هدى حجاجي أحمد - في ظل الذكريات الميتة أقتاتُ الذكريات

في ظل الذكريات الميتة
أقتاتُ الذكريات،
فالواقع لا يشبع جوعي.
الواقع… قاسٍ، بلا رحمة، بلا صدى.
يمرّ على الأرواح كما يمرّ الطوفان على المدن المدمرة، يقتلع كل ما هو هش، ويتركنا عراة أمام أنفسنا.
كل يوم يمضي، أحس أن العالم يبتعد عنّي أكثر، وأن الناس حولي مجرد ظلال تتحرك بلا معنى، بلا شعور.
حتى الأحياء يبدون كأنهم يمضون في هذه الحياة بلا ذاكرة، بلا وجدان، بلا أثرٍ لما كان، أو ما تبقى من إحساس.
الذكريات… هي الوحيدة التي تمنحني طعامًا في هذا الجوع المستمر.
لكنها ليست رحيمة.
كل لحظة ألتقطها تشبه قطعة زجاج مهشم، أحاول الإمساك بها بعناية، كي لا تجرح أصابعي،
لكنها دائمًا تجرح، لأنها حقيقية أكثر من أي شيء آخر حولي، أكثر من أي واقع أعيشه، أكثر من أي ضحكٍ أو وجهٍ يمرّ بجانبي.
أسماء اختفت، وجوه تبخّرت، وأحاديث ضاعت في صدى الزمن…
ومهما حاولت أن أستدعي الحاضر ليشبع فراغي، أدركت أن الحاضر جردنا من كل دفء،
وأن الفراغ الذي يتركه الناس خلفهم أكبر من أي شعور يمكن أن يمنحه الواقع.
الناس يمضون، يبتسمون، يضحكون، يتظاهرون بالسعادة، لكنهم يتركون خلفهم ركامًا من الذكريات الميتة،
وكل ابتسامة على وجوههم كانت كاذبة، بلا معنى، بلا جوهر.
أحيانًا أشعر أنني أنا وحدي من بقي،
وأن كل ما حولي مجرد أشباح تتحرك على أطلال ما فقدناه.
الذكريات ليست مجرد هروب، بل عقوبة أيضًا…
كل ذكرى تحمل وزن ما فات، وكل ابتسامة مضت تركت فراغًا أعظم مما تركت اللحظة نفسها.
أحيانًا أرى وجهي في مرآة المدينة المهجورة، وأكاد لا أتعرف عليه.
العيون تحمل تعب سنوات، والشفاه تحمل صمتًا ثقيلًا، والقلب… قلب يئنّ تحت وطأة ما لم يُقل.
أقتاتُ الذكريات،
وأحيانًا أتخيل أنني أبتلعها كلها دفعة واحدة،
كي أسكت الجوع الذي لا يرحم،
لكنها تعود دائمًا، أقوى، أكثر وضوحًا، أكثر وجعًا،
حتى أجد نفسي محاصرًا في صمتٍ قاتل،
بين ما فقدته وما بقي… وبين نفسي التي لم تعد تعرف طريقها.
الليل هنا أطول، والمدينة صامتة،
حتى الريح تبدو وكأنها تمشي فوق أطلالٍ لم تُبنى بعد،
أشجار تصرخ بلا صوت، وجدران تُهمس بأسرار لم يسمعها أحد من قبل.
كل شيء يتذكّر ما كنت عليه، كل شيء يذكّرني أن الزمن لا يرحم،
وأن ما تبقّى مني ليس أكثر من ظل،
ظل يقتات على ذكرياتٍ ميتة،
ظل يبحث عن دفءٍ لم يُخلق له، عن وجهٍ لم يعد موجودًا إلا في الماضي.
وفي النهاية…
الواقع لا يرحم،
والحياة لا تتوقف،
والذكريات…
هي الطعام الوحيد الذي يربطني بما تبقّى من نفسي،
حتى لو كان مريرًا، حتى لو كان قاتمًا،
حتى لو كان مجرد وهم يخفف عني لحظةً واحدة من ألم العالم.
✍️ بقلم الكاتبة الروائية: هدى حجاجي أحمد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى