البحث عن العزاء فى استدعاء الذكريات قراءة فى "حبات الرمان" مجموعة قصصية للكاتبة سارة القصبى (1) بقلم مصطفى فودة

البحث عن العزاء فى استدعاء الذكريات
قراءة فى "حبات الرمان" مجموعة قصصية
للكاتبة سارة القصبى (1)
بقلم مصطفى فودة
“حبات الرمان”هى المجموعة القصصية الأولى(2) للكاتبة والشاعرة سارة القصبى، وتتكون من إحدى وعشرين قصة، بعنوان لافت، وهو عنوان القصة العشرون من المجموعة"حبات الرمان تتفرط بدقة شديدة، ثمرة رمان ناضجة حمراء تقف فى مطبخها الذى رصد بعناية كل خواطرها الصامتة... كل حبة صغيرة هى قصة فى تكوينها“ومن ثم يشير عنوان المجموعة حبات الرمان باعتباره معادلا لخواطر وذكريات الساردة وحكاياتها وقصصها وهو الخيط الرابط بين قصص المجموعة، تقيم الساردة موازاة بين القطرات الحمراء الدقيقة من حبات الرمان وبين بقع الدماء بين يديها عندما زارها الحيض الأول،واستدعت القصة ثمرة الرمان من الميثولوجيا اليونانية فى أسطورة حب بيرسفونى أوالفتاة العذراء حين أحبها هاديس (إله العالم السفلى) وأغواها بأكل الرمان فحكم عليها بقضاء ستة أشهر مع أمها ديمتر على سطح الأرض وستة أشهر بالعالم السفلى .
شكلت ثيمة الذكريات واستعادة الماضى ثيمة رئيسية بالمجموعة فغلبت تقنية استعادة الماضى (الفلاش باك) بالقصص ففى القصة الأولى “ كاميرا كوداك” تستعيد الساردة طفولتها واكتشاف أن لها أخ وأخت من أبيها حين عثرت على كاميرا صغيرة ماركة كوداك وحقيبة سوداء بحجرة أبيها بعد موته واطلعت على صورهما مع أبيها بنيجاتيف الكاميرا وقرأت عبارة أبيها (إلى أبنائى شهيرة ومصطفى أحبكما كثيرا ) على أوراق صفراء بالحقيبة وقد ألقتها أمها فى القمامة ولم تستطع الساردة الطفلة استعادتها، وبالقصة الأخيرة ”مجرد مرافق” وتمثل متوالية للقصة الأولى حيث ترافق الساردة أباها بعربة إسعاف من المستشفى حتى وفاته، وفى قصة التيه تستعيد الساردة تجربة ولادتها لابنتها بعملية قيصرية بالمستشفى كما تستعيد البحث عن هويتها عن طريق البحث عن اسمها واسم جدها القصبى الكبير والذى يتطابق مع اسم جد الكاتبة، بالقصة الثالثة ”فستان الزفاف” استعادت الساردة ذكرى شراء فستان زفاف لصديقتها، وصدمتها فيها عندما علقت الصديقة على ترك حبيب الساردة لها ”أراد أن يجد فرصة أفضل منك، وتجربة أكثر روعة من حالك”ص18.
بالمجموعة شعور بالإغتراب، فى قصة “الرحلة” قامت روزى بزيارة بلدتها القد يمة وهناك شعرت بالإغتراب القاسى فى غياب أمها عن المنزل، وأشارت إلى مسمار كان يمزق ملابس أمها ظل فى مكانه عالقا ومعادلا موضوعيا للذكرى والإغتراب لدى الساردة، وفى قصة “أرغفة الحب” تستعيد الساردة ذكرياتها مع بيت جارتها التى كانت تدعوها للجلوس مع بناتها الثلاث حول مائدة متخمة بالسكينة، أهرب من منزلنا المحكم بالقيود لأجد نفسى بين حنان تلك المرأة”، فى قصة الغريب تناولت لقاء الساردة بشاب غريب هب بمساعدتها للأمساك بصبى حاول سرقة كيس نقود لسيدة عجوز، وقد أملت فى عودة ذلك الغريب إليها بعد سؤاله عن اسمها وسكنها، وفى قصة راديو اللعنات يلعن السارد الإزعاج الذى يسببه راديو الجيران المرتفع، وإزعاج أحدى الجارات وصراخ ابنها الممسوس ويردد الراوى اللعنة على البشر، كما ورد شعوربالإغتراب فى قصة التيه والبحث عن أصول عائلتها .
كما تناولت قصص المجموعة معاناة المرأة وقهرها وظلمها من زوجها وأسرتها ومجتمعها فى القصة السابعة “آمال” وقد أساء زوجها إليها وعاملها بفظاظة وإذلال أثناء مرضها وطردها من منزل الزوجية وأحل زوجة أخرى شابة محلها، وفى قصة "المرحوم" فتحت الزوجة نافذة غرفة زوجها عقب موته لأول مرة منذ ثلاثين عاما وكانت تخشى فتحها بأمر من زوجها، كما تناولت قصة "رحم مُعار" عذاب الحقن المجهرى للزوجة هالة لعدم حملها طبيعيا وإصرار زوجها علي إجراء الحمل المجهرى لها والذى ترفضه الزوجة وتتمنى فشله لكراهيتها لزوجها، وبضغوط منه ومن أسرتها أجرت عملية الحقن وانتهت بفشلها وسط سعادة الساردة بذلك الفشل وطلبت الطلاق بلا لحظة تردد.
قصة "بطولة" هى من أطرف قصص المجموعة وربما تناسب الأطفال، حيث يحكى الصغير لأمه حكاية الذئب والأرنب مستعينا بالتكنولوجيا الحديثة، حيث يضبط الذئب الأرنب الذى يسرق الجزر والخضار منه، مستعينا بكاميرات المراقبة ويستعد لأكله، فيرسل الأرنب استغائة لأمه عبر هاتفه المحمول موضحا مكانه والتى تحضر ومعها سكين وتنقذ الأرنب الصغير،كما تضمنت المجموعة قصص قصيرة جدا تحت عنوان أقدار( حريق، شوق، لقاء،اختناق)، وتحت عنوان فقط وردة (غفلة ، انتظار، شبح)، وتحت عنوان انتقام (حقيبة ، قصة شعر، فريق كرة).
ربما تتشابه قصة جميلة والوحش بهذه المجموعة مع قصة زبيدة والوحش للأستاذ سعيد الكفراوى، لكن القصة هنا تختلف تماما إذ تتعرض جميلة لكابوس متكرر إذ يحتضنها وحش ويلتف حول جسدها بإحكام بذيله الطويل، ولكنها تعشقه “أريد أن أرى الوحش”، فى قصة سعيد الكفراوى الوحش حقيقة واقعية يتمثل فى العجل الذى يُعشِّر أربع بقرات فى يوم واحد وتعشقه زبيدة ويمثل لها معادلا موضوعيا لرجلها خاصة أنها أرملة وليس لها أبناء، أما فى القصة هنا فالوحش حلم أو كابوس والساردة جميلة تعشقه أيضا ”أريد أن أرى الوحش”وكلا القصتان تتصلان بالتعبير الجنسى بالحلم أواللاوعى عند فرويد .
اللغة والأسلوب والوصف :
كانت اللغة بقصص المجموعة بالفصحى البسيطة فى السرد والحوار، ففى حوار قصة الغريب”أبشرى فقد حلت عقدتك يا فتاة”، وفى قصة كاميرا كوداك قالت الساردة لأمها “لن أسامحك أبدا ..لن أغفر لك ما حدث”، وكان الحوار بالعامية فى مواضع قليلة مثل نصيحة الأم لابنتها فى قصة حقيبة سفر”اوعى تنامى، لحد يسرقك ولا يخطفك” ص44 ، وقد اتسمت اللغة بالجمال الفنى فى مواضع كثيرة بالقصة مثل الأسلوب الاستعاري والتشبيهى فى “ أضاء وجهى بتوهج جذب فراشات النور”، وبقصة مجرد مرافق تصف الساردة مشاعر أمها عند وفاة أبيها”أمى تجلس بوجه خال من المشاعر" ، وقد أجادت الساردة الوصف الخارجى للشخصية مثل وصف الشاب الغريب فى قصة الغريب”وبدت ملامحه باردة التعبير وصوته الأجش القوى، كأنه مصارع فى العصور الوسطى”، كذلك وصف السيدة فى قصة أرغفة المحبة بجرمها وبصوتها “بجسدها الممتلئ.. بصوتها الجهورى ولسانها اللاذع بلهجة جنوبية قاسية ” ص27، وهناك نوع من المفارقة بين وصف المرأة الخارجى وصوتها وبين عطفها وحنانها على الساردة، كما اتسم السرد بالمشهدية وهو واضح بالأمثلة السابقة وأمثلة أخرى.
غلب التعبير بضمير الأنا بالقصص فكان صوت الراوية المشاركة وهى الشخصية الرئيسية وعبرت بصوتها مع مشاركة بعض الشخصيات الأخرى، وفى قصة الرحلة على سبيل المثال مزجت الساردة بين ضمير الغائب العليم وبين ضمير المتكلم” فى مشهد واحد”سقطت روزى على السرير .. بينما اعتدلت أنا أيضا على سريرى العتيق، أتأمل حياة روزى”ص25 ، فى قصة حقيبة سفر غلب المنولوج الداخلى بين فتى وفتاة متجاورين فى سيارة أجرة أثناء سفرهما بضميرين هو وهى .
هناك بعض هنات قليلة بالمجموعة القصصية لا تقلل من فنيتها وجودتها منها على سبيل المثال : سرد أسطورة بيرسفونى كاملة فى قصة حبات الرمان لوجود إشارة إلى ثمرة الرمان بين القصة والأسطورة، وكان يكفى الإشارة إلى موضع ثمرة الرمان بالأسطورة التى تتعلق بالقصة، كذلك كان هناك إسرافا فى تصدير كل قصة بعبارة مشهورة لأحد الكتاب أو الشعراء، ونرى أن العبارة المصدرة تُضيق أو توجه مجال التخييل والتأويل بالقصة فضلا عن وجود بونًا كبيرًا أحيانًا بين العبارة المصدرة والقصة، هناك أكثر من خيط سردى مفصل فى قصة التيه مما أفقد القصة توترها وكثافتها وهى من الخصائص الأساسية للقصة القصيرة .
ختمت الكاتبة المجموعة بشكر خاص إلى الكاتب العظيم سعيد الكفراوى”إلى إبى الروحى راهب القصة، كم تمنيت أن ألقاك، حين قرأتك أبصرت روحى”.
أخيرا نجحت الكاتبة فى تقديم مجموعة قصصية بارعة بلغة فنية جميلة وأسلوب سردى مشهدى جذاب ووصف موجز ومعبر للشخصيات .
____________________________________________________________________
سارة القصبى :
1-شاعرة مصرية وقاصة ومترجمة حاصلة على ليسانس كليةال تربية قسم اللغة الإنجليزية بالعريش جامعة قناة السويس، حبات الرومان أولى المجموعات القصصية لها، كما لها مقالات أدبية ونقدية بموقع الكتابة .
2- المجموعة القصصية حبات الرمان صدرت عام 2025 عن بيت الياسمن للنشر فى 95 صفحة وتتكون من 21 قصة .
See less

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى