ھدى حجاجي أحمد - بين الغموض والإبداع: صرخة قارئ في وجه الفوضى الأدبية قراءة نقدية في نص "النملة الحُبلى" للدكتور بسام الخالد

لا يكتب الدكتور بسام الخالد هنا مقالًا نقديًا تقليديًا بقدر ما يكتب شهادة احتجاج أدبية، أو ربما صرخة قارئ ضاق ذرعًا بما يراه من فوضى لغوية تُقدَّم أحيانًا على أنها إبداع حديث. فمنذ السطور الأولى لا يضعنا أمام نصوص بعينها، بل أمام ظاهرة كاملة أخذت تتسلل إلى بعض المنابر الثقافية، حيث أصبح الغموض غاية في ذاته، وصارت المفردة الغريبة تُعامل بوصفها إنجازًا فنيًا، حتى لو فقدت علاقتها بالمعنى.

يبدأ النص بعرض نماذج لغوية متراكمة الصور:

"غرفة تتثاءب للريح... باب ملتهب المفاصل... جدران سماوية الخلايا..."


وهو لا يكتفي بعرضها، بل يضعها أمام القارئ كما تُعرض قطعة أثرية مثيرة للجدل، ثم يترك العقل يتساءل: أين تنتهي الاستعارة ويبدأ العبث؟ وأين يصبح الانزياح اللغوي كشفًا جماليًا، وأين يتحول إلى مجرد تراكم لفظي لا يضيف إلى المعنى شيئًا؟

تكمن قوة النص في أنه لا يحاكم الحداثة الشعرية ذاتها، بل يحاكم إساءة استخدامها. فالدكتور بسام لا يهاجم الصورة الشعرية المركبة، ولا يرفض الرمز أو التجريب، وإنما يرفض أن يتحول الغموض إلى ستار يُخفى خلفه ضعف التجربة وضبابية الرؤية. ولهذا جاءت سخريته لاذعة لكنها واعية، إذ يستخدم المبالغة نفسها التي ينتقدها ليكشف هشاشتها.

وتبلغ السخرية ذروتها في عنوان النص نفسه: "النملة الحُبلى". فالعنوان ليس مجرد عبارة طريفة، بل مفتاح رمزي للمقال كله. فحين يقول:

"رأيت نملة حبلى.. على ظهر فيل.. ترضع أثداء الشمس"

فهو لا يناقش الصورة الشعرية بوصفها صورة، بل يناقش آلية إنتاج الدهشة المصطنعة. فالكاتب يرى أن بعض النصوص الحديثة تسعى إلى الإدهاش بأي ثمن، حتى لو كان الثمن هو التضحية بالمنطق الفني وبالعلاقة الطبيعية بين الصورة والدلالة.

واللافت أن النص لا يصدر عن ناقد أكاديمي يجلس خلف مصطلحاته النظرية، بل عن قارئ. وهذه نقطة جوهرية في بنية المقال. فالدكتور بسام يتعمد إعلان موقفه:

"إنني لست ناقدًا أدبيًا ولست شاعرًا، وإنما أنا قارئ..."

وهنا تتحول القراءة إلى سلطة أخلاقية وثقافية. إنه يدافع عن حق القارئ في الفهم، وحقه في التواصل مع النص دون أن يُتهم بالقصور أو الجهل إذا لم يستوعب تراكيب لغوية منفصلة عن سياقها الإبداعي.

كما يطرح النص قضية أعمق من مجرد نقد بعض النماذج الأدبية؛ وهي العلاقة بين الكاتب والمتلقي. فالأدب، في جوهره، فعل تواصل، وحين يصبح النص مغلقًا تمامًا على نفسه، غارقًا في متاهة من الصور غير المبررة، فإنه يفقد جزءًا كبيرًا من وظيفته الإنسانية.

ومن الناحية الفنية، يعتمد المقال على السخرية الذكية أكثر من اعتماده على التحليل الأكاديمي. فهو يبني منطقه النقدي من خلال المفارقة والأسئلة الاستنكارية والتعليقات اللاذعة، مما يمنحه حيوية خاصة ويجعله قريبًا من القارئ العام دون أن يفقد عمقه الفكري.

ومع ذلك، فإن النص يثير سؤالًا مشروعًا: هل كل غموض مرفوض؟ بالطبع لا. فالتاريخ الأدبي مليء بالنصوص العميقة التي تحتاج إلى تأمل وتأويل. غير أن الفرق كبير بين الغموض الناتج عن ثراء التجربة وتعقيد الرؤية، والغموض الناتج عن فوضى التعبير وافتعال الإدهاش.

في النهاية، لا تبدو "النملة الحُبلى" مجرد مقالة ساخرة من بعض النماذج الشعرية، بل تبدو دفاعًا عن جوهر الأدب نفسه؛ عن اللغة حين تكون جسرًا لا متاهة، وعن الصورة حين تكون كاشفة لا معتمة، وعن القارئ الذي من حقه أن يجد في النص متعة الاكتشاف لا مشقة الضياع.

لقد نجح الدكتور بسام الخالد في تحويل اعتراضه على ظاهرة أدبية إلى نص ممتع وساخر وعميق في آنٍ واحد، واضعًا إصبعه على واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في المشهد الثقافي المعاصر: هل يُقاس الإبداع بعمق المعنى، أم بمدى قدرتنا على إخفائه؟

✍️ قراءة نقدية:بقلم الكاتبة الروائية هويدا حجاجي أحمد

1783026443900.png










1783026384724.png

النص

النملة الحُبلى!

« غرفة تتثاءب للريح... باب ملتهب المفاصل.. جدران سماوية الخلايا... مكتبة مفككة المسامات.. مزهرية خشبية الجسد.. العبارات أمشاط.. السطور كرنفال برتقالي النهود »!
صورة طبق الأصل لمقاطع سميت « قصيدة ».. تصوروا غرفة مثقلةٌ أجفانُها بالنعاس، تتثاءب للريح، وباب مصاب بالتهاب المفاصل وجدران ملونة الخلايا ومكتبة لها جلد مفكك المسامات ؟!
إن تصوير الشعر بهذه الحالة المرضيّة يعطينا صورة واقعية عن حال الشعر المتردي، هذه الأيام، على أيدي عباقرة « الطب الشعري » وما أكثرهم.. فوق منابرنا الأدبية.
« في الركن كتب وسجائر ومدافئ وأجهزة وأضرحة وصحون فارغة ومسامير وثياب بالية وحضارة وبغل يلتصق بالجدار.. والمدينة » !
مقطع نثري آخر و(معبر) من معابر أحدهم أورده في كتيّب صغير قد يسمى تداعيات أو أفكاراً مشوشة أو سفسطة.. لا فرق!
تخيلوا معي أيضاً عمق العلاقة، في المقطع السابق، بين الكتب والسجائر والمدافئ والأجهزة والأضرحة والصحون الفارغة والحضارة .. و.. البغل ؟!
ألا تدلل جميع هذه المفردات على حالة الرمزية المتطرفة التي يحاول بعضهم إغراقنا بها، لا لشيء، إلا لاستعراض العضلات الإبداعية أمامنا واتهامنا بقصر النظرة التحليلية للأشياء ولإثبات أن هذا الصنف من البشر يتمتع بقدراتٍ خلاّقة على نحت المفردات وإعطائها قيمة حياتية!
« رأيت نملة حبلى.. على ظهر فيل.. ترضع أثداء الشمس »!
لنحاول التعمّق في نظرة صاحب هذا الكلام الثاقبة، ألا تلاحظون أنه يمتلك « ميكروسكوباً » شاعرياً لدرجة أنه يرى نملة حبلى على ظهر فيل... والأنكى من ذلك أنها ترضع أثداء الشمس ؟!
تلك هي المقاطع الأفضل والأصلح للنشر التي اخترتها لتكون دليلاً على تألق الإبداع الأدبي الذي وصل بعضهم إليه في صحافتنا ودور نشرنا وعلى ملتقياتنا ومنابرنا الثقافية!
هذه المقاطع وقعت بين يدي، مصادفة، خلال فترات متتالية، ولأعترف هنا أنني لست ناقداً أدبياً ولست شاعراً، وإنما أنا قارئ له أحاسيسه ومدركاته الذهنية والعقلية التي يستطيع بوساطتها تمييز الغث من السمين.. ومن حقي كقارئ أن أقرأ أدباً واضحاً.. وأشاهد فناً حقيقياً.. من حقي ألا أضيع في زحمة المفردات وضبابية الألفاظ والصور القاتمة، من حقي كقارئ، أن أصرخ في وجه الذين يحاولون تضليلي وتحييد تفكيري إلى تيارات فكرية دخيلة على أدبنا العربي!
من المعروف أن لكل علم من العلوم فنونَه، والعلوم الإنسانية من أرقى العلوم التي يمكن أن تُصنف وتُدرج تحت مقياس هذه الفنون، والفنون الكتابية حصيلة هذا التصنيف، فالشعر شعر، والنثر نثر، وما بينهما اللفظة المنتقاة والموسيقى الداخلية والوزن السليم والإيقاع المتوازن، تماماً كالفارق بين الرقص والمشي.. ولا يدخل ما نقرؤه هذه الأيام، لبعض المزدحمين على دكاكين النشر، تحت أي نوع من أنواع الفنون الكتابية على تنوعها واختلافها.. ومع ذلك يصرخون بقوة: لماذا لا تُنشر كتاباتنا؟!
إنني كقارئ، على الأقل، أقف ضد تشويه أفكاري بمفرداتهم السامة، وأستميحهم عذراً أن مداركي المتواضعة لم تَرقَ بعد إلى مستوى إبداعاتهم!

( د. بسام الخالد - سورية)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى