رانية مرجية - المفتاح الذي أضاعه الزمن قراءة في «شقاء الهناء» لإياد الحاج

لماذا نكتب الشعر حين يصبح العالم أقلّ قابليةً للكلام؟

في غزة، حيث صار الدم جغرافيا، وفي اليمن والعراق وسوريا وليبيا وأفغانستان، وفي الضفة حيث يُقتلع الإنسان من بيته، يبدو الشعر، للوهلة الأولى، ترفًا لا يليق بزمن الضرورة. ماذا تستطيع القصيدة أمام الجوع والحرب والاقتلاع؟

لكن لعلنا لا نكتب الشعر رغم الخراب، بل لأن الخراب يهدد بأن يمحو الإنسان مرتين: من المكان ومن الذاكرة.

من هنا تبدو «شقاء الهناء» لإياد الحاج أوسع من قصيدة وجدانية؛ إنها قصيدة عن الزمن حين يُختطف، والمكان حين يُفقد، والذاكرة حين تصبح الملاذ الأخير.

تبدأ:

«ماذا فعلْتَ بي يا فاقدَ العقل
ماذا فعلْت؟!»

ثم تأتي العبارة المفتاح:

«خَطفتَني مِنْ زماني»

ليس من مكانه فقط، بل من زمانه. فالإنسان لا يسكن المكان وحده؛ يسكن الزمن أيضًا. وحين يُختطف من زمانه، يفقد استمرارية ذاته.

لذلك:

«فضاعَ منِّي الوقت
مُتأنّيًا
على عَجَل»

مفارقة تختصر طبيعة الزمن العاطفي: ما نعيشه ببطء يبدو، بعد فواته، خاطفًا.

ثم:

«في نورِ الظّلامِ
تبعثرت»

فالظلام هنا هو نور الفقد؛ ذلك الضوء الذي لا نراه إلا حين تغيب الأشياء. نعرف قيمة البيت بعد أن يصبح ذكرى، وقيمة الزمن بعد أن يصير ماضيًا.

ثم ينتقل الخطف من الزمن إلى المكان:

«خَطفتَني مِنْ مكاني»

ويأتي الباب:

«أقفلْتَ بابي بمفتاحِك»

الباب هو حدّ الانتماء والمنفى، والمفتاح هو إمكان العودة. لكن المفتاح لا يبقى مع الشاعر؛ يُلقى في:

«حَوْشِ دار جدّي»

ثم تبتلعه البئر:

«سرًّا في البئرِ حَفظْتَهُ»

وهنا تبلغ القصيدة إحدى ذراها الرمزية: المفتاح لم يَضِع؛ لقد حُفظ.

البئر تصبح بئر الذاكرة، و«دار الجد» تصبح المكان الأول، الأصل الذي تحفظ فيه الذات ما عجزت الحياة عن الاحتفاظ به.

لهذا أرى أن المفتاح هو قلب القصيدة. فهناك باب مغلق، ومكان مفقود، وزمن مفقود، وماضٍ يحتفظ بإمكان العودة. والقصيدة نفسها تبدو كأنها محاولة لاستخراج المفتاح من البئر.

كل التفاصيل اللاحقة — الحصيرة، والمصطبة، ومسند القش، وسيجارة الجد، ودخان الجبل، والحارة — ليست نوستالجيا عابرة؛ إنها أجزاء من ذلك المفتاح.

ثم تأتي الصورة الأجمل:

«أنْ يجلسَ الزّمنُ
على “حصيرةِ” جدّي،
على “المصطبة”»

الشاعر لا يريد أن يتوقف الزمن فقط؛ يريد أن يجلس.

إنه يحوّل الزمن من قوة تلتهم الأعمار إلى ضيف يجلس في بيت الجد، يستند إلى القش، ويُكرمه الجد بسيجارة.

في الحياة، الزمن سيد والإنسان عابر.

أما في القصيدة، فالإنسان يستضيف الزمن.

وهنا يفعل الشعر ما لا تستطيع الحياة فعله: يجعل الزمن، ولو للحظة، تحت رحمة الذاكرة.

حتى الرائحة:

«ويتجاوزَ عطرُها “الحارة”»

ليست تفصيلًا حسيًا؛ إنها وسيلة عبور. فالرائحة تستطيع أن تعيد الإنسان إلى مكان لم يعد يستطيع العودة إليه. وكذلك الشعر: لا يروي الماضي فحسب، بل يمنحه حضورًا حسيًا جديدًا.

ثم تأتي المحاكمة:

«ماذا فعلت؟
وماذا جنيت؟
وماذا أخذت؟
وماذا أبقيت؟»

هنا ينتقل النص من اتهام الآخر إلى مساءلة الذات. لم يعد السؤال: ماذا فعل بي الآخر؟ بل: ماذا فعلتُ أنا بما فعله الزمن بي؟

وتبلغ القصيدة ذروتها:

«هل كانَ طعمُ التُّفاحةِ يستحقُّ
شقاءَ الهناء؟!»

التفاحة هنا ليست مجرد غواية؛ إنها ثمن المعرفة. لقد عرف الشاعر طعم الهناء، ولذلك عرف حجم فقده.

ومن هنا يتضح العنوان:

شقاء الهناء ليس شقاءً خارج السعادة، بل شقاء السعادة حين تصبح ماضيًا.

كلما كان الهناء أعمق، كان فقده أشد.

أما «السناء» في الخاتمة:

«هل كانَ العُمرُ يستحقُّ
أنْ يمضيَ
دونَ عزاءِ السّناء»

فهو الضوء الذي يمنح العمر معناه، ويجعل عبوره محتملًا.

وهنا تعود القصيدة إلى سؤالها الأول: لماذا نكتب الشعر؟

نكتب لأننا نعجز عن إيقاف الزمن في الحياة، فنحاول إيقافه في اللغة.

قد يُهدم البيت، لكن القصيدة تقول: كان هنا بيت.

قد يغيب صاحبه، لكن القصيدة تقول: كان له اسم.

قد تُمحى الحارة، لكن اللغة تستعيد رائحتها.

وقد يُلقى المفتاح في البئر، لكن القصيدة تقول:

لم يَضِع.

إنه محفوظ في الذاكرة.

ولعل هذا هو سر الشعر كله: أنه لا ينقذنا من الفقد، لكنه يمنع الفقد من أن يكون نهايةً كاملة.

وفي «شقاء الهناء»، لا يحاول إياد الحاج أن يستعيد ما مضى كما كان؛ بل يمنحه حياة أخرى في اللغة.

وهكذا، حين يعجز الإنسان عن إيقاف الزمن، يكتب.

وحين يُغلق الباب، يتذكر المفتاح.

وحين يضيع المكان، تصير القصيدة مكانًا.

وحين يمضي العمر، يبقى الشعر قادرًا على أن يمنح ما مضى شيئًا من السناء.






Messenger_creation_89007EE2-0316-426F-BD70-1D18892905F5.jpeg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى