الفراودة بين لعنتي الفقد والإلهاء
أحمد رجب شلتوت
اختارت الكاتبة "دينا الحمامي" لروايتها الأولى عنوانا مزدوجا، "الفراودة: سيرة الفقد والإلهاء"، لتخبرنا أن تاريخ القرية كله عبارة عن دورة مكررة من الفقد والإلهاء.
تبدأ الأحداث باختفاء الحاج جميل وكريم. السيارة عند مدخل القرية خالية منهما، ولا يعرف أحدا ماذا حدث لهما، تتعدد الاحتمالات: النداهة، حوريات النهر، الجن. وكل تفسير منها، يؤدي دورا في وعي الجماعة، وما يعجزون عن تفسيره يتحول إلى «لعنة».
وهنا يدخل "الشيخ عبد القادر" بصفته حاملا لمفاتيح الغيب، يبيعهم الأحجبة لمنع اللعنة، بعده يأتي "مير بك"، الذي يملك «سر المستقبل». يأتي بخبرة مختلفة وسماد جديد. وهنا تختفي مفردات اللعنة والسحر لتحل محلها مفردات الإنتاج والوفرة والزراعة والاستثمار. «سماد المعجزات» نفسه تعبير بالغ الدلالة؛ فهو يجمع بين اللغة الحديثة للمنتج الاقتصادي واللغة القديمة للمعجزة. وكأن الرواية تقول إن الخرافة لا تموت بالضرورة عندما تدخل الحداثة. فقط تغير لغتها.
وهنا يبدأ صعود نائل، فنجاحه حقيقي، والرخاء الذي تحققه مشروعاته ليس وهمًا. تتحسن حياة الناس، وتزداد ثقتهم فيه واعتمادهم عليه، إنه ابن الرغبة في الخلاص، مثل عبد القادر ومير بك، لكنه يمثل مرحلة أكثر تقدمًا، فحاول أن يعيد تنظيم حياة الجماعة كلها.
وتكشف الرواية هذه النقلة بوضوح عندما يفوز بالانتخابات، ثم يعلن قرارات صادمة، منها هدم مدرسة القرية واستخدام أرضها للزراعة، ثم بيع المحاصيل القادمة لمير بك. فالمدرسة، التي تمثل المستقبل الحقيقي، تصبح أرضًا زراعية. والتعليم يصبح أقل أهمية من المحصول. والمصلحة العامة تختزل في الإنتاج. وبالتالي فالمجتمع الذي أراد أن يخرج من التخلف يبدأ في التضحية بما يمكن أن يخرجه منه فعلًا.
تضيء علاقة نائل بأبيه جانبًا نفسيًا مهمًا في الشخصية. الأب مارس سلطته باسم التربية، وصادر حق الابن في القبول والرفض. ونائل، الذي عاش هذا الشعور، يريد أن يستعيد حقه في تقرير مصيره. لكنه حين يحصل على القوة يبدأ في مصادرة الحق نفسه من الآخرين. وحين يعجز عن تفسير الأزمة أو مواجهتها، يختلق ملهاة وتسليّة جديدة للناس، ينشغلون بها عنه وعن الواقع. وتزداد القبضة إحكامًا حين يبدأ نائل في التحكم حتى في «جلسات الأنس والصهللة». لم يعد حضور الناس حرًا؛ صار مشروطًا بتذكرة مختومة، وبموافقة تمر عبر مير بك، ثم يجلس الناس لمشاهدة «المجلس الكريم» عبر شاشة تعرض فعالياته.
هنا تتصل سلطة نائل باللعنة الأولى. ففي البداية كان أهل الفراودة يخافون من قوة غامضة لا يستطيعون السيطرة عليها. ثم أصبحوا يخافون من الفقر. ثم من انهيار المشروع. وفي كل مرحلة يظهر من يقول لهم: اتركوا الأمر لي. وهكذا لا تتغير حاجة الجماعة إلى السلطة، وإنما تتغير صورة السلطة التي تلبي هذه الحاجة.
ثم يأتي السياج الذي يحيطون به القرية، وكأنه إعلان عن تحول الإصلاح إلى حصار، فكلما اتسعت قدرة نائل على إدارة الأشياء، ضاقت قدرة الآخرين على الحركة والاختيار، وهنا نعود إلى مفهوم الإلهاء، إن السلطة لا تكتفي بالسيطرة على الأشياء فقط، وإنما تسعى إلى السيطرة على الوعي أيضا.
وفي مقابل هذا كله تقف شقيقته عناية، إذا كان الإلهاء يدفع الناس إلى النسيان، فإن عناية تقاوم بممارسة التذكر، وحين تقول: «كيف حالك في مغيبك يا كريم؟» فإنها لا تتعامل مع الغائب باعتباره ماضيا انتهى، فكريم ما زال حاضرًا في وعيها.
وأيضا يقف الفنان فخر في الجهة المقابلة، فإذا كانت السلطة تريد إعادة تشكيل العالم وفق مشروعها، فإن الفنان يرى العالم كما هو، بكل تناقضاته ونقائصه وتفاصيله الصغيرة. الفنان لا يستطيع إيقاف الجراد، ولا منع الجفاف، ولا إعادة الغائبين، لكنه يستطيع أن يمنح الأشياء وجودًا آخر في الذاكرة.
وأخيرا تأتي الطبيعة لتكشف حدود وهم السيطرة، فالجفاف، ثم الجراد، يضعان مشروع نائل أمام قوة لا يمكن إخضاعها، وهنا تتكشف هشاشة الفكرة التي قامت عليها ديكتاتورية الإصلاح، فالسلطة تستطيع تنظيم البشر، وشراء الولاءات، وتغيير استخدام الأرض، وتعطيل المدرسة، وصناعة الاحتفالات، لكنها تفشل في مواجهة الطبيعة.
ثم تحكي الرواية عن الزواج الافتراضي في المقابر، فبعد أن تعجز الجماعة عن ممارسة الزواج بصورة طبيعية، تلجأ بعض الفتيات والشباب إلى حفلات زواج صورية في المقابر، بحجة إسعاد الموتى قبل هدم قبورهم.
يكشف هذا المشهد عمق الكارثة، فالمجتمع لم يعد قادرًا على إنتاج المستقبل إلا في حضرة الماضي. وفي الوقت الذي يزعم فيه نائل أنه يصنع مستقبل القرية، تكون القرية نفسها قد فقدت قدرتها الطبيعية على تخيل المستقبل.
وفي النهاية تموت الست راضية، لكن شاهندة تلد طفلًا. ثم يعود شريف بعد غياب. وهذه النهاية تقوض فكرة السيطرة من أساسها. فالحياة تستمر بطريقة لا تحتاج إلى مشروع. والإصلاح الحقيقي أن تظل الحياة قادرة على إنتاج احتمالاتها الخاصة. وربما لهذا تضع الرواية الولادة إلى جوار الموت، وعودة الغائب إلى جوار كل الغائبين الذين لم يعودوا. فحين تسقط السلطة التي ادعت معرفة الطريق، يصبح العالم مفتوحًا من جديد.
[HEADING=1]
[/HEADING]
أحمد رجب شلتوت
اختارت الكاتبة "دينا الحمامي" لروايتها الأولى عنوانا مزدوجا، "الفراودة: سيرة الفقد والإلهاء"، لتخبرنا أن تاريخ القرية كله عبارة عن دورة مكررة من الفقد والإلهاء.
تبدأ الأحداث باختفاء الحاج جميل وكريم. السيارة عند مدخل القرية خالية منهما، ولا يعرف أحدا ماذا حدث لهما، تتعدد الاحتمالات: النداهة، حوريات النهر، الجن. وكل تفسير منها، يؤدي دورا في وعي الجماعة، وما يعجزون عن تفسيره يتحول إلى «لعنة».
وهنا يدخل "الشيخ عبد القادر" بصفته حاملا لمفاتيح الغيب، يبيعهم الأحجبة لمنع اللعنة، بعده يأتي "مير بك"، الذي يملك «سر المستقبل». يأتي بخبرة مختلفة وسماد جديد. وهنا تختفي مفردات اللعنة والسحر لتحل محلها مفردات الإنتاج والوفرة والزراعة والاستثمار. «سماد المعجزات» نفسه تعبير بالغ الدلالة؛ فهو يجمع بين اللغة الحديثة للمنتج الاقتصادي واللغة القديمة للمعجزة. وكأن الرواية تقول إن الخرافة لا تموت بالضرورة عندما تدخل الحداثة. فقط تغير لغتها.
وهنا يبدأ صعود نائل، فنجاحه حقيقي، والرخاء الذي تحققه مشروعاته ليس وهمًا. تتحسن حياة الناس، وتزداد ثقتهم فيه واعتمادهم عليه، إنه ابن الرغبة في الخلاص، مثل عبد القادر ومير بك، لكنه يمثل مرحلة أكثر تقدمًا، فحاول أن يعيد تنظيم حياة الجماعة كلها.
وتكشف الرواية هذه النقلة بوضوح عندما يفوز بالانتخابات، ثم يعلن قرارات صادمة، منها هدم مدرسة القرية واستخدام أرضها للزراعة، ثم بيع المحاصيل القادمة لمير بك. فالمدرسة، التي تمثل المستقبل الحقيقي، تصبح أرضًا زراعية. والتعليم يصبح أقل أهمية من المحصول. والمصلحة العامة تختزل في الإنتاج. وبالتالي فالمجتمع الذي أراد أن يخرج من التخلف يبدأ في التضحية بما يمكن أن يخرجه منه فعلًا.
تضيء علاقة نائل بأبيه جانبًا نفسيًا مهمًا في الشخصية. الأب مارس سلطته باسم التربية، وصادر حق الابن في القبول والرفض. ونائل، الذي عاش هذا الشعور، يريد أن يستعيد حقه في تقرير مصيره. لكنه حين يحصل على القوة يبدأ في مصادرة الحق نفسه من الآخرين. وحين يعجز عن تفسير الأزمة أو مواجهتها، يختلق ملهاة وتسليّة جديدة للناس، ينشغلون بها عنه وعن الواقع. وتزداد القبضة إحكامًا حين يبدأ نائل في التحكم حتى في «جلسات الأنس والصهللة». لم يعد حضور الناس حرًا؛ صار مشروطًا بتذكرة مختومة، وبموافقة تمر عبر مير بك، ثم يجلس الناس لمشاهدة «المجلس الكريم» عبر شاشة تعرض فعالياته.
هنا تتصل سلطة نائل باللعنة الأولى. ففي البداية كان أهل الفراودة يخافون من قوة غامضة لا يستطيعون السيطرة عليها. ثم أصبحوا يخافون من الفقر. ثم من انهيار المشروع. وفي كل مرحلة يظهر من يقول لهم: اتركوا الأمر لي. وهكذا لا تتغير حاجة الجماعة إلى السلطة، وإنما تتغير صورة السلطة التي تلبي هذه الحاجة.
ثم يأتي السياج الذي يحيطون به القرية، وكأنه إعلان عن تحول الإصلاح إلى حصار، فكلما اتسعت قدرة نائل على إدارة الأشياء، ضاقت قدرة الآخرين على الحركة والاختيار، وهنا نعود إلى مفهوم الإلهاء، إن السلطة لا تكتفي بالسيطرة على الأشياء فقط، وإنما تسعى إلى السيطرة على الوعي أيضا.
وفي مقابل هذا كله تقف شقيقته عناية، إذا كان الإلهاء يدفع الناس إلى النسيان، فإن عناية تقاوم بممارسة التذكر، وحين تقول: «كيف حالك في مغيبك يا كريم؟» فإنها لا تتعامل مع الغائب باعتباره ماضيا انتهى، فكريم ما زال حاضرًا في وعيها.
وأيضا يقف الفنان فخر في الجهة المقابلة، فإذا كانت السلطة تريد إعادة تشكيل العالم وفق مشروعها، فإن الفنان يرى العالم كما هو، بكل تناقضاته ونقائصه وتفاصيله الصغيرة. الفنان لا يستطيع إيقاف الجراد، ولا منع الجفاف، ولا إعادة الغائبين، لكنه يستطيع أن يمنح الأشياء وجودًا آخر في الذاكرة.
وأخيرا تأتي الطبيعة لتكشف حدود وهم السيطرة، فالجفاف، ثم الجراد، يضعان مشروع نائل أمام قوة لا يمكن إخضاعها، وهنا تتكشف هشاشة الفكرة التي قامت عليها ديكتاتورية الإصلاح، فالسلطة تستطيع تنظيم البشر، وشراء الولاءات، وتغيير استخدام الأرض، وتعطيل المدرسة، وصناعة الاحتفالات، لكنها تفشل في مواجهة الطبيعة.
ثم تحكي الرواية عن الزواج الافتراضي في المقابر، فبعد أن تعجز الجماعة عن ممارسة الزواج بصورة طبيعية، تلجأ بعض الفتيات والشباب إلى حفلات زواج صورية في المقابر، بحجة إسعاد الموتى قبل هدم قبورهم.
يكشف هذا المشهد عمق الكارثة، فالمجتمع لم يعد قادرًا على إنتاج المستقبل إلا في حضرة الماضي. وفي الوقت الذي يزعم فيه نائل أنه يصنع مستقبل القرية، تكون القرية نفسها قد فقدت قدرتها الطبيعية على تخيل المستقبل.
وفي النهاية تموت الست راضية، لكن شاهندة تلد طفلًا. ثم يعود شريف بعد غياب. وهذه النهاية تقوض فكرة السيطرة من أساسها. فالحياة تستمر بطريقة لا تحتاج إلى مشروع. والإصلاح الحقيقي أن تظل الحياة قادرة على إنتاج احتمالاتها الخاصة. وربما لهذا تضع الرواية الولادة إلى جوار الموت، وعودة الغائب إلى جوار كل الغائبين الذين لم يعودوا. فحين تسقط السلطة التي ادعت معرفة الطريق، يصبح العالم مفتوحًا من جديد.
[HEADING=1]
[/HEADING]