أحمد رجب شلتوت - هوية تنهض من الركام

هوية تنهض من الركام
أحمد رجب شلتوت
تمثل رواية "الولد الذي حمل الجبل فوق ظهره" علامة بارزة في مشروع الروائي "مصطفى البلكي"، ففيها يعيد صياغة سؤال الهوية والانتماء والوجود في سياق سردي مشحون بالطاقة الشعرية الكامنة في اللغة، واستدعاء العجائبي والأسطوري، وأيضا التوغل في الواقع الاجتماعي المصري، وخصوصاً الصعيد الذي يمثل في أعمال البلكي البنية المكانية والروحية التي تتخلق منها الشخصيات والأحداث.
تدور الأحداث حول شخصية الطفل منصف، وهو كائن تتقاطع داخله الذاكرة والحلم، ويجد نفسه أمام عبء رمزي يتمثل في حمل الجبل فوق ظهره. ومن خلال مغامراته داخل القرية القديمة والمهجورة، يواجه شخصيات تنتمي إلى عالم الأحياء والأموات في ذات الوقت، مثل الشيخ أيوب، الرجل ذي الجلباب الأزرق، وأطفال ينهضون من تحت الحجارة. كل لقاء يفتح باباً جديداً للأسئلة عن الحياة والموت، عن الزمن والذاكرة.
الجبل الذي لا يسقط
يختصر عنوان الرواية العبء التاريخي والهوية، فالولد تمثيل رمزي للجيل الجديد، المولود في الظلّ الثقيل للماضي، أما "الجبل" فهو تراكم الكوارث، والحكايات القاتلة، والسلطة الأبوية المنهارة، العنوان بهذا المعنى يؤسس لنص ينشغل بكيفية حمل الجبل وأيضا بتفكيك دوافع حمله.
ومن بين أبرز مشاهد الرواية قول الجدّ أيوب:
."كنتُ أتمنى أن تفيدني الحكايات في حياتي، لكن الحكايات قتلتني"
تختزل هذه الجملة الموقف الجذري للرواية من الحكاية التقليدية: لم تعد وسيلة للفهم أو بناء الهوية، وإنما أصبحت وسيلة دفن رمزي، تخفي التصدعات.
سؤال الذاكرة
يبني البلكي روايته على تداخل فني وجمالي بين الحياة والموت، الماضي والحاضر. فالموتى يتكلمون، يراقبون، يُفتَرض حضورهم، في حين يبدو الأحياء خافتين، وحضور الموتى هنا ليس حنينًا بقدر ما هو اتهام للحاضر، وإدانة لمجتمع آثر الصمت على الفعل، القرية نفسها تتحول إلى ك كيان روحي منهار، والبيوت المهجورة أجساد مريضة تنتظر من يفتح جراحها.
مثلا، يتأمل الجد أيوب جسده العاري، ويقرأ تجاعيده، هنا يظهر تحول جذري في الرواية: فالجسد يصبح بديلًا عن المرويات الكبرى، كذلك يتموضع جسد "منصف" في بنية الرواية ككائن طوطمي، يحتك بالأشياء، يتنفس المكان، يستشعر الحجارة والنباتات، ويتحول إلى مرآة حسية لجسد القرية المنهك. هذه المزاوجة بين الجسد الفردي والجماعي تمنح الرواية طاقة تأويلية ثقافية وشعرية فريدة.
المكان والأسطورة والعجائبي
المكان في الرواية كائن يختزن الصمت، من الغرف المغلقة إلى العتبات المهدمة، ومن الجدران المتآكلة إلى الجلباب المعلق، يتحول المكان إلى موقع للمواجهة، لذا يصبح المكان في الرواية بطلا رئيسيا. والجبل والقرية والنهر يشكلون ثلاثية مكانية تُعيد إنتاج العلاقة بين الإنسان والطبيعة، والقرية القديمة المهجورة تصبح رمزاً لذاكرة منفية، يحاول منصف أن يستعيدها عبر مغامراته.
هذه الأنْسَنة للمكان، وهذه الشاعرية في تشكيله، تجعل من الدخول إلى البيت المهجور فعلاً شبيهًا بالدخول إلى الذات، واستعادة النبض من بين الركام. كذلك نجد توظيف الأسطورة في الرواية أداة لكشف الواقع. الجبل هنا كيان حيّ، له صوته وسلطته، والعجائبي يتجلى في الأحداث التي تبدو غير قابلة للتفسير الواقعي، لكنه يصبح داخل النص جزءاً من منطق السرد الشعبي. والأساطير المحلية تبدو أداة لفهم الحاضر. أيضا أسهم استدعاء الأمثال والحكايات الشعبية في تشكيل نسيج الرواية.
اللغة الحلمية
لغة الرواية محمّلة بكثافة شعرية واضحة، تتجاوز السرد التقريري إلى السرد الإيحائي الذي يراهن على المجاز والرمز، البلكي يكتب بوعيٍ يزاوج بين السرد الحكائي المتدفق وبين ومضات شعرية تمنح النص بعداً جمالياً يثري التجربة، هذا التكثيف الشعري رقيق، فيه من الحلم كما فيه من الحدة. فالجمل تتوالد عبر التداعي والتأمل وليس عبر السرد التقليدي. نقرأ:
."العجوز لا تأكل من الحاضر، بل تذهب إلى وجبة جاهزة في الماضي"
تكذيب السارد الواحد
تعتمد الرواية بنية سردية متعددة الأصوات، فنجد تداخلاً بين الراوي العليم وأصوات الشخصيات التي تحمل وجهات نظر متعددة، هذه البنية تضع كل رواية موضع شكّ. الطفل، الجد، أيوب، وحتى الموتى، جميعهم يحكون، وكل صوت ينقض أو يُعيد تأويل الآخر.
كذلك تتقاطع الأزمنة، فالزمن في الرواية يتنقل بين الماضي البعيد واللحظة الآنية، مما يخلق إحساساً بالديمومة، ويعكس فكرة استمرارية العبء، ربما لذلك يستخدم الكاتب ما يمكن تسميته بتقنية المرآة، حيث تبدو شخصية منصف مرآة لأجيال سبقت، فنجده يعيد إنتاج أسئلتهم ومخاوفهم داخل جسده الطفولي، ومنصف ليس طفلًا عاديًا، ولا مجرد مستقبلٍ لحكايات الكبار، بل هو فاعل رمزي يعيد تفكيك العلاقة مع الموروث، يدخل البيوت المهجورة، يرافق الأشباح، يقرر من ينجو ومن يُنسى.
هواجس الهوية
تُعالج الرواية مسألة الهوية من زوايا متعددة، فهي تربط بين الفرد والجماعة، بين الماضي والحاضر، وبين المحلي والإنساني. منصف، من خلال حمل الجبل، يصبح رمزاً لهوية مثقلة بالذاكرة والتاريخ، لكنها في الوقت نفسه تمنحه معنى ورسالة. هكذا تعكس الرواية أن الهوية ليست معطى ثابتاً، بل سيرورة دائمة التشكّل عبر المواجهة مع الماضي والآخر، ومع الذات ذاتها.
جماليًا، الرواية لا تبهر بالعجائبية، لكنها تنسج رؤاها من صمت الجدران، وحفيف الجلباب، وهمسات الموتى.
وثقافيًا، تشتبك مع أنساق السلطة، وتكشف آليات التواطؤ الرمزي، وتفتح المجال لتأويل لا يتوقف، بهذا المعنى، فإن "الولد الذي حمل الجبل فوق ظهره" هي نصّ مقاومة ثقافية وجمالية بامتياز، يدفعنا إلى أن نعيد النظر في الحكايات التي كادت تقتلنا. ويحرّضنا على مساءلة "الجبل" الذي يحمله الولد، وتدفعه ليس إلى إنزاله، وإنما إلى فهم تكوينه، وربما تفجيره.)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى