سرد

ثم أطاح "سعيد جبر" بيمينه برقعة الشطرنج – فجأة في عزّ اللعب الدائر – فتناثرت القطع بطول مقهى "الشوشاني" وعرضه. منها ما أصاب زبونًا ينتظر طلبه، ومنها ما وقع في الخارج؛ غاصت في عمِّة " حسّان" ماسح الأحذية الكهل الصعيدي؛ فلم يهتم أو يلتفت، فقط ظل في عالمه وصمته وترقبه للجهة الأخرى من الطريق. كذلك...
يتأرجحُ بينَ الحقيقةِ التي تؤكدها وبينَ الشَّك الذي يأكل قلبَه، بين الصِّدق الذي تحمله دموعها والبحث عن تلك الكذبة الخفية بين طيات الحروف والكلمات، لم يصدق أبدًا أنَّها أحبته هو وفقط، وهي التي يلْتَف حولها الجميع دائمًا، ظَلَّ يضغط عليها بكلِ الطُّرُق، يسأل.. يتَّهم... يغضب ثُمَّ يبكي ويعتذر،...
(1) – كلمة “انتهى” أقولُ: انتهى… وأنا أوّلُ الكاذبين. أُغلق الحكاية بلساني، لكن قلبي يترك الباب مواربًا كمن لا يملك شجاعة الإقفال الحقيقي. كنتُ أظن أن الكلمات قادرة على إعلان النهايات، لكنني اكتشفت أنها أحيانًا لا تفعل سوى تغطية ما لم ينتهِ فعلًا. (2) – طقوس التشييع الداخلي أُشيّعك داخلي كلّ...
لم تعكس المرآة سوى وقار اثنين وثمانين عامًا؛ تجاعيد وجهه هي وصفات طبية محفورة لمئات المرضى الذين مروا من تحت يديه. الدكتور رفعت، الرجل الذي لم تعرف يداه سوى لمس جباه المحمومين حتى تربع على عرش قلوب المرضى، وجد نفسه اليوم يمسك بورقة صفراء باردة، كُتب عليها حكم قضائي بالحبس في قضية "مشاجرة". أطبق...
لحظة عبوري الجسر مبلّلا كنت حذرا متيقّظا، وقد استوقفني مشهد صادم لخصومة شرسة بين غريبين ،لا أعلم كيف انزلق كاحلي من الدرج لحظة عادت بي الذكرى إلى تلك الحادثة الأليمة منذ عشريّة مضت ، مجرّد سماعي لنبرات أصواتهم و لهجتهم الأجنبية المتصدّعة أربك هدوئي النسبيّ .... ***** يومها إن لم تخنّي...
بخوفٍ، فتح الباب، ومع الصرير المنبعث منه، جاءه صوتها من بعيد وهي تذكّره أن يجد حلًا لهذه المشكلة. أسرع في دخول الغرفة، امتدت ذراعه دون شعور منه إلى زر الكهرباء، بينما بالأخرى حمل قميصها المعلّق على الباب. ما زال عطرها يحتضن القميص، فاستنشقه بقوة. صوت ضحكاتها، وهي تبعده عنها بدلال بعد أن طبع عدة...
كانت تقف كل مساء عند النافذة، لا تنتظر أحدًا… لكنها في الحقيقة كانت تنتظر كل شيء. اسمها ليلى. لم تكن جميلة بالمعنى الذي يتغنى به الناس، لكنها كانت تحمل في عينيها حكايات تكفي لتجعل أي قلب يتوقف لحظة ليصغي. كانت تؤمن أن الحب لا يأتي صاخبًا كما في الروايات، بل يتسلل بهدوء… كنسمة تعرف طريقها إلى...
في البداية، تردد صوت "الإشعار" في أذنها يشبه قرع الطبول في احتفال صغير. ثم تحول، مع الوقت، إلى صوت مقصٍّ حاد يقص خيوطًا كانت تظنها متينة. بدأ الأمر بـ "دعوة". لم تكن مجرد ندوة، بل اختبارًا للولاء. وحين اعتذر عن الحضور لانشغاله، جاءه الرد صمتًا طويلاً، ثم اختفت صورة "الكاتبة الكبيرة" من قائمة...
قضى منعم التوزاني أسبوع نقاهة في المنزل إثر عملية جراحية أجراها . دام تردده أعواما ، في جرأة طارئة ، أقبل عليها دون إخبار أحد في أول مواجهة للمرآة ، عرته رجفة ، رادفتها هزة في الإدراك ، وزغللة في الرؤية مع إحساس بوجوده في اللامكان ، بدا له الإنعكاس ضيفا وافدا غير معهود . تساءل : كيف أتأقلم مع...
ما كشف عنه الدكتور محمود البريدي بشأن وفاة زوجته، الدكتورة شيماء البديوي، يمثل فاجعة إنسانية ومهنية تستوجب الاستنكار الشديد ووقفة حازمة من كافة الجهات المعنية. يعد استغلال آلام المرضى وحاجتهم للأمل لترويج أوهام علاجية بعيدة عن المنهج العلمي جريمة مكتملة الأركان في حق الإنسانية ومهنة الطب. من...
تنطلق أسراب الخفافيش من جوف “قبة الشريف” على أطراف القرية، بجوار شاطئ النيل. تحلق عبر سماء القرية حتى المقبرة في أقصى الجهة الجنوبية الشرقية، لتحوم حول “قبة الشيخ قلين” وسط المقبرة. ثم تتجه نحو المسجد المتآكل بفعل ضربات الزمن واخيرا فوق دور الاحزاب التى يعلو ضجيجها. هناك، تؤدي الخفافيش حركاتها...
قصة قصيرة في طريق العودة إلى الوطن، تتخذ الطائرة مسارًا مملاً رتيبًا يدعو إلى النوم والاسترخاء. غير أن جذوة الحنين تتقد، تحملني عبر مسالك الزمن البعيد إلى ضفة النيل الأزرق الغربية، إلى مسقط رأسي بُرِّي الشريف، تلك القرية التي تلتحم بالعاصمة لكنها أبدًا لا تذوب فيها. كانت السماء إذ ذاك أكثر زرقة...
الجزء الخامس قلتَ لي يومًا إنك لطالما أطلتَ النظر إليّ، فاعتقدتُ أنّي شجرةٌ في غابة، تستندُ عليها في باحةِ بيتٍ ريفيٍّ قديم، حيث قهوتك وسجائرك متموضعتان قرب جذعي، وحيث تنساب روحك تحت لحائي، تنمو وتطفو كأغصانٍ خضراء وعصافير. صدّقتك، لا لأنك كنتَ بارعًا في القول، بل لأن قلبي كان مستعدًا لأن...
يذكر "سعيد جبر" في أوراقه التي تركها، وقد عرفنا بها بعد انقطاعه عنّا واختفائه الطويل؛ فقد عثرنا عليها -بالصدفة- حينما بيع أثاث بيته وعفشه في مزاد علنيّ لاستيفاء المستحق عليه من ديون للمؤجر وغيره من الدائنين.. إذ يقول " سعيد" في صدر مذكراته وبخط منمّق أقرب إلى الخط الديواني: -إن القهر درجات؛...
زعموا أن القمر أرسل نجم الشعرى ليخطب له ابنة الشمس؛ أعد لها الهدايا والعطايا؛ تناقل الجن الخبر إذ هم يقعدون منها مقاعد السمع؛ لايكتفون بهذا، همسوا في أذن كل ساحر يتبعهم بأن يذيع الخبر في المدينة التي تنزوي وراء الجبال حيث تدوي الريح، تكاد الأشجار تندفع في كل مكان! مرت السحب سريعا، لم تسقط...
أعلى