سرد

لم تكن جيهان تؤمن بأن العدالة عمياء كما تصفها الكتب، بل كانت ترى أنها تفتح عينًا حين يقف أمامها صاحب نفوذ، وتغمض عينيها حين يكون المتهم رجلًا فقيرًا لا يملك سوى اسمه ووجهه المتعب. ومع ذلك، ظلت تؤمن أن هناك دائمًا مساحة صغيرة يستطيع القانون أن يتنفس فيها، وأن المحامي الحقيقي ليس من يربح كل...
كل صباح تأتي بعباءتها السوداء تحمل جرة فخارية تضمها إلى صدرها كأنها تمسك ضلع مكسور . تمشي بمحاذاة الشاطئ متكئة على عصا من جريد النخل تنقل قدميها النحيلتين المرتعشتين حتى تبلغ الركن الذي تتكسر عنده الأمواج ثم تجلس تحت نخلة لا يتذكر أحد من زرعها ولا لماذا تركت وحيدة في طرف القرية .تغمس أصابعها في...
كان يزن يرسم بيتهم للمرة الثالثة؛ عمارةً من خمسة طوابق، نوافذها زرقاء، وشرفة أمّه مليئة بأصص الريحان. رسم أباه واقفًا عند الباب، وأمّه في الشرفة، ثم رسم نفسه أمام البيت بسيارة حمراء صغيرة في يده. رفعت أمّه رأسها من المطبخ وسألته: ليش بترسم البيت كل مرة يا يزن؟ ـ عشان لما أكبر وأصير مهندس، أبني...
حين اهتزّ سكون الليل بطرقات الباب، لم يكن الصوت مجرد قرع عابر، ورغم أن العتمة كانت قد طمست معالم الكون بالخارج، إلا أن الرجل أدرك بحدسه القلق أن الظلام لا يملك القدرة على تبديل هوية الأشياء، ولا تحويل صدى المعدن إلى خشخشة خشبية ميتة. فتحت المرأة الشابة الباب والتردد ينهشها، فخطا القادم نحو باحة...
تحت شجرة البلوط العتيقة، كنت جالسا على صخرة ترابية عند مدخل الدوار، أنتظر الحافلة الوحيدة التي تمر من هناك مرة في اليوم. لم أكن أعرف إن كانت ستأتي في موعدها، ولا إن كان السائق سيقرر المرور أصلا. كانت الحقيبة الفوشية تستند إلى ساقي، وقد بدت لي غريبة في ذلك المكان، بلونها الصارخ وسط التراب وأوراق...
لم يظهر كافكا لي لأنني كنت في براج. ظهر لأنني كنت قد وصلت إلى السؤال الذي ظللت أهرب منه طوال حياتي. طوال سنوات عملي في الآثار، كنت أظن أنني أبحث عن الماضي. كنت أبحث عن المقابر، والتماثيل، والنقوش، والبرديات، والمدن التي ابتلعها الزمن. كنت أقرأ أسماء الموتى، وأحاول أن أعيد إليهم أصواتهم. كنت...
لضحكتُ حقًا لو أن أحدًا أخبرني يومًا، من قبل، أنني سأغرم برجل مجنون بالنساء. كنت أظن يومها أنني سأختار مَن أحب كما أختار حقيبةً تناسب لون فستان سأرتديه. لكنني لم أكن أعرف أن بعض القلوب تختارنا قبل أن نمنحها الإذن، وأن بعض العيون قادرة على أن تُربك كل ما رتّبناه في داخلنا. سمعتُ الزميلات يتهامسن...
فصل: حين صار السؤال أكبر استوقفتني العبارة طويلًا. لا أعرف لماذا استهوتني إلى هذا الحد، ربما لأنها لامست شيئًا كنت أشعر به دون أن أجد له اسمًا. أحيانًا يعيش الإنسان يومه طبيعيًا، يذهب إلى المدرسة، يضحك مع أصدقائه، يكتب مقالًا، ينشغل بمسابقة، ثم يكتشف فجأة أن تحت كل هذا الاستقرار هاوية صامتة، لا...
زهايمر كبرت قليلاً صرت أقدر أن أصل لمقبض الباب .. أغافل أهلي لأصير خلال دقائق في الشارع.. لكني لم أكبر كفاية لأتجنّب السيارات الطائشة. كبرت قليلاً أستطيع الالتزام بقواعد المرور.. ولكنّي ما زلت أصدّق الوحش بربطة عنق ..حين يغريني أن يشتري لي الحلوى. كبرت قليلاً صرت أكثر حذراً من الغرباء ولكنّي...
لم يكن أبو ناصر يتخيّل، وهو يعلّق شهادته الجامعية على جدار الصالة، أن يأتي يومٌ يقف فيه على باب سيارة أجرة، ينادي على الركاب، ويخاصمهم على ثلاثة شواكل. كان معلّمًا للغة العربية منذ سبعة وعشرين عامًا. يعرفه أهل الحيّ بوقاره، ويحفظ طلابه عبارته التي كان يرددها كلما تشاجر اثنان منهم: «يا أولاد،...
تجلسُ امرأتان فوق مصطبة حجرية في إحدى محطات المحافظات الجنوبية، يلوذ البرد الشتائي القارس بأطراف عباءتيهما السوداوين، وينسج الليل سديمه الثقيل فوق رصيف ينتظر قطاراً قادماً من البصرة، محشواً بأجساد الجنود الناجين بعد أن انطفأت ملحمة الكويت الفاشلة وتركت البلاد نهباً للرماد، وكانت إحداهما فتاة...
"ثلاثون مترًا معلّقة بين الأرض والمجهول" في الأحلام قد ترتدي عباءة البطل أو قناع الجبان، لكن اليقظة لا تفتح سوى درب واحد، كأنه خط محفور على صخرة، يقودك إلى مصيرك دون التفات. خطوة واحدة على الحصيرة الهزّازة تكفي لتذكّرك أن الأحلام لا تملك درابزين، وأن النهر تحتك ليس ماءً فقط، بل مارد...
حين ظهر الجني أمامه، لم يشعر بالرعب، فقط أربكته المفاجأة. انطفأت أنوار الغرفة دفعة واحدة. لم ينقطع التيار؛ ظل ضوء الشارع يتسلل من النافذة، لكن شيئًا أسود كثيفًا ظهر في منتصف الغرفة، كأنه انتُزع من قلب الليل. تراجع سمير حتى اصطدم ظهره بالحائط. ارتفع الشيء أمامه ببطء؛ رأس طويل، وعينان حمراوان،...
كان من عادتي أن أكتب عنوان الحلقة قبل أن أبدأ إعدادها، ثم أترك مساحة واسعة تحت العنوان لأضع فيها الأفكار التي تأتي تباعًا، لكنني في ذلك اليوم ظللت فترة طويلة أمام الجملة التي اخترتها للحلقة، أقرأها مرة، ثم أعود إليها مرة أخرى، كأنني لا أريد أن أبدأ قبل أن أفهمها من الداخل لا من ظاهرها. كتبت في...
وشاية من طفل حيدرعاشور جلس الجدُّ أمام مكتبته العامرة، تلك التي تضم بين رفوفها أمهات الكتب؛ من رواياتٍ عالمية، وفلسفاتٍ عميقة، ومجلداتٍ في الدين، والحرية، والاشتراكية، والشيوعية. كانت هذه الجدران المحشوة بالورق عاصمته الخاصة، ومصدر أمنه الثقافي والفكري. ومن نافذته القريبة، راح يراقب غروب الشمس...
أعلى