علي سيف الرعيني -| بلاغة الصمت في الادب العربي !!

ثمة اعتقاد شائع بأن الأدب فن الكلام وأن قيمة الكاتب تقاس بقدرته على امتلاك اللغة وتوليد الصور وصياغة الجمل غير أن التجربة الأدبية في مستوياتها الأكثر نضجًا تكشف مفارقة تستحق التأمل ليست الكلمات وحدها هي التي تصنع دلالة النص فقد يكون لما لم يقَل أثر يفوق أحيانا أثر ما قيل
من هنا يبرز الصمت بوصفه ظاهرة جمالية وسردية وشعرية لا باعتباره انقطاعًا عن الكلام وإنما باعتباره علامة دلالية لها حضورها داخل بنية النص
والصمت الأدبي ليس واحدًا في وظائفه أو أشكاله فصمت الشخصية الروائية يختلف عن صمت القاص، وصمت الشاعر لا يشبه صمت المكان أو الراوي. ولذلك فإن التعامل معه بوصفه مجرد "غياب للكلام" يحرم النص من إحدى أكثر آلياته تعقيدًا
السؤال النقدي الحقيقي إذن ليس: لماذا لم تتكلم الشخصية؟
بل ماذا صنع الصمت داخل النص؟ وما الذي أتاحه للكاتب والقارئ معًا؟
ولنبدأ بالصمت في الرواية حين يصبح المسكوت عنه جزءًا من الحكاية
تملك الرواية مساحة واسعة للحوار والوصف والاستبطان وتعدد الأصوات، ولهذا فإن الصمت فيها لا يظهر غالبًا بصورة مباشرة، وإنما يعمل داخل شبكة من العلاقات السردية.
وقد يكون الصمت وسيلة لبناء الشخصية قبل أن يكون وسيلة لبناء الحدث
فالشخصية التي ترفض الإجابة، والتي تتجنب الاعتراف، والتي تغير موضوع الحديث، أو تكتفي بالنظر بدل الكلام، تقدم للقارئ معلومات نفسية واجتماعية لا يقدمها الحوار الصريح
وهنا يتحول الصمت إلى أداة لتشكيل الشخصية من الخارج إلى الداخل
فالروائي لا يقول بالضرورة إن الشخصية تعاني الخوف أو القهر أو الندم، وإنما يجعل القارئ يستنتج ذلك من سلوكها الصامت. وهذا الاستنتاج أكثر أهمية من المعلومة المباشرة لأنه يجعل القارئ يمارس فعل التأويل بدل تلقي المعنى جاهزًا
وفي نماذج من الرواية العربية الحديثة، ارتبط الصمت كذلك بالتحولات السياسية والاجتماعية وبأجواء القمع والمنفى والحرب والاغتراب. فهناك شخصيات لا تصمت لأنها لا تريد الكلام، وإنما لأنها تعرف أن الكلام قد تكون له كلفة
وهنا ينتقل الصمت من المستوى النفسي إلى المستوى السياسي والاجتماعي
الصمت يصبح علامة على الخوف والخوف يصبح علامة على بنية اجتماعية أوسياسية أوسع
وبذلك يستطيع الروائي أن يجعل شخصية واحدة صامتة، بينما يتكلم المجتمع كله من خلفها
ومن التقنيات المهمة في الرواية أيضًا ما يمكن تسميته بالفراغ أو البياض السردي؛ أي أن يتعمد الكاتب عدم تقديم بعض المعلومات أو يقفز فوق حدث مركزي، أو يترك فجوة زمنية لا يفسرها مباشرة
وهذه التقنية تضع القارئ أمام مهمة استكمال ما لم يقله السرد
لكن نجاحها مشروط بأن تكون الفجوة منتجة للدلالة لا مجرد نقص في المعلومات
فالروائي الذي يخفي حدثًا لكي يخلق التوتر يختلف عن روائي يعجز عن بناء الحدث. الأول يستخدم الصمت كأداة فنية، والثاني يترك فراغًا لا يحمل وظيفة
ومن هنا تصبح جودة الصمت مرتبطة بقدرة الكاتب على زرع إشارات خفية داخل النص
القصة القصيرة والصمت بوصفه اقتصادا فنيا
إذا كانت الرواية قادرة على الاستطراد فإن القصة القصيرة محكومة بالاختزال والتكثيف ولذلك يصبح الصمت فيها أكثر حساسية
القاص لا يملك رفاهية شرح حياة الشخصية من بدايتها إلى نهايتها ولهذا يعتمد على اللحظة الكاشفة
قد يدخل شخص إلى غرفة يقرأ رسالة يطويها ثم يخرج دون كلمة
انتهى المشهد، لكن الحكاية لم تنته
ماذا قرأ؟ لماذا تغير وجهه؟ من أرسل الرسالة؟ ولماذا اختار الصمت؟
هنا يبدأ النص الحقيقي خارج الجملة المكتوبة
وهذه إحدى أهم جماليات القصة القصيرة: أن الحدث الظاهر قد يكون صغيرًا، بينما يظل الحدث النفسي الكبير مختبئًا خلفه
إن القاص الماهر لا يقدم للقارئ حياة الشخصية كاملة وإنما يقدم شظية منها قادرة على استدعاء الحياة كلها
ولهذا يصبح الحذف في القصة القصيرة تقنية جمالية لا مجرد اختصار
ومن أكثر أشكال الصمت القصصي تأثيرا النهاية المفتوحة أو النهاية التي لا تقدم تفسيرًا نهائيًا
فبدل أن يقول القاص للقارئ ماذا حدث قد يضعه أمام صورة أخيرة: باب يُغلق شخص يمضي في الطريق هاتف لا يجيب، كرسي فارغ أو نظرة طويلة لا يتبعها كلام
هذه النهاية لا تنهي القصة بقدر ما تنقل مسؤولية إكمالها إلى القارئ
وهنا يتحول القارئ من متلقٍ إلى مؤوِّل وشريك في إنتاج المعنى
لكن النهاية المفتوحة ليست غموضا مجانيا فالكاتب الجيد لا يترك جميع الأبواب مغلقة بل يترك بابًا واحدًا أوأكثر مفتوحًا ويضع على الطريق ما يكفي من العلامات لكي يستطيع القارئ الدخول
وعن الصمت في الشعر العربي من المعنى المنطوق إلى المعنى الموحى
تصبح المسألة أكثر تعقيدا لأن الصمت لا يوجد فقط خارج الكلام، وإنما يمكن أن يتشكل داخل اللغة الشعرية نفسها
فالصورة الشعرية لا تقدم معناها دائمًا بصورة مباشرة، والاستعارة لا تقول الشيء باسمه، والرمز يفتح مجالًا من الدلالات دون أن يغلقه
ولهذا فإن الشعر العربي قديمه وحديثه يتيح مساحة واسعة لدراسة الصمت باعتباره جزءًا من آلية الإيحاء
في الشعر التقليدي، قد يعمل الصمت من خلال الحذف والإضمار والاقتصاد في العبارة بينما توسع الشعر الحديث في استثمار البياض والانقطاع والتداعي وتعدد مستويات الدلالة
وفي تجارب شعرية عربية حديثة لم تعد القصيدة مطالبة بأن تقدم معنى واحدا يمكن تلخيصه بسهولة بل أصبحت أحيانًا بنية مفتوحة تتجاور فيها الأصوات والصور والرموز ويصبح ما بين الجمل والأسطر جزءًا من عملية القراءة
وهنا يمكن القول إن الصمت الشعري هو المسافة بين الدال وما يتركه من مدلولات محتملة
فحين يقول الشاعر الليل لا ينتهي المعنى عند الليل بوصفه زمنًا طبيعيًا فقد يتحول إلى وحدة أو خوف أو انتظار أو اغتراب بحسب السياق الشعري
والشاعر لا يحتاج دائمًا إلى شرح هذه التحولات؛ لأن قوة الشعر تكمن في قدرته على الإيحاء بها
مايقودنا الى الحديث عن الصمت والإيقاع
ولا يمكن دراسة الصمت الشعري بعيدا عن الإيقاع
فالسكتة والانقطاع وتغيير طول الجملة وتوزيع الأسطر وحتى الوقفة التي يفرضها الوزن والقافية كلها عناصر تجعل الصمت حاضرًا داخل الموسيقى الشعرية
إن الموسيقى ليست أصواتًا فقط؛ فكما في الموسيقى العالمية، للسكتة وظيفة إيقاعية، كذلك في الشعر قد يكون التوقف جزءًا من المعنى
وقد تكون العبارة أكثر تأثيرا عندما تأتي بعدها لحظة صمت يتولى فيها القارئ استكمال الانفعال
فيما قد يصبح الصمت كخطاب اجتماعي وسياسي
من أكثر المناطق إثارة في دراسة الصمت الأدبي انتقاله من الوظيفة الجمالية إلى الوظيفة الاجتماعية
فالشخصية التي لا تستطيع الكلام قد تمثل إنسانًا حُرم من صوته. والمرأة التي تصمت أمام سلطة اجتماعية قد لا يكون صمتها اختيارًا فرديًا، وإنما نتيجة منظومة كاملة من القيود. والشخصية التي تتجنب الحديث عن قضية سياسية قد تكون شاهدة على زمن جعل الكلام مخاطرة
وعلينا ان نفهم الصمت الإختياري والإجباري
وهذا التفريق مهم جدا
فالصمت الاختياري قد يدل على الحكمة أو الكبرياء أو التأمل أو الرفض، بينما الصمت القسري قد يكون علامة على القمع والخوف والتهميش
وقد ينجح الأدب في تحويل هذا الصمت القسري إلى كلام غير مباشر فيتكلم النص نيابة عن الشخصية التي مُنعت من الكلام
ومن هنا يصبح الصمت أحيانا شكلًا من أشكال المقاومة
ليس لأنه يواجه السلطة بالصوت وإنما لأنه يرفض أن يمنحها اعترافًا كاملًا، أو يحتفظ للذات بمساحة داخلية لا تستطيع السلطة اقتحامها.
كما وانه لايقتصر الصمت على البشر
فالبيت في الرواية قد يصمت والشارع قد يصمت والمدينة قد تتحول إلى مساحة صامتة وحتى الطبيعة يمكن أن تؤدي وظيفة صامتة داخل النص
وهنا لا يعود المكان مجرد إطار تجري فيه الأحداث وإنما يصبح حاملا نفسيا ودلاليا
غرفة مغلقة قد توحي بالعزلة، بيت مهجور قد يستدعي الذاكرة، مدينة خالية قد تعكس الخوف، ومقهى صامت قد يحمل تاريخًا من العلاقات التي انتهت
وبذلك يصبح المكان قادرًا على الكلام من خلال صمته
ولعل أهم ما يفعله الصمت في الأدب أنه يعيد تعريف علاقة القارئ بالنص
فعندما يشرح الكاتب كل شيء، تكون مهمة القارئ أقرب إلى الفهم. أما حين يترك فراغات محسوبة فإن المهمة تصبح التأويل
وهنا يكتسب النص حياة إضافية خارج سلطة مؤلفه
فكل قارئ قد يرى في الصمت معنى مختلفًا، بحسب تجربته وذاكرته وحساسيته تجاه اللغة
لكن هذا لا يعني أن كل تأويل ممكن بالدرجة نفسها؛ فالنص يضع حدودًا لتأويله من خلال السياق والعلامات والبنية
ولهذا فإن النص الجيد لا يمنح القارئ حرية بلا حدود، وإنما يمنحه حرية داخل نظام دلالي
وهنا ينبثق سؤال مهم وهو متى يفشل الصمت؟
وللإجابة على هذا السؤال فإنه ينبغي الاشارة الى ما إذا كان الصمت عنصرا جماليا مهما فإن الإفراط فيه قد يحوله إلى مشكلة فنية
فليس كل غموض عمقا وليس كل حذف تكثيفا وليس كل شخصية قليلة الكلام شخصية عميقة
قد يلجأ بعض الكتاب إلى الغموض اعتقادًا منهم أنه يمنح النص قيمة نقدية، بينما يكون الغموض في الحقيقة نتيجة ضعف في البناء أو عدم وضوح في الرؤية
الصمت المؤثر إذن هو الصمت الذي يُنتج معنى
أما الصمت الذي لا يترك أثرا سوى الحيرة فهو فراغ لا بلاغة فيه
وهنا تظهر خبرة الكاتب في معرفة الحدود الدقيقة بين الإخفاء والإبهام، وبين الإيحاء والتعقيد، وبين ترك مساحة للقارئ وحرمانه من أدوات القراءة
وفي الختام وحين يصبح الصمت لغة ثانية
يمكن النظر إلى إليه في الأدب العربي بوصفه لغة ثانية تعمل إلى جوار اللغة المنطوقة
في الرواية قد يبني شخصية أو يكشف قمعًا أو يخلق فجوة سردية
وفي القصة قد يختصر تاريخًا كاملًا في مشهد أويصنع نهاية مفتوحة تواصل الحكاية داخل ذهن القارئ
وفي الشعر، قد يتحول إلى بياض وإيقاع وإيحاء ومسافة بين الكلمة ودلالتها
وبهذا لا يعود السؤال عن الصمت سؤالًا حول ما لم يقله الكاتب وإنما حول ما استطاع أن يقوله من خلال عدم القول
إن الأدب العظيم لا يضع كل أسراره على الطاولة لأنه يعرف أن بعض المعاني تموت حين نشرحها أكثر مما ينبغي
ولهذا تبقى بعض الروايات في الذاكرة بسبب شخصية لم تتكلم وبعض القصص بسبب نهاية لم تشرح نفسها وبعض القصائد بسبب صورة شعرية ظلت معلقة بين القول والتأويل
فالكلمة تقول شيئًا أما الصمت فيفتح احتمالات
والكاتب المتمكن ليس من يعرف كيف يتكلم فقط وإنما من يعرف متى يتكلم ومتى يحذف، ومتى يترك للقارئ أن يسمع في الصمت صوتًا آخر
وهنا تكمن بلاغة الصمت
أن يتحول المسكوت عنه من فراغ في النص إلى حضور ومن غيابٍ للكلام إلى شكلٍ آخر من أشكال القول !!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى