هدى حجاجي أحمد - حين يعوي الجهل وتضيع لغة العصافير... قراءة نقدية في نص الشاعر يونان هومه

ينتمي هذا النص إلى ذلك النوع من الكتابة المكثفة التي تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تخفي خلف مفرداتها أسئلة عميقة تتعلق بالتواصل الإنساني، وسوء الفهم، والفجوة المتنامية بين الوعي والجهل.

يفتتح الشاعر نصه بصورة شديدة الرهافة:

"للعصافير اشتياقها الخاص"

وهي جملة تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن بقية النص، لكنها في الحقيقة تمهد للحالة الشعورية التي ستتنامى لاحقًا. فالعصافير هنا ليست مجرد كائنات تحلق في السماء، بل رمز للبراءة والحرية والنقاء الفطري. واشتياقها الخاص يوحي بأن لكل روح لغتها الداخلية وأحلامها وأشواقها التي قد لا يفهمها الآخرون.

بعد هذه البداية الشاعرية، ينتقل النص إلى أزمة التعبير:

"تهرب الكلمات من فمي
لا يفهم البعض معناها"

وهنا يضع الشاعر إصبعه على واحدة من أكثر المعضلات الإنسانية إيلامًا؛ فالمشكلة ليست في غياب الكلمات فقط، بل في عجزها عن الوصول إلى المتلقي بالصورة التي أرادها صاحبها. إننا أمام مأساة الفكرة حين تغادر صاحبها فتُساء قراءتها أو تُقتطع من سياقها أو تُفهم على غير مرادها.

ويتصاعد التوتر في النص مع قوله:

"فتؤدّي إلى دِرْبَكة قوية"

فاللغة التي خُلقت لتقريب المسافات بين البشر تتحول هنا إلى سبب للفوضى وسوء الفهم. وهذه مفارقة إنسانية مؤلمة؛ إذ قد يكون الإنسان صادقًا في قوله، واضحًا في قصده، لكن الاستقبال المشوش للكلمات يخلق واقعًا مختلفًا تمامًا عن النية الأصلية.

ثم تأتي لحظة الذهول:

"وأنا مذهول
ماذا يجري"

وهي لحظة تتجاوز الحيرة الشخصية إلى التساؤل الوجودي. فالشاعر لا يستغرب سوء فهم موقف بعينه، بل يستغرب آلية التفكير نفسها التي تجعل الحقيقة تضيع وسط الضجيج.

أما الخاتمة:

"الجهل يعوي"

فتمثل الذروة الدلالية للنص كله.

اختيار فعل "يعوي" لم يأتِ اعتباطًا؛ فالعواء صوت مرتفع، لكنه يفتقر إلى المعنى. إنه ضجيج بلا حوار، وصخب بلا معرفة. وهنا ينجح الشاعر في تجسيد الجهل بوصفه قوة عدوانية لا تناقش ولا تفهم، بل تكتفي بإثارة الضوضاء وإرباك المعنى.

فنيًا، يعتمد النص على التدرج الدرامي الهادئ؛ إذ يبدأ بصورة شعرية شفافة، ثم ينتقل إلى أزمة التعبير، فالفوضى الناتجة عنها، ثم الذهول، وأخيرًا التشخيص الحاد لمصدر الأزمة. وهذه الحركة الداخلية تمنح النص تماسكًا رغم قصره.

كما ينجح يونان هومه في الموازنة بين الرمز والتصريح. فالعصافير تحمل بعدًا رمزيًا مفتوحًا، بينما تأتي عبارة "الجهل يعوي" مباشرة وصادمة، وكأن الشاعر بعد رحلة التأمل لم يعد يرى حاجة لمواربة الحقيقة.

إن هذا النص لا يتحدث عن تجربة فردية فحسب، بل عن واقع إنساني وثقافي يتكرر كثيرًا؛ واقع تصبح فيه الكلمة أسيرة التأويل الخاطئ، ويعلو فيه الضجيج على الفهم، حتى يجد صاحب الفكرة نفسه مذهولًا أمام عالم يزداد صخبًا ويقل فيه الإصغاء.

وفي هذا تكمن قوة النص: أنه يحول تجربة يومية مألوفة إلى تأمل شعري في العلاقة المعقدة بين الكلمة والمعنى، وبين الوعي والجهل، وبين ما نريد قوله وما يصل فعلًا إلى الآخرين.

بقلم: الكاتبة الروائية هدى حجاجي أحمد

1783750358296.png


=======/=====///////======


1783750322959.png

النص


للعصافير
اشتياقها الخاص
تهرب الكلمات من فمي
لا يفهم البعض معناها
فتؤدّي إلى دِرْبَكة قويّة
وأنا مذهول
ماذا يجري
الجهل يعوي

يونان هومه

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى