًّا؛ فالنص يرسم عالمًا بلغت فيه الفتنة حدّ احتلال المجال كله، حتى غدت إمكانية الابتعاد عن النار فعلًا لا يخطر في ذهن أحد، وبذلك لا يعود المكان خلفية للمأساة، ولكنه يتحول إلى صورة مجسّدة لبنية وعي اختزل الكون في مركز واحد، وسمّى انجذابه القسري إلى ذلك المركز فرحًا.
– 5 –
وعند هذا المستوى، يمكن قراءة "السيد الأكبر" بوصفه أكثر من فرد يتقدم الجماعة إلى الحريق، إنه صياغة مكثفة لعلاقة السلطة بمريديها حين تستمد مشروعيتها لا من قدرتها على إنقاذهم، ولكن من قدرتها على تحويل هلاكها وهلاكهم إلى مشهد جدير بالتصفيق، فصفة "الأكبر" لا تعرّف الرجل باسمه، وإنما ترفعه إلى مرتبة رمزية فوق بقية المسافرين، بينما لا تشرح القصيدة مصدر هذا الامتياز ولا مبرره، إن الغموض هنا جوهري؛ لأنه يفضح آلية السلطة الكاريزمية، فالشخصية لا تحتاج إلى برهان كي تُتبع، ولكن يكفي أن تحتل موقعًا مرئيًّا في اللحظة المناسبة، وأن تؤدي فعلها بجرأة استعراضية، لهذا يخلع "جلبابه القطنيّ" قبل أن "يرتمى في حضنها"، فيتحول الزي البسيط إلى علامة قابلة للقراءة؛ فالجلباب يوحي بالقرب من الناس العادية وربما البراءة، لكن خلعه يجعل الفعل انتقالًا مدروسًا من اليومي إلى الطقسي، وبعد ذلك لا يواجه النار كخطر، بل يرتمي في "حضنها"، وهي استعارة تستبدل علاقة الافتراس بعلاقة الألفة والعناق، ومن خلال هذا التحويل اللغوي يقدّم السيد الأكبر نموذجًا تأويليًّا للنار قبل أن يقدم نموذجًا سلوكيًّا، إنه يعلّم الآخرين كيف يرون الهلاك، لا كيف يواجهونه، ومن هنا تنبع دقة العبارة الجماعية "نجرب في أغانينا أوارَ السيد الأكبر"؛ إذ لا يقولون إنهم سيقلدون جسده أو مصيره، بل ينسبون الأوار إليه، كأن النار أصبحت ملكية رمزية له أو جزءًا من هويته، وبذلك تصير السلطة قادرة على مصادرة حتى الألم المشترك وتسميته باسمها؛ فليس ثمة أوار النار، بل "أوار السيد الأكبر"، غير أن القصيدة لا تجعل هذا الرمز مركز إدانتها النهائي؛ لأن الرجل نفسه ينتهي إلى أن "تأكله النار"، أي أنه ليس سيّدًا عليها بالفعل، وإن بدا كذلك في عين الجماعة، وهذه المفارقة تفكك وهم السيطرة، فالذي يلوّح مبتهجًا لا يمتلك النار، بل هو أحد ضحاياها، غير أن مهارته في تحويل ألمه إلى غناء تغري الآخرين بتأويل سقوطه انتصارًا، ولذلك تفتح القصيدة أفقًا نقديًّا يتجاوز الإحالة المباشرة إلى شخص أو حدث سياسي محدد، إنها تتناول كل خطاب يطلب من أتباعه أن يروا التضحية الملموسة دليلًا على العلو، وأن يستبدلوا مساءلة النتائج بالانفعال أمام الصورة، وفي هذا المعنى تبلغ الخاتمة قيمتها الأخلاقية؛ فالقصيدة لا تدين الناس لأنهم فرحوا فحسب، بل تكشف كيف ينتج الفرح المصطنع قبولًا طوعيًّا بما ينبغي أن يُرفَض، إن الفاجعة لا تكمن في وجود "السيد الأكبر" وحده، ولكنها تكمن في اكتمال نظام رمزي يجعل الجماعة تمنحه حق تسمية النار، ثم يمنحها، في المقابل، وهمًا عابرًا بأنها حين تحترق معه تكون قد "قبضت بالأصابع بهجة الدنيا".
– 6 –
ولا تكتفي القصيدة بتصوير الجماعة وهي تنجرف نحو الفناء، بل تجعل بناءها الإيقاعي نفسه مشاركًا في إنتاج هذا الانجراف؛ فالقارئ لا يقف خارج الحركة ليتأملها في سكون، وإنما تدفعه الجمل المتتابعة إلى الإحساس بتسارعها، وبتضاؤل فرص التوقف داخلها، ويتضح ذلك أولًا في غلبة الأفعال الماضية المتعاقبة "قام السيد الأكبر"، "وارتمى"، "ورأيناه"، "فقلنا"، "فقمنا"، "وشبّكنا"، "وارتمينا"، "وتغنينا"، "ولوّحنا"، "شممنا"، "تذوّقنا"، إن هذه السلسلة الفعلية لا تتيح زمنًا كافيًا للتأمل بين فعل وآخر؛ فكل خطوة تبدو كأنها تستدعي التالية بصورة آلية، حتى يصبح الانتقال من المراقبة إلى الارتماء في النار نتيجة إيقاعية قبل أن يكون نتيجة قرار واعٍ، وتؤدي الواو المتكررة وظيفة خاصة في هذا السياق؛ فهي لا تصل بين الأحداث فحسب، بل تمحو الفواصل النفسية والأخلاقية التي كان يمكن أن تنشأ بينها، فحين يقول الشاعر "ورأيناه وهو تأكله النارُ/ وتلقيه إلى أعلى وتلقفه وهو مبتهج"، ينساب فعل الاحتراق وفعل التلقي والابتهاج في مجرى تركيبي واحد، كأن العنف والفرح وجهان لحركة واحدة لا تستوجب التوقف أو الاعتراض، ثم تبلغ هذه الآلية ذروتها في مشهد الجماعة "وارتمينا/ فرحين بدغدغات النار في الجلد المشقق/ وتغنينا/ ولوّحنا بأيدينا"، إن تقطيع الأسطر هنا لا يكسر الاندفاع، بل يكشفه؛ فكل فعل يُفرَد في سطر أو شبه سطر، بما يمنحه حضورًا إيقاعيًّا مستقلًا، ثم يدفعه فورًا إلى الفعل الذي يليه، وهكذا يتحول التقطيع إلى ضربات متلاحقة تشبه حركات طقس جماعي، لا إلى فسحات للتفكير، كذلك يتأسس الإيقاع على مفارقة بين خفة الأفعال وثقل نتائجها؛ فألفاظ مثل "دغدغات" و"تغنينا" و"لوّحنا" تنتمي إلى عالم اللعب والبهجة والحركة العفوية، لكنها تجاور "النار" و"الجلد المشقق"، فتجعل الإيقاع المرح قناعًا صوتيًّا لتجربة موجعة، ومن هنا تتبين القيمة النقدية للغنائية في النص، فليست الغنائية احتفالًا باللغة، ولكنها وسيلة لكشف قدرة الإيقاع على تحويل الجماعة إلى جسد واحد يستجيب للنداء قبل أن يختبر معناه، حتى تكرار كلمة "النحيلة" في "أصابعنا النحيلة في أصابعنا النحيلة" لا يؤدي وظيفة وصفية محضة، بل يبطئ العبارة لحظة؛ كي يلفت إلى هشاشة الأجساد المتشابكة، قبل أن يعيدها الفعل "وارتمينا" إلى اندفاعها، ويبدو كأن القصيدة تمنح القارئ عبر هذا التباطؤ العابر فرصة لرؤية ما لا تراه الشخصيات، أي أن تلك الأيدي ليست قوية لأنها متماسكة، وأن غناءها لا يلغي تشقق الجلد الذي يفضح كلفة البهجة، لذلك فإن الإيقاع هنا لا يزين الدلالة، ولكن يجسد بنيتها، فكلما ازداد الغناء والحركة واتصال الأفعال ازداد انطفاء المسافة النقدية بين الذات وفعلها، إلى أن يصبح الاحتراق نهاية يفرضها تتابع الجمل كما يفرضها منطق الفتنة.
– 1 –
بعد أن تتكشف آليات الانجراف في الإيقاع واللغة والسلطة، تبلغ القصيدة مستواها التأويلي الأبعد عبر قلبها الحاد لرمزية النار؛ فالنار في المخيال الإنساني والثقافي رمز متعدد الوجوه، فقد تكون مصدر الدفء والإنارة، أو علامة المعرفة والكشف، أو صورة التطهر والتحول، أو أداة التمرد والثورة، غير أن السماح عبد الله لا يستدعي هذه الإمكانات لكي يثبتها، ولكنه يستدعيها لكي يعرّي قابلية الرمز نفسه للانحراف حين يُسلَّم إلى وعي مفتون، ولذلك لا تظهر النار في القصيدة بوصفها نورًا يبدد عتمة الطريق، ولكن بوصفها حدثًا بدأه شخص مجهول الملامح "حين جا وأشعل الحريقة"، ولفظة "الحريقة" ذاتها بما تحمله من نبرة يومية شعبية تُبْعِد النارَ عن التجريد الأسطوري والاحتفال الفلسفي، إنها ليست نارًا مهيبة في فضاء مقدس، لكنها حريق ملموس يهدد الجسد والعالم، غير أن الجماعة تعمل عبر نظرتها ولغتها على ردّها إلى معنى مغاير، ترى "جمالها العريان"، وتصغي إلى "طقطقاتها"، وتبتهج بـ"مهرجان لونها العذريّ"، وهنا تقع المفارقة الأساسية، وهي أن النار ليست حاملة للجمال في ذاتها، بل يصبح الجمال اسمًا يطلقه الوعي عليها حين يفقد معيار التمييز بين ما يضيء وما يلتهم، إن صفة "العذريّ" شديدة الكثافة؛ لأنها تمنح اللهب معنى الطهر والبراءة، في الوقت الذي يصف فيه النص جسدًا "تأكله النار"، وبذلك لا تقف القصيدة عند تصوير الخداع السياسي أو النفسي، بل تمس منطقة أعمق، وهي قدرة اللغة على تطهير العنف رمزيًّا، ثم تقديمه بوصفه بابًا إلى السمو، ويكتمل هذا القلب حين تتخيل الجماعة أن "تعلو بها النار"، ففعل العلو الذي يفترض الارتقاء والتجاوز، يقترن بأداة تدمير لا ترفع الإنسان إلا بوصفه دخانًا ورمادًا، إن القصيدة تعارض، من دون خطاب مباشر، بين صعود حقيقي لا يتحقق إلا بحفظ الإنسان لذاته وحريته، وبين صعود زائف يجعل الهلاك دليلًا على النبل، ومن ثمّ يصبح السؤال الأخلاقي الكامن في النص أشد من سؤال النار ذاتها، وهو بأي وعي يستقبل الإنسان الرموز التي تحكم وجدانه؟ وهل يستطيع أن يميز بين نار المعرفة ونار الفتنة؟ وبين التضحية الحرة والاندفاع الذي تصنعه العدوى؟ إن القصيدة لا تجيب بتقريرٍ جاهز، لكنها تجعل القارئ شاهدًا على انهيار هذا التمييز داخل الجماعة، فحين تقول "ونقبض بالأصابع بهجة الدنيا"، تضع صورة القبض الحسي المحدود إزاء ادعاء امتلاك "بهجة الدنيا" كلّها، وهو تضخم تخييلي يسبق السقوط؛ لأن الأصابع التي ظنت أنها تقبض على العالم هي نفسها "النحيلة" والمهددة بالاحتراق، لذلك تنتهي القصيدة إلى أن الخطر ليس في النار حين تكون نارًا، ولكن الخطر في اللحظة التي تُسمّى فيها نار الهلاك عطرًا ورحيقًا، ويُنظَر إلى تلاشي الذات ليس بوصفه خسارة إنسانية، ولكن بوصفه أول معرفة ممكنة بها.
الخاتمة:
تكشف هذه الدراسة أن قصيدة "حين جا وأشعل الحريقة" تبني رؤيتها النقدية من خلال تحويل الحريق إلى بؤرة تتكثف فيها أزمة الوعي الجمعي؛ فقد بينت القراءة أن النص لا يعالج فعل الاحتراق من زاوية مأسوية مباشرة، ولكنه يتتبع المسار الذي يجعل الجماعة تعيد تأويل الخطر في صورة فتنة، ثم تستبطن هذا التأويل حتى يصبح الغناء والاحتفال والاندفاع الجماعي أشكالًا لقبول الهلاك، ومن هنا تتجاوز القصيدة دلالتها الحدثية لتلامس بنية إنسانية أوسع، تتصل بقابلية الجماعات للانقياد حين تستبدل مساءلة الواقع بالانفعال أمام الصورة الكاريزمية والخطاب الجمالي.
كما أوضح التحليل أن بناء القصيدة يقوم على تضافر عناصرها الفنية المتمثلة في حركة الضمائر، وتسلسل الأفعال، والإيقاع المتسارع، وتشكيل المكان، والمفارقة الرمزية للنار، ولا تعمل هذه العناصر منفصلة، بل تنتظم في بنية واحدة تكشف انتقال الجماعة من التعدد إلى الذوبان، ومن إمكان الاختيار إلى طقس مغلق لا يتيح للذات أن ترى حقيقة مصيرها، وبذلك تتجلى القيمة الفنية للقصيدة في قدرتها على جعل الشكل الشعري نفسه حاملًا للرؤية؛ إذ تتحول اللغة والإيقاع والصورة إلى وسائل لكشف آليات الفتنة، وليس إلى أدوات للزخرف أو الوصف.
ومن ثم فإن القصيدة تطرح سؤالًا أخلاقيًّا ونقديًّا عن الشروط التي تجعل الإنسان قابلًا أن يتنازل عن وعيه باسم البهجة أو الخلاص أو الارتقاء، وهذه الرؤية تمنح نص السمّاح عبد الله طاقته الدلالية؛ لأنه لا يكتفي بإدانة السلطة المحرِّضة، بل يضع الجماعة أيضًا أمام مسؤوليتها عن المعنى الذي تمنحه لما يحدث لها، ومن ثمّ تظل القصيدة نصًّا يحذّر من اللحظة التي يفقد فيها الوعي قدرته على التمييز بين ما ينقذه وما يفنيه، وتكشف هذه القصيدة جانبًا مميزًا من تجربة السمّاح عبد الله الشعرية، يتمثل في قدرته على تكثيف الرؤية الاجتماعية والأخلاقية داخل مشهد شعري قصير، وعلى تحويل اللغة اليومية والصورة الحسية إلى أداة نافذة لكشف هشاشة الوعي الجمعي ومفارقات انقياده.
حين جا وأشعل الحريقة.
شعر: السمّاح عبد الله
كنا مسافرين كل في طريق
حين جا وأشعل الحريقة.
..........................................
فالتففنا حولها
محدقين في جمالها العريانِ وهي تعلو
وكأنا قد أُخذنا بغتةً بطقطقاتها
ومهرجان لونها العذريّ
قام السيد الأكبر فينا خالعا جلبابه القطنيَّ
وارتمى في حضنها وهْوَ يغني
ورأيناه وهُوْ تأكله النارُ
وتلقيه إلى أعلى وتلقفه وهُوْ مبتهجٌ
كان يغني لا يزالُ
ولا يزال ملوّحا بيديه في فرحٍ بغنوته
فقلنا: يا ترى لِمَ لا نجرب في أغانينا أوارَ السيدِ الأكبرِ
كي تعلو بنا النارُ
ونقبض بالأصابع بهجة الدنيا؟
فقمنا مثل دائرة حواليها
وشبّكنا أصابعنا النحيلة في أصابعنا النحيلةِ
وارتمينا
فرحين بدغدغات النار في الجلدِ المشققِ
وتغنينا
ولوّحنا بأيدينا
شممنا عطرنا للمرّة الأولى
تذوّقنا رحيقه.