مقتطف عبدالنبي فرج - جزء من رواية " 400 متر في القاهرة "والصادرة عن دار كلاما للنشر والتوزيع الجزائر

جزء من رواية " 400 متر في القاهرة "والصادرة عن دار كلاما للنشر والتوزيع الجزائر

تلقيت ضربةً قاتلة على العنق، سقطتُ على الأرضية الخرسانية ممدًا، لا قدرة لي على الحركة مجرد جثة لا أشعر بشيء بقعةُ دماء تتسع نتيجةَ نزيف من الرأس ودوار خفيف وصور تتابع خاطفةً، وجوه متعددة، شرائح ضوء تظهر ثم تختفي، جسمي يتبخر منه الدفء، صقيع يجتاحني لا أحتاج من العالم الآن سوى حضنٍ قوي لأم أو حبيبة أو شقيقة.
لقد عرفت أخيرا أن هناك مناطقَ مظلمة من العالم بشكلٍ فظيع ينتج صورًا سريالية جزارًا يمسك بلطة، رؤوسًا تطير في الهواء، أذرعًا تتفكك من أجسادها، وتبحر في الفضاء، أقدامًا تنتزع وتسير مع الريح، أطفالًا تمسك سيوفًا وتبقر بطونَ نساء، أزهارًا بيضاء تفرز سائلًا يشبه القيح.
أجسادٌ متفسخة ذاتُ رائحة عفنة، وأنا مشدود بين عالَمين بنفس المسافة ولا أعرف هل لي القدرةُ على تقرير مصيري أم سأنجرف مع الريح.
مقاومتي تضاءلت، ولكن أبذل جهدًا خارقًا للصمود، لا أريد لأجلاف أن ينتصروا، لم أعد أرى جيدًا لذلك لم يعد أمامي حاسة لأطل منها على الفضاء، انطفأت الواحدة وراء الأخرى سوى حاسة الشم، نعم تدفق الروائح داخلي آمُلُ أن تمدني بطاقة لبث الدفء داخل روحي المنهكة.
أخذتُ أُركز وأتشمم روائح الجدار القريب، هناك روائح لأجساد آدمية، أنفاس مقهورة رائحةُ موتٍ قويةٌ تزكم أنفي، أتجاهل ذلك محاولًا تجاوز الجدران حيث الخلاء، لعل هناك شجرة كافور مزروعة يفوح منها عطرٌ، أو أعوادُ نعناعٍ بري، لم ينتبه إليها أحدٌ، هناك ندرة في الهواء هنا، مما يجعلني غير قادر على الاستمرار، لديّ رغبةٌ بالالتصاق بالجدار، قوتي
استُنزفت، هناك نهار في الخارج يُخايِلني، تتري أمامي شمس وبحار وأنهار وجبال وحدائق.
النزيف توقف، الدم جف تحت رأسي، لعل هناك فرصة أخرى، ما زلت لدي رغبة.
محتجز داخل حجرة قذرة سيئة التهوية، ذات إضاءة شاحبة، وسقف خرساني غير مطلي، أخذت أستعيد ما حدث معي، لم أنس شيئًا كل شيء نقش داخلي، فُتح الباب، سقط على وجهي ضوء، ضوء ضعيف ولكنه شفاف لا يشبه الأنوار الاصطناعية، ودخل عليّ رجالٌ بوجوه بيضاء لا هوية لهم يرتدون ملابس من الكتان والتفوا حولي، ثم تقدم اثنان وبجوارهم اثنان آخران وأخذوا ينزعون عني ملابسي، انزعجت وقلت: لم أفعل شيئًا!
أنا مجرد طفلٍ هادئ قالوا: لماذا ترتجف؟ لن يحدث شيء، ثم وضعوني على محفة ورفعوني، وخرجوا بي من المقبرة التي كنت محشورًا داخلها، كان النهار أكثرَ إشراقًا مما تحتمل عيناي، لذلك لم أر سوى فضاء أبيض ناصع وصمت، أتلفتُ لعلي أجد أثرًا للطريق الذي نسير فيه، أُحدق بقوة لأتبين معالم ولكني أُصبت بصداع رهيبٍ، وأصبحتُ غيرَ قادر على الرؤية، أغمضْتُ عيني فقد كانت تؤلمني بقسوة، ثم مررت بيدي على رموشي، كانت منتوفةً، تحسستُ حواجبي، كانت ملساء قلت: لا يهم كل ذلك، المهم أنني خرجت من الحفرة التي سقطتُ فيها، وبعد فترة أتعود على الوضع.
مَضَوْا بي مدة لم أدرك مداها ثم توقفوا، فتحت عينيا ببطء، وجدتني أمام شاطئ لنهر يبدو مثل النيل فضي وساكن تمامًا لا موج له، كأنه سجادة فارسية عليها رسوماتٌ ولكنها نائية، لم أدرك تفاصيلها لصغر حجمها، هناك حركة وكأنهم نحلٌ داخل خليةٍ، أيُّ نهر هذا؟ جغرافيًّا المكان غير مألوف، أخذتُ أتفحص ملامحَ النهر لعلي أتيقن شيئا، لو لدي الحاسوب لكنت بحثتُ عنه على الإنترنت قلت: ربما يكون منتجعًا استشفائيًّا مخصصًا لكبار الأثرياء في العالم ليطببوا جراحي الغائرة بعدما اكتشفوا أنني بريءٌ، لذلك سكن بالي.
الرجال الذين لم أرهم ظلوا يحملونني وتعاملوا معي برقة، فلم أشعر بأي مضايقة وكان المحفة يحملها الضباب، وهذا أيضًا حسنٌ.
جاء قارب صغير ومددوني داخله، القارب مبطن بقش أرز، سرّب إليّ قليلاً من الدفء، ثم دفعوني داخل النهر الذي أخذ يهتز اهتزازًا خفيفًا، فخفتْ آلام جسدي التي كنت أشعر بها، وهذا حسن مهما كانت النتائج، فما حدث شنيعًا ولا أعتقد أن المسيح نال ما نلتُ من تعذيب، لقد انتزعوا أظافري، هل قاموا بانتزاع أظافر يديه وقدميه بآلة بدائية؟
ليس عدلا أن أتعرض لأذى أكثرَ قسوةً من المسيح دون لمسة عزاء، دون يد الله لتطبب روحي المنهكة، لم يدعمني أحدٌ، ما فائدة الإله إن لم يأخذ بيدي في تلك اللحظة؟ ويمرر بيده على جروحي الغائرة الآن.
ناقمًا، أحاول أن أجد مبررًا واحدًا يجعلني أتقبل أن أكون حقل تجارب لمجموعة من القتلة، ولكن لا شيء، هل أكون أنا أيضًا "حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي جئت لأرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ"
هل عليّ أن أُذعن وأتقبل ذلك أيضاً؟
هل هذا التكرار الأبدي الفظيع يفيد البشرية في شيء؟
هل الرب منحازٌ لمجموعة من القتلة المهوسين، الوشاة والسفاحين اللصوص وقطاع الطرق، لكي يدفع ببريءٍ غرٍّ أحمق للتهلكة لكي يرفع خطايا؟ أي خطايا؟ أي بؤس؟
أنا إنسان بسيطٌ -أيها الرب- وصغيرٌ ولم أنضج بعد، لماذا لا تقدم لي دلالةً واحدةً على جدوى هذا النظام الكوني الذي لا يتقبله عقلٌ ولا حواسٌّ، أنا من عُذِّب وليس أحد آخر، لماذا لا ترسل عشرات الملايين بجلود سميكة لكي يتدرب هؤلاء القتلةُ المهوسون فيهم؟ لماذا لا تفتح كوة في قلب هذه الجدران تنير هذه الأرواح المظلمة بدلًا من هذا الصمت العنيف، الـمـُتواطئ، لقد أرغمتني على الفداء، ولن أتقبل أبداً أبداً ذلك تحت أي مسمى مهما كان، هل عليّ أن أذعن وأتقبل ذلك أيضا، هل هذا التكرار الأبدي الفظيع لصخرة سيزيف التى نحملها ونصعد بها الجبل لتسقط وفي عودتها تسحقنا لننبت من جديد ونصعد بها لتكرر سحقنا دون أن يكون لنا القدرة لا على إيقاف دورة الصخرة ولا الفناء الأبدي.




FB_IMG_1779271206494.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى