باسم أحمد القاسم - "عبور النهر" محمّد عُضيمَة والضِفّةُ الثالثة

كلُّ جسرٍ أو قنطرةِ عبورٍ على متن نهرٍ هو ضفّةٌ ثالثة، تتجاوز أنّها سبيلُ عبور إلى كونها منصّةً تتأمّل من على متنها صورةَ وجهك على صفحة مائه الجاري، ووفق انزياحات هذا الاستدلال يبدو محمد عُضيمَة الشاعر والناقد السوريّ الذي قاربَ أكثر من أربعينَ عاماً على الإقامة بين ظهراني أبناء بلاد الشمس المشرقة ، وخرج حتّى اللحظة بحصيلة إصدارات أنجزها خلال هذه المسيرة الاستثنائيّة سوريّاً وعربيّاً، بلغت عشرين كتاباً من جهة الثقافة الأدبيّة اليابانيّة عموماً وأعلام الأدب الياباني ماضياً وحاضراً ، وشؤون فن الهايكو الياباني خصوصاً، قد بلغ بهذه المسيرة ما يمكن أن نعتبرها الضفّة الثالثة التي يقف عليها جمهور الهايكو العربي ويتأمل هذا النهر الواسع مجراه.
إلّا أنّ هذا الاسترجاع لمنجزاته في النقل والترجمة عن ثقافة وآداب الأمّة اليابانيّة، له مناسبةٌ تبلغ بأهميّتها ما ينبغي الاحتفاء به نقديّاً، فحين يصدر كتاباً عن " يوسّا بوسون " يعني أنّه يغلق قوس التوثيق والبحث على ترجماته عن آباء الهايكو الثلاثة بالمقاييس العالميّة ( ماتسو باشو/ كوباياشي إيسّا/ يوسّا بوسون) الذين ملأوا دنيا المهتمّين بأعجوبة الهايكو اليابانيّة في الأمريكيتين والقارة الأوربيّة على حد سواء وقد صنع كلٌّ منهم ضفّته المناسبة للتّأمّل في غزارة وفرادة المنتج الأدبيّ الشعريّ لهؤلاء الآباء وسيرتهم الاستثنائيّة.
فرضيّةُ رأس الديك :
في وقتٍ من شهر آب عام 2018 قمتُ بنشرٍ أوّلَ، لدراسةٍ موسّعة في مجلّة رسائل الشعر الفصليّة، تحت عنوان "وهم المعرفة/ عرب الهايكو ورأس الديك "، كان الاستدلال في هذا العنوان يشير حينها إلى أزمةِ تلقٍ مزمنة تجتاح الهايكويين العرب، من ناحية شحّ المصدر الموثوق وانتشار أفكارٍ وأسس تلفيقية لا تمت لموضوعة الهايكو الياباني بصلة، ولابأس من إعادة هذه المقاربة عن رأس الديك ، حيث يروى أنّ رجلاً أصابه العمى ولم يرَ قبل هذه الإصابة سوى رأسِ ديك، فكان أهله وأقرانه ومن حوله كلّما حدّثوه عن أشياء وأشخاص و مخلوقات هذا الوجود يجيبهم بهذه العبارة " أين هو من رأس الديك ! "، وكانت هذه حالة المقاربة حينها لقصيدة الهايكو عربيّاً حيث جميع المقاربات يتم سحبها باتجاه ما نعرفه عن معايير الشعر وموضوعات الشعريّة في النقد العربي والغربيّ، في حين أنّ الهايكو الياباني يحقق قطيعة شبه كاملة مع هذه المعايير، تلك التي كانت " رأس ديكنا" وكان الجهد بنسبة كبيرة يصبّ باتجاه "أين الهايكو من رأس ديكنا!"، باستثناء جهود فرديّة عند قلّة ممن اطلعوا على هذه الحقيقة في المراجع الغربيّة، جهودٌ حاولت أن تقاوم هذا التيّار انطلاقاً من تقديرهم لقضيّة أنّ التقعيد للهايكو لا يمكن إنجازه من قصائد مترجمة عن اليابانيّة، بل من مصادر نقديّة مضطلعة بهذا الشأن، حيث تقدّمت من اليابانيين أسماءٌ جسّرت وقرّبت وجهات النظر المتباينة بين دوائر النقد الشعري في الغرب ووجهات النظر اليابانيّة في هذا الشأن وكان هذا التجسير باللغتين الإنكليزية والفرنسيّة، عند هذه النقطة يمكن القول بأنّ ما ابتدأه محمّد عضيمة وبشكل تدريجي ومتوازن عبر عقودٍ من الزمن كما سيرد لاحقاً، قد أطاح برأس الديك هذا، آخذاً بذلك منهجاً مستقلّاً لخصوصيّة احتكاكه اليومي بالشأن الأدبي اليابانيّ والاجتماعيّ على حدٍّ سواء، ويتبيّن ذلك للمتابع عبر الحوار الذيٍ أجريَ معه ونُشرَ في كتاب “الذهاب نحو الأقصى" والصادر عام 2021.
استراتيجيّة الشراكة:
لن نبالغ لو اعتبرنا هذا الإصدار الحديث من ترجماته المتخصّصة، غنيمة ً ألقت بها أمواج المعرفة على شواطئ الوعي المقفرة، وربّما لا يدرك هذا التثمين إلّا من انخرط معه في عدوى الهايكو الياباني، فهذه الإصدارات هي ترجماتٌ بغالبيّتها العظمى من اليابانيّة مباشرةً إلى العربيّة وذلكَ بالتعاون مع المستعربين اليابانيين من أهل الاختصاص، وكذلك زوجته " أساكو تاكيدا" وأفراد أسرته في طوكيو، خصوصاً وأنّ الأكثرَ أهميّةً في هذا السياق هي تلك المقدّمات التي تتصدر الترجمات ، حيث تعتبر نطاقاً حيويّاً يفرّغ فيه عُضيمة شحنتَه النقديّة ورؤيته الموضوعيّة متبنيّاً استراتيجيّة الشراكة مع القارئ العربيّ لتجسير العلاقة بينه وبين ثقافة الهايكو الياباني، هذه المقدّمات بدأت تصاعديّاَ بإظهار الملامح الأوّلية للسياق التنظيريّ للهايكو عبر عدّة مؤلّفات وأهمها في هذا الجانب كتاب " سفينة الموت" الصادر في تسعينيات القرن الماضي عن دار " المواقف " بالتعاون مع (كاورو ياماموتو / أساكو تاكيدا) ثمّ انتقلت إلى تقديم اقتراحات ملتبسة وعموميّة تشبه جسّ النبض عند العرب في كتابه الصادر عام 2009 " الهايكو الياباني" حيث أنّ المقدمة تطرح التساؤلات الجدليّة أكثر بكثير من تقديمها إجابات، إلى أن وصلنا إلى مرحلة الترجمات* عن آباء الهايكو، والذي ابتدأ مع كتاب "بريد الهايكو/ كوباياشي إيسّا " الصادر عام 2019 ، امتازت مقدّمة هذا الكتاب بأنّها تخوض في أوهام ترجمة الهايكو الياباني بنسبة عالية من الأمانة السياقيّة والنسقيّة، ليظهر الالتباس الذي تسببت به الترجمات باللغة الفرنسية والانكليزيّة عالميّاً، ولم ينسَ أن يكون مشفقاً على نفسه من هذه الحقيقية، ثم أتت اللحظة الأكثر استثنائيةً وصعوبة حين أصدر بجدارة كتابه ( ماتسو باشو / أعمال الهايكو الكاملة) عام 2022 ، إذ أنّ اليابانيين أنفسهم يتهيّبون الخوض في هذه الأعمال، لقدم عهد النصوص والاختلاف في صيغتها لاتكاء قسمٍ لابأس به على اللهجة والأعرف الاجتماعيّة في تلك الآونة من منصف القرن السابع عشر، واختلاط وجهات النظر بين من يقدّسه شينتويّاً، ومن يتعامل معه كشاعرٍ عظيم وحسب، وقد امتازت مقدّمة هذا الكتاب بتوغّلها بعمقٍ أكبر في معضلة غير اليابانيين في فهم حدثيّة نصّ الهايكو عند أسطورة اليابان الشعريّة " ماتسو باشو" وقدّم مقاربات لمحتواه الموضوعي من زاوية نظر أكثر تقنيّة مما سبق عبر إفراده في المقدمة فصولاً سمّاها " موجز التعاليم والقواعد " وذلك ضمن إطارٍ من الشروحات الأكثر خصوصيّة من سائر المقدّمات السابقة، ثم نأتي إلى مقدّمة الكتاب الذي بين يدينا " عبور النهر صيفاً وفي اليد النعال" والصادر عام2026 لمحمّد عُضيمة بالاشتراك مع المستعرب الياباني " شيون ميياجيما"، حولَ ثالثة الأثافي" يوسّا بوسون" في ميدان الهايكو الياباني الأصيل.
المقدّمة النهائيّة:
تشتمل هذه المقدّمة على مناورة تواصليّة ذكيّة، يتجنّب عبرها د. محمّد عُضيمة تصادمَ وجهة نظره النقديّة مع عشّاق أمثولة بلاد الشمس المشرقة "ماتسو باشو"، حيث أنّه بعد رصد السيرة الشعريّة والذاتيّة للشاعر موضوع الكتاب بطريقةٍ شيّقة ورصينة، قدّم للقارئ أشهر مقالة نقديّة أواخر القرن التاسع عشر "منوعات عن باشو" (Basho Zatsudan) بقلم الشاعر والناقد" ماساوكا شكي" الذي شكّل علامةً فارقة في مسيرة الهايكو الياباني المعاصرة ويعود إليه سبب تسمية " هايكو" لهذا الفنّ العريق، هذه المقالة تفنّد و تحطّ من القيم الجماليّة في هايكو باشو مقابل إعلائها من شأن هايكو " يوسّا بوسون" والذي يفصله عن وفاة "ماتسو باشو" فقط عقدين من الزمن ونيف، وبالمقارنة مع الترجمات الغربيّة، فإنّ نقلها إلى العربيّة تمّ بأمانة عالية رفقة اليابانيّ المستعرب " سيون ميياجيما" وكانت ثمّة هوامش أرفقها عُضيمة لموازنة الرؤيا تجاه هذا الصِدام، ومن هذا المنطلق أعطينا صفة " نهائيّة" لهذه المقدّمة فهيَ بالنتيجة تنهي شحّ المصادر ودقّتها حول الآباء الثلاثة عند الناطقين بالعربيّة، ومن جانب آخر تضع حدّاً للتشدّد المعياريّ الذي بدأت تلوح ملامحه في نقاشات الهايكو العربيّة ما بعد عام 2020، لصالح المفاهيم الكلاسيكيّة والاصطلاحات الموغلة بجماليّات الشعر اليابانيّة بخلفيّاتها الصينيّة والبوذيّة، جاهلةً بأنّ هذه المفاهيم باتت صعبة الادراك والتعريف حتى عند الأجيال المعاصرة في اليابان، مثل ( شيوري/ هاسومي / ساتوري..إلخ) وبالتالي فإن هذه المقدّمة تأخذ الجمهور من حصريّة معياريّة خلّبيّة إلى التعدّد المستند على سيرة آباء الهايكو أنفسهم، وترسّخ عند القارئ أنّه ثمّة حراك نقديّ ياباني أساسهُ الاختلاف على الأسلوبيّة التي يجب أن يقوم عليها نص الهايكو يابانيّاً، وأذكر من خارج مضمون المقدّمة على سبيل المثال: التزمّت بأنّ تكون حدثيّة محتوى الهايكو " هنا والآن" أضف إلى التشدّد في مفهوم " الخبرة وواقعية التجربة " وهي من ركائز مدرسة باشو الأساسيّة، ولكن يوسّا بوسون الذي يقدّس ماتسو باشو ويعظّم أعماله الشعريّة ، يسقطها جميعاً بضربة واحدة بكتابته عدد لا يحصى من النصوص المشهورة بصيغة الماضي، أضف إلى الاعتماد في كتابة الهايكو على التخيّيل وليس التجربة وقد صنّفوا له نمط خاص به (Narrative Haiku) ولشدّة تأثّر ماساوكا شيكي بهذا الأسلوب كتب العديد من القصائد في جلسات تعاطي الخشخاش، وهذه المعلومة لا نذكرها لتصبح قاعدةً حيث أنّ لها اعتبارات تجريبيّة يضيق بنا المقام عن سردها، إنّما فقط ليتضح مدى الصعوبة وثقل المسؤوليّة التي يجب أن يتحلّى بها من يقعّد للهايكو عربيّاً قبل أن يطلق معاييره وإلّا سيُدخلُ القارئ َ فخّ الاستعراض.
ختاماً:
ما سلف ليس فيه دعوةٌ للتطابق أو حتّى التقاطع مع وجهة نظر محمّد عضيمة تجاه إمكانيّات تقديم نسخة عربيّة تعتبر ظلّاً للهايكو الياباني، ولكنّه بالتأكيد إقرارٌ بأنّه ثمّة مادّة أوليّة متجانسة ومكتنزة ومسؤولة ثقافيّاً ونقديّاً تمّ إنجازها لسنوات بعد جهدٍ استثنائيّ بين دفّتي كتبٍ مقدّماتها مسؤولة عن ما تحتويه حتى من الجانب اليابانيّ ، وصارت جاهزةً لتكون رصيداً ،لا أقولُ أنّه أصبح كافياً، ولكنّهُ يساعدنا على الاختلاف والتناظر حول موضوعة الهايكو ولننتهي عربيّاً، بما يخصّ الهايكو، مرّة واحدة من ظاهرة التنظير الهُلاميّ ، وسأترك ملاحظة أخيرة أدعو فيها محمّد عضيمة إلى إكمال مشروعه وندخل معه إلى عالم " ماساوكا شيكي " بغض النظر عن تصنيفات اليابانيين كونه لا يعتبر من الآباء المؤسّسين، فمن المعلوم أنّه تراجع عن هجومه اللاذع ضدّ ماتسو وباشو، وفي آخر كتاباته اتخذ من طريقة ماتسو باشو سبيلاً لكتابة الهايكو وحين سُئل أجاب: كنت أريد فقط أن يعلموا بأنّه ليس إله الشعر ...
ولعلّي أنهي بهذه الفائدة : لا تكتب الهايكو وفق أعراف الجماليّات التي يُجمع عليها اليابانيّون، يكفي أنّك تشرّبتَ مقوّمات شعريّته وضوابطها الأسلوبيّة من مصدر موضوعيّ، وذلكَ لحقيقة جوهريّة وهيَ أنّ الهايكو فنّ يقوم على الشعبويّة الأدبيّة (Literary Populism) إلى حدٍّ بعيد** بمعنى أبحث لمقوّمات هذه الشعريّة عن مادّة جماليّة من بيئتك المحلّية ومعيشك اليوميّ العفويّ البسيط .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هامش:
* جميع الترجمات صدرت عن دار التكوين / دمشق
** ما يُطلق عليه (الهايكو العالمي) مهمّته الترويج لكتابة الهايكو وتذليل عقبة المفاهيم اليابانيّة الكلاسيكيّة ومحاولة لتشكيل مجتمع خاص بالكُتّاب وحسب.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى