ها قد جاء السَّابع عشر من أيَّار يا مها، اليومُ الذي "تتوقّف فيه الأرضُ عن الدوران"، عادَ محملًا بأزهار نهايةِ العامِ الثالثِ من التَّاريخ الجديد، وناكئًا جُرحَ القلبِ الذي ما زالَ يَحملُ النَّعشَ ويرفض أن تُوصد الأبواب...؛
فــ عن أي علامةٍ سيحدثنا هذا اليوم العظيم؟
عن عامٍ لا يعرف أثرَه إلا...
رأيتُكِ يا ندى من بعيد،
وعشقتُ فيكِ البَعيد،
تلك الصِّفاتُ التي لا يَنظر لهَا من جالَسَكِ؛
إلا إذا
دخَلَ في سَردابِ روحكِ...!
كنتِ تُقبلين إلى مقعدي،
كعاريةٍ تتغنّج،
وهي:
لم تَزِد على المَشي الذي يمشيه الناسُ...؛
كانت روحكِ جَسدًا لذيذًا،
يُراودني عن نفسِي، ولم أستعصم،
بل قذفتُ بروحي...
تطوف بالمرءِ أيامٌ كأنها جنازات في مقبرة، ثم تظهر له سيدة بلغ عمرها الخمسين...؛ فتنتشله من حضيضِ الأرض...،
سيدة كَبر فيها كلٌ شيء ما عدا خديها، حيث كانت تنام على الكتبِ، فيتوقف الزمن بهما...،
سكنتُ في بيتها يومين، وظللتُ متيمًا بحكاياتها التي تخترعها من مكانٍ لا يعرفه إلا هي وربها.
حين تنامُ أظل...
قرأتُ مرةً في كتاب فيزياء عن (القزم الأبيض)، وظلَّ في ذاكرتي مصحوبًا بسؤال: هل تحتمل الفيزياء المجاز؟ ثم قلتُ: وهل يستطيع الإنسان أن يفهم الكون إلا بالمجاز؟ وسجّلتُ في دفتري آنذاك: "كلُّ ما يفعله الفيزيائيون المُحدَثون هو اختراع أسماء تروي لنا ماذا يجري في السماء"، فالذي قال (الانفجار العظيم)...
"لا شَيءَ يَعدِل نُزهةً مع امرأةٍ تُحبها".
هذه جملةٌ قالها عابر حياة، تَخلَّصَ بها من عِبء الكتابة الأبدية، وأكَّد بها أهمَ لحظةٍ يُظفَر بها للعودةِ إلى الحياةِ ذاتِها. فدائمًا هناك قشور تُغلّف الحياةَ، كقشورِ البصلةِ المتراكبة. ولكنَّ فجيعتَه أنه حين يحكِي لامرأةٍ يُحبها، فإنَّ ذهنه (يكتب)...
• أتيتُ إلى قبر محمود درويش؛ فوجدتُ (وردًا أقلَّ) من أيِّ سنةٍ مضت..!
…
كنتُ أبكي حتى رأيتُ الوردَ الأقل؛ فابتسمت؛ كأنك يا محمود تعرف أنَّ ذلك الديوان الذي ارتكيتَ عليه كثيرًا وخذلكَ فيه النُقَاد سيعود متجسدًا حول قبرك؛ بعد أن ينسى الناسُ الطريقَ نحو الشِعر.
…
إذن ليكن الجلوس هنا معك من مطلع...
ماذا لو تناثر ذهب على شوارع مدينة من إثر زلزالٍ أنهى حياة البشر؟ أيكون الذهب -لحظتها- كحصى في برية؟
ربما، فالفضل بن الحباب يقول لنا:
"أأنشر البزَّ فيمن ليس يعرفه
أم أنثر الدر للعميان في الغلس"
فقيمة الدر بلا عين تخلق قيمتَه كقيمة النصِ بلا عين تفهمه.
فلنتخيل -مع ابن الحباب- أبعادَ بيته،...
ما الذي يجمع بين بئر ماءٍ في قريةٍ ريفيةٍ أمريكية، ومجلس قضاءٍ في المدينة المنورة في القرن الأول الهجري؟ ربما نفس الجامع بين عالمة اقتصادٍ تُنقِّب في سلوك المجتمعات الريفية وخليفةٍإسلامي يقف على حدود النص والاجتهاد، لا يجمعهما إلا مفهوم البُعد والتباعد، لكن لنستعن بأبي حيان التوحيدي ليُدهشنا بما...
من منَّا يستطيع دفنَ الزمن؟ ربما كلنا حين نجعله بلا وظيفة. وهل يخلو زمنٌ من وظيفةٍ ما؟ ربما نعم إذا جردناه من كونه أداةً نضبطها، ونُحاسب عليها من شرطةِ الزمن: الشرطة التي قَسَّمت الزمنَ إلى حقولٍ وظيفية مدنية: زمن إنتاج، وزمن ضائع، وزمن مستقطع. ومن هذا التقسيم لن يكون لديك زمن لدفن الزمن، إلا...
لم يَكن الّلقاءُ بينهما عينًا إلى عين، بل حبرًا في حبر، وشِعرا إلى شعر، تشابكت رؤاهما في عشقِ فراشةٍ احترقت في أنثويّةِ الكون، وتعانقت أرواحهما في هوامشَ لم يكتبها أحد.
كانا عشيقين من طرازٍ نادر، لا تثيرهما إلا استعارةٌ أدبيةٌ كأنَّها الشَّهوةُ الجنسية، لكنَّ الغَيرة كانت تتجلَّى كنصٍ مهترئ، فهي...
كانت الليالي العتيقة مكتوبةً على كلِّ ورقةٍ من أوراقها...؛ ليالي الألم الصامتِ والفرحِ المنتظر لمعنى يكبر داخلَ أمعاء الكون. شجرة صمدت بوجه ِ حفيف ِ الاكتئاب الذي كنتُ أنحته على جذعِها وبين أليافِها...!
أذكرُ الآن ليلةً كأنَّها ليلةُ قدرٍ لعاشقٍ لا يملّ من التذاذِه برؤيةِ حبيبته، لذته بها كألفِ...
في رثاء اختلالٍ دائري
قابلني عند بوابةِ الفندقِ مع اكتمال الدورة الثانية للحياة الجديدة، ليَسألَنِي عن آثارِ أقدامِ الفيلِ الثاني في أطرافِ وجهي…!؟
سَكتُّ بمقدارِ الفَجْوَةِ الكونية المفاجئةِ بين عامين متجاورين، عامي ٢٢، و٢٣م…! فغضب من سكوتي وحيرتي واكتئابي فأدخل يدَه في فمي وسحب لساني وقرأ ما...
(أ)
كأني فنانٌ في قَرنٍ غريبٍ، والناسُ كلهم يعيشون القرونَ الوسطى، فأخذتُ أقيسُ المسافات وأحدد المبتغى عبثًا، لعلَّ العشيقَ يظهر من خرطومِ الفيل، أو أذنيه، أو حتى من قضيبِه بعد أن تمتلئ عيناه شبقًا.
وحين يسألني الفيلُ: لِم كل هذا؟ أهمس بصوتٍ غير مسموع:
لا أجد إلا نسخًا مزيفة، وليس لي إلا اختيار...