في هذه الأرض البعيدة ينبت النهار مبكرًا، تهتز نبتته سريعًا في انتفاض مورق مع أول ضوء، ينفلت في ثقل وإعياء، كمن يئن من تحت حمل ثقيل، يسير الخلق هنا في رتابة يتعلمونها مع الأيام؛ تعلمهم سنن الحياة والتعايش، العمل، الأكل، والاشتباك مع الوهم، مع اللاشيء في معارك لا تنتهي، يظل المرء يلهث وراء السراب،...
على طاولة الأدب لمحتك من بعيد، ولم أكن أعرف إن كنت قد جئت لتقرأ أم لتُقرأ، لتبحث عن قصيدة تنقذك من نفسك، أم لتضع قلبك فوق الطاولة وتترك الآخرين يتأملون جراحه باعتبارها مادة صالحة للنقاش. كنت تجلس في الطرف المقابل، تحيط بك الوجوه والكلمات وأكواب القهوة، وتبدو كأنك تنتمي إلى ذلك المكان أكثر مما...
ألقي جسدي الخائر على مقعدٍ رخاميّ، اكتسى بالتّراب، ألصق خدّي بجذع الشّجرة العتيق الملاصق للمقعد من جهة اليمين، تنزلق نظراتي المشوّشة إلى العشب المُصفرّ.. ألمحها بعينيَّ الكليلتين، حين سقطتْ سقطتُ معها، أو هكذا شعرتُ، لم تكن سوى ورقةٍ يابسةٍ هشَّةٍ، لفظتها شجرتها كساقطةٍ تتخلَّص من فضيحةٍ،...
طريق الجِريّة
حيدر عاشور
يغفو طريق (الجِريّة)* ويستيقظ على ضفاف الفرات؛ كما يروي أهالي كربلاء، حيث تتلألأ بيوته الطينية الدافئة وكأنها ولدت من رحم النهر. وتحت ظلال بساتين النخيل المعمرة، التي تناقلت الأجيال خضرتها أمانةً عبر الزمن، كان يقطن الشيخ (أبو عدنان) الكظماوي. لم يكن الكظماوي مجرد رجلٍ...
في طريقه إلى العمل، تزاحمت أمثال جدّته في رأسه كما يتدافع الركّاب على باب الحافلة. وحين صعدت تلك المرأة، مدّ السائق يده قائلاً:
ـ تذكرة يا مدام؟
رأى في ملامحها حدّة، وفي كتفيها اتساع، وفي مشيتها صلابة رجلٍ يعرف طريقه.
مدّت إليه الأجرة، فالتقطها بأطراف أصابعه، وقال بنبرة هادئة:
ـ تفضّلي الباقي يا...
يمور العالم داخل بطن فرن مشتعل كالذي أمسكت يوما بعصاه الحديدية و شويت بها قفا ابن عم لي ؛كنا نتصارع على رغيف الخبز، ومن تلك الساعة وأنا في دوامة تأخذني حيث لا أكاد أشبع صغاري، خيل لي أن المحرقة التي أعدها هتلر ما يزال شبحها يخيم من جديد متوعدا بفناء هذا الكون، فم السقاء عبث به فأر الجيران الذين...
أنا رجل عجوز، أعيش في صقيع الوحدة القارس. أسكن شقة في الطابق الرابع، تطل شرفتها على نوافذ وشرفات البنايات المقابلة في هذا الحي التركي الذي استقررت فيه منذ عشر سنوات. لا أخرج إلى الشرفة إلا نادراً، وبدافع وحيد هو تجفيف الغسيل؛ فلا رغبة لي في أن يثير وجودي ريبة الجيران أو يتهمني أحد بالتلصص. أكتفي...
القطة
قصة قصيرة:
بقلم محمد محمود غدية / مصر
اعلان فى الصحف عن مكافأة نصف مليون جنيه لمن يعثر على الكلبة كاتي، التى قفزت من شباك النافذة، وهى كثيرا ماتفعل ذلك وتعود، حتى كان يوما قفزت فيه ولم تعد، المبلغ ليس بالقليل، الكثير حاولوا البحث والفوز بالجائزة ولم يفلحوا، فالكلبة من سلالة نادرة ورمادية...
- صوت المذيع يصدح بصوت جهوري مهيب: هنا الجمهورية الديموقراطية الشعبية!!
البث التلفزيوني توقف إلا من هذا الصوت الذي يردد بشكل متكرر: هنا الجمهورية الديموقراطية الشعبية، ويهدد بعدم التورط في أي عصيان أو تمرد مدني!!
تميز بيتنا في هذا اليوم بحركة غير عادية، وغريبة، وغامضة؟ جدتي لأبي...
لم تكن جيهان تؤمن بأن العدالة عمياء كما تصفها الكتب، بل كانت ترى أنها تفتح عينًا حين يقف أمامها صاحب نفوذ، وتغمض عينيها حين يكون المتهم رجلًا فقيرًا لا يملك سوى اسمه ووجهه المتعب. ومع ذلك، ظلت تؤمن أن هناك دائمًا مساحة صغيرة يستطيع القانون أن يتنفس فيها، وأن المحامي الحقيقي ليس من يربح كل...
كل صباح تأتي بعباءتها السوداء تحمل جرة فخارية تضمها إلى صدرها كأنها تمسك ضلع مكسور . تمشي بمحاذاة الشاطئ متكئة على عصا من جريد النخل تنقل قدميها النحيلتين المرتعشتين حتى تبلغ الركن الذي تتكسر عنده الأمواج ثم تجلس تحت نخلة لا يتذكر أحد من زرعها ولا لماذا تركت وحيدة في طرف القرية .تغمس أصابعها في...
كان يزن يرسم بيتهم للمرة الثالثة؛ عمارةً من خمسة طوابق، نوافذها زرقاء، وشرفة أمّه مليئة بأصص الريحان. رسم أباه واقفًا عند الباب، وأمّه في الشرفة، ثم رسم نفسه أمام البيت بسيارة حمراء صغيرة في يده.
رفعت أمّه رأسها من المطبخ وسألته: ليش بترسم البيت كل مرة يا يزن؟
ـ عشان لما أكبر وأصير مهندس، أبني...
حين اهتزّ سكون الليل بطرقات الباب، لم يكن الصوت مجرد قرع عابر، ورغم أن العتمة كانت قد طمست معالم الكون بالخارج، إلا أن الرجل أدرك بحدسه القلق أن الظلام لا يملك القدرة على تبديل هوية الأشياء، ولا تحويل صدى المعدن إلى خشخشة خشبية ميتة.
فتحت المرأة الشابة الباب والتردد ينهشها، فخطا القادم نحو باحة...
تحت شجرة البلوط العتيقة، كنت جالسا على صخرة ترابية عند مدخل الدوار، أنتظر الحافلة الوحيدة التي تمر من هناك مرة في اليوم. لم أكن أعرف إن كانت ستأتي في موعدها، ولا إن كان السائق سيقرر المرور أصلا. كانت الحقيبة الفوشية تستند إلى ساقي، وقد بدت لي غريبة في ذلك المكان، بلونها الصارخ وسط التراب وأوراق...
لم يظهر كافكا لي لأنني كنت في براج.
ظهر لأنني كنت قد وصلت إلى السؤال الذي ظللت أهرب منه طوال حياتي.
طوال سنوات عملي في الآثار، كنت أظن أنني أبحث عن الماضي. كنت أبحث عن المقابر، والتماثيل، والنقوش، والبرديات، والمدن التي ابتلعها الزمن. كنت أقرأ أسماء الموتى، وأحاول أن أعيد إليهم أصواتهم. كنت...