ليس هذا مقالًا عابرًا، ولا شكوى موسمية تُقال ثم تُنسى.
هذا صوتٌ خرج من بين ضلوع الناس… من مطبخٍ أُطفئ قبل أن ينضج، من جيبٍ فرغ قبل أن ينتهي الشهر، من قلبٍ أنهكه التحمّل حتى صار الصمت فيه نوعًا من النجاة.
سيادة الدولة…
الناس لم تعد تحتمل لغة التطمين، بينما الواقع يصرخ.
لم تعد تصدّق أن “الأمور تحت...
الفصل الخامس: من قال إن الورق لا يصرخ؟
في الصباح، استيقظ الحيّ على أوراق مبعثرة عند الأبواب، على العتبات، فوق الأسطح، وحتى في أيدي الأطفال النائمين.
لم يعرف أحد من أين جاءت.
كانت مكتوبة بخطٍ مألوف، خط يشبه خيطًا مرتعشًا يهرب من قلبه لا من قلمه.
وقف الرجال في الأزقة، يقرؤون بصوتٍ عالٍ:
ــ "أنا...
استيقظتُ في مكانٍ لا يشبه غرفتي.
كل شيء كان أبيض... الجدران، السقف، الأرض، حتى الهواء نفسه كان له طعم باهت، كأنني أتنفس طباشير مطحونة.
لم يكن هناك باب، ولا نافذة. فقط طاولة صغيرة في المنتصف، فوقها كومة من أوراق متناثرة.
اقتربتُ ببطء، وامتدت يدي لترفع الورقة الأولى... كانت بخط يدي.
لكن الغريب...
في ظل الذكريات الميتة
أقتاتُ الذكريات،
فالواقع لا يشبع جوعي.
الواقع… قاسٍ، بلا رحمة، بلا صدى.
يمرّ على الأرواح كما يمرّ الطوفان على المدن المدمرة، يقتلع كل ما هو هش، ويتركنا عراة أمام أنفسنا.
كل يوم يمضي، أحس أن العالم يبتعد عنّي أكثر، وأن الناس حولي مجرد ظلال تتحرك بلا معنى، بلا شعور.
حتى...
في تلك الليلة لم أنم.
ظلّ وجهه يطاردني في العتمة، كأنه انعكاس على جدار داخلي لا ينطفئ. كلما أغمضتُ عيني، رأيت ابتسامته الصفراء تزداد وضوحًا، وتكبر حتى تبتلع الغرفة.
سمعت صوته يتردد داخلي، بلا فم ولا جسد:
ــ وجهك أصفر... مثل ليمونة فاسدة.
مددت يدي أتحسس وجهي، كأنه فقد لونه حقًا.
وفي زاوية...
الفصل الثاني: ورقٌ لا يحترق
طارت الورقة، ارتجفت في الهواء مثل طائر مكسور الجناح، ثم علِقت بين غصنين جافّين عند طرف المرج.
مددت يدي لألتقطها، لكن الرجل سبقني بعينيه فقط.
عيناه لم تتحركا، ومع ذلك شعرت أنه يجرني نحوه بلا خيط، كأن نظراته وحدها تصادر إرادتي.
قلت همسًا:
ــ كيف وصلت إليك؟
ابتسم،...
في صمت الليل، حين يخفّ الضجيج الخارجي وتغلق الأبواب، يبدأ الصراع الحقيقي. ليس صراعًا جسديًا، ولا معارك تُخاض بالسيوف أو بالكلمات، بل صراعٌ داخلي، حادّ، لا يرى إلا من يملك الشجاعة لمواجهة نفسه: معركة الوعي.
الوعي، تلك المساحة التي يفترض أنها المكان الآمن للعقل، يصبح أحيانًا أكثر ساحات الحرب...
الفصل الأول: أنياب الصمت...
قعدنا على المرج الكبير، كُلٌّ على حافة صمتِه.
الأرض منبسطة كلوحٍ أخضر، لكن قلوبنا مليئة بالحفر. الريح تمرّ خفيفة، تحمل معها غبار السنين، وكأنها تهمس بما لا نجرؤ على قوله.
أنيابُنا بارزة، لا للقتل بل للدفاع. خطواتُنا مطويّة في العدم، كأننا عالقون في منتصف طريق لم...
أنا لست صدى لغيري،
ولا ظلًّا عابرًا فوق جدار قديم.
أنا كلمة خرجت من صمت طويل،
ولم تعد تقبل أن تُحبس بين الشفاه.
حاولوا أن يطفئوا صوتي…
مرّة بالإنكار،
مرّة بالخوف،
ومرّات كثيرة بالسكوت المتواطئ.
لكن الصوت ليس نارًا تُخمد،
إنه نهر،
يجد دائمًا طريقه بين الصخور.
صوتي ليس لي وحدي،
هو امتداد لكل...
أضع يدي على جدار المدينة،
أشعر بكل خطوطه، كل نتوءه، كل أثر الزمن الذي مرّ عليه.
كأن أصابعي تستطيع قراءة تاريخ المكان،
كما لو أن كل حجر يحكي لي قصة لم تُحك بعد.
أمسك بالحائط، أتنقل بين النتوءات،
وأرى في كل لمسة لحظة لنا،
ضحكة في زاوية، نظرة في شارع، صمت في ركنٍ مهجور.
المدينة ليست مجرد خرائط أو...