شريف محي الدين إبراهيم - إضاءة نقدية في «هلوسة (3)» لمحمد صوالحة

في «هلوسة (3)» يواصل محمد صوالحة بناء عالمه السردي من منطقة ملتبسة بين الحلم والواقع، حيث لا يعود الشارع مجرد مكان، ولا المدينة مجرد خلفية للأحداث، وإنما يصبح كل منهما مرآةً للإنسان وما يخفيه خلف وجهه الظاهر.

يبدأ الراوي رحلته بحثًا عن شيء يشبهه في هذه المدينة.
حيث يفتح الباب أمام الدلالة الأعمق للنص.
البحث هنا عن شارع يتحول تدريجيًا إلى بحث عن الذات.

وتظهر هنا مفارقة غريبة إذ أن الشوارع النظيفة ينفر منها الراوي، بينما ينجذب إلى الحفر والمطبات والأوراق وأعقاب السجائر.
الفوضى في هذا السياق ليست مجرد تشوه بصري، وإنما صورة لواقع أكثر صدقًا من التجميل المصطنع فالراوي يجد نفسه في المدينة حين تتخلى عن مساحيقها.

ثم يأتي العجوز، كأحد الوجوه القديمة للمدينة، وكأنه حارس لذاكرتها المنسية.
ومن خلاله تتسع الرؤية ، فالمدينة التي تُرتب نفسها أمام المسؤول ليست المدينة التي يعرفها أهلها، إنها مدينة ترتدي ثوبًا مزيفا أمام السلطة، ثم تخلعه بمجرد أن يرحل.

وهنا تتوهج الجملة: «أننا نعمل لأجل المسؤول لا لأجل المدينة». إنها ليست مجرد عبارة سياسية داخل الحوار، وإنما مفتاح للمفارقة التي يبني عليها صوالحة نصه.

القصة تتحرك في ثلاث مراحل:
البداية: هلوسة فردية
الراوي يبحث عن شارع يشبهه. يبدو الأمر في البداية كأنه تجربة نفسية خاصة به، أو حلم/هلوسة يعيشها وحده.
المنتصف: حقيقة اجتماعية
عندما يلتقي بالعجوز، يكتشف أن ما يراه ليس مجرد اضطراب داخلي؛ هناك واقع اجتماعي حقيقي خلفه: مدينة تتجمل أمام المسؤول، ومشروعات لا تصل إلى الأحياء المنسية، وعمل يُنجز لإرضاء المسؤول لا لخدمة الناس.
النهاية: العودة إلى الحلم
الراوي ينام على الرصيف وينتظر «زائر المدينة»، فتعود القصة مرة أخرى إلى أجواء الحلم والهلوسة.

فأي صورة هي الحقيقة؟
الصورة الرسمية المصطنعة، أم الصورة اليومية التي يعيشها الناس؟

واللافت أن الكاتب لا يضع فكرته في قالب خطابي، بل يجعل المكان والشخصية والحوار يتكفلون بكشفها.
لذلك تبدو مظاهر التطوير نفسها ــ الحديقة ومدينة الألعاب والمطعم ــ جزءًا من لعبة الواجهة، بينما يظل السؤال الحقيقي معلقًا في الخلفية: لمن تُبنى المدينة، ولمن تصبح جميلة؟

وربما تكمن إحدى نقاط قوة النص في هذا التداخل بين السياسي والرمزي، ولهذا يظل عنوانها «هلوسة» مفتوحًا على أكثر من معنى؛ إذ قد تكون الهلوسة هنا ليست اختلالًا عن الحقيقة، وإنما طريقًا إليها.

النهاية تعيد النص إلى فضائه الأول، حين ينام الراوي، لكنه لا يهرب من المدينة؛ يظل منتظرًا، وكأن دورة الوهم ستتكرر.

هذه القصة في رأيي أوضح وأكثر مباشرة من «هلوسة (1)»، لكنها لا تفقد البعد الرمزي. قوتها الأساسية أنها تبدأ من بحث عبثي عن «شارع يشبهني»، ثم يتحول الشارع إلى مرآة اجتماعية وسياسية.

في «هلوسة 3» صوالحة يجعل المدينة شبيهة بالإنسان: لها وجه تريه للآخرين، ووجه آخر لا يظهر إلا حين ينصرفون.
ومن خلال البحث يكتشف الراوي أن الشارع لم يكن سوى مرآة، وأن المدينة التي كان يبحث عنها في الخارج كانت تحمل في داخلها شيئًا منه.

وبين البداية والنهاية يظل القارئ أمام سؤال لا يجيب عنه النص مباشرة: أيهما أكثر صدقًا؛ المدينة التي تتجمل أمام المسؤول، أم المدينة التي تستعيد وجهها الحقيقي بعد رحيله؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى