عائشة أبو ليل - "الجوع إلى جناح غائب " ... رؤية تأويلية في قصة «الحمامة» للأديب القاص أحمد عبدالله إسماعيل

يكتب أحمد عبدالله إسماعيل في «الحمامة» عن كائنٍ صغير يحمل على جناحيه ذاكرةً إنسانيةً أكبر من حجمه؛ فالحمامة، منذ أن عرفها الإنسان، ظلت صورةً للسلام، وعلامةً على الأمان، ورسالةً بيضاء تعبر فوق خرائط الحروب والخصام. لكن أحمد إسماعيل يأخذ هذا الرمز من فضائه الواسع، ويضعه داخل بيتٍ صغير، قريبًا من القلب، ثم يتركه يواجه مصيره.

وهنا تكمن قسوة الحكاية.

فالسلام حين يصبح قريبًا منا نحبه، وحين يُذبح أمام أعيننا نكتشف كم كنا نحتاج إليه.

وبلغة سردية هادئة، يفتح أحمد إسماعيل جرحًا لا يبدو في بدايته سوى حكاية حمامة، ثم يتسع شيئًا فشيئًا حتى يصبح سؤالًا عن البراءة، والأمان، والخسارة، وعن الإنسان حين يكتشف متأخرًا أن بعض ما يفقده لا يمكن استعادته.

إنها قصة قصيرة في حجمها، لكنها تترك وراءها جناحًا أبيض يحلق طويلًا في الذاكرة، ودمًا لا يجف بسهولة على سلم الحكاية.

تبدو «الحمامة» في ظاهرها حكاية صغيرة عن طفلٍ أحب حمامة بيضاء، ثم عاد ذات يوم ليجدها جثةً فوق تلال الأرز. لكن أحمد إسماعيل يترك لنا من هذه الحكاية الصغيرة بابًا واسعًا ندخل منه إلى منطقة أكثر وجعًا؛ حيث لا يكون الموت نهاية الكائن، بل بداية اكتشاف الإنسان لما حوله.

كانت الحمامة مستودع أسرار الراوي، تصغي إلى حزنه، وتشارك فرحه، حتى غدت جزءًا من ذاكرته وشيئًا من أمانه. وحين يسألها: «هل تدركين معنى أن يأتمنك إنسان على قلبه؟» يبدو كأنه يسأل العالم كله عن معنى الأمانة.

ثم يأتي الدم.

لا نرى الذبح، ولا السكين، ولا لحظة الموت. نرى فقط الدم على السلم.

وهنا تكمن قوة المشهد؛ فالدم يسبق الطفل إلى البيت، كأن الحقيقة قررت أن تستقبله قبل أن يستقبله أحد. في تلك اللحظة، لا يعود البيت هو البيت الذي خرج منه صباحًا. لقد انكسر شيء لا يُرى، شيء يتصل بالأمان نفسه.

ثم تأتي المائدة.

الحمامة التي كانت بالأمس كائنًا حيًا يخاطب وجدانه، أصبحت اليوم جثةً صامتة فوق الأرز. وفي هذه المفارقة يبلغ النص أقصى درجات قسوته: حين يتحول ما كان محبوبًا إلى شيء قابل للاستهلاك، وحين تقف الذاكرة في وجه العادة، فلا يستطيع القلب أن يرى في الصحن طعامًا.

لذلك غادرت الشهية، وبقي الجوع.

لكن الجوع هنا ليس إلى الطعام؛ إنه جوع الروح إلى ما فقدته. جوع إلى جناحٍ لن يرفرف، وإلى هديلٍ لن يعود، وإلى زمنٍ كان فيه العالم يبدو أكثر رحمة.

ومن هنا تتجاوز الحمامة حدودها داخل القصة، لتصبح صورة للبراءة حين نكتشف قيمتها بعد فوات الأوان. فالإنسان لا يتألم فقط حين يفقد شيئًا، بل حين يدرك أن ما فقده كان جزءًا من عالمه، وأن غيابه سيغيّر شكل الأشياء من حوله إلى الأبد.

الطفل لم يفقد حمامة فقط؛ لقد فقد يقينه بأن البيت مكانٌ لا يحدث فيه الموت، وأن اليد التي تمنح الحنان لا يمكن أن تحمل في لحظة أخرى سبب الفقد.

ولهذا فإن أقسى ما في القصة ليس موت الحمامة، بل ما تركه موتها في قلب من أحبها.

فالحمامة ماتت مرة واحدة، أما الراوي فظل يكتشف موتها كلما تذكرها.

وهنا تكمن دهشة النص:

الذي مات لم يكن الحمامة وحدها.
مات شيء من البراءة.
شيء من الأمان.
وربما مات في قلب الطفل ذلك الجزء الذي كان يظن أن العالم، مثل الحمامة، يمكن أن يأتمنه على قلبه.

وحين ينتهي النص بالجوع، ندرك أن بعض الخسارات لا تترك وراءها قبورًا، بل تترك في الروح مكانًا فارغًا لا يمتلئ.
مكانًا على هيئة جناح.
وهديلًا بعيدًا.
وبيتًا، منذ ذلك اليوم، لم يعد كما كان.


عائشة أبو ليل
Rédiger

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى