مقتطف ھدى حجاجي أحمد - الفصل السادس: النار...

الفصل السادس: النار

بدأ الأمر ببطء...
دخان خفيف يتسلل من بين الأزقة، يتعرّج مثل أفعى سوداء، لا يعرف أحد من أين خرج.
الناس ظنّوا في البداية أنه مجرد حريقٍ صغير، قشّ محترق أو فرن مهمل.
لكنهم لم يدركوا أن النار هذه المرة ليست نارًا عادية... إنها مكتوبة.

حين اقتربوا من مصدر الدخان، وجدوا الأوراق.
أكوامٌ من الأوراق تتكدّس عند الساحة القديمة، تتوهج من الداخل بلا لهب.
كل ورقة تحترق ببطء، لكنها لا تفنى، بل تتحوّل إلى ورقة جديدة، ثم تشتعل ثانية، وتُولد ثالثة.
كأن الكلمات ولّادة، لا تموت بالنار، بل تتكاثر منها.

صرخ أحدهم:
ــ هذه ليست نارًا... هذا فمٌ يتكلم!

تراجعوا بخوف، لكن الأطفال ظلّوا يقتربون، يمدون أيديهم الصغيرة كأنهم يريدون لمس السر.
النساء بكين، الرجال لعنوا، وأنا... كنت أراقب من بعيد، من نافذتي التي لم تعد تفصلني عنهم بشيء.

رأيت الرجل يقف وسط الساحة.
لم يتأثر بالدخان، ولا باللهب الأبيض، كان يرفع يديه ككاهنٍ قديم، والابتسامة الصفراء تنزف من وجهه.
وحين التقت عيناه بعينيّ، سمعت صوته داخلي:
ــ النار ليست عدوك... النار هي قلمك الحقيقي.

وفجأة...
اندلع الانفجار.
لم يكن انفجار حجر أو بارود، بل انفجار حروف.
آلاف الكلمات طارت في السماء، تشكّلت كسرب غربان، وغطّت القمر، حتى عمّ الظلام.

حين عاد الضوء، لم يكن في الساحة أحد.
لا رجل.
لا أوراق.
لا ناس.

فقط رماد... رماد دافئ يشبه بقايا كتاب لم يُكتب بعد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى