مقتطف ھدى حجاجي أحمد - الفصل السابع: بقيتُ أنا...

الفصل السابع: بقيتُ أنا


حين انقشع الدخان، وجدت نفسي وحدي.
الساحة التي كانت تضجّ بأهل الحي صارت خالية، إلا من الرماد المتراكم، رماد يشبه ثلجًا أسود يذوب ببطء في الريح.

مشيت بين الركام، خطواتي غارقة في صمتٍ أثقل من أي صراخ.
لم أعد أرى وجوهًا، ولا أسمع ضحكات، ولا حتى بكاء.
كل شيء تلاشى... كأنهم جميعًا انصهروا في النار التي لم تكن نارًا، بل كتابًا لم يُكتمل.

مددت يدي، فوجدت قلمًا نصف محترق بين الرماد.
التقطته. كان دافئًا، كأن قلبًا ما يزال يخفق داخله.

جلست عند طرف المرج، على نفس الحافة التي جمعتني به ذات يوم.
لكن هذه المرة، لم يكن هناك ظلّ يراقبني، ولا ابتسامة صفراء تسخر من وجهي.
كنت أنا فقط... والقلم.

فتحت يدي الأخرى، فوجدت ورقة بيضاء وحيدة، لم يمسها الحريق.
لا أعرف من أين جاءت، ولا كيف نجت.
نظرت إليها طويلًا، ثم كتبت عليها جملة واحدة:

ــ "بقيتُ أنا... والنار تكتبني."

وحين رفعت عيني، كان الأفق ممتدًا أمامي، رماديًّا كجناحٍ مكسور، لكنه يلمع بخيطٍ دقيق من نور، خيط يشبه وعدًا صغيرًا في آخر الظلام.

ابتسمت.
لا أعرف إن كانت ابتسامة حياة... أم ابتسامة احتضار.
لكنني كتبت، وظللت أكتب، حتى اختفى الفرق بين الورق وجلدي، بين النار وقلبي.

وبقيتُ أنا...
أنا وحدي، بين الرماد والكتابة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى