(أ)
كأني فنانٌ في قَرنٍ غريبٍ، والناسُ كلهم يعيشون القرونَ الوسطى، فأخذتُ أقيسُ المسافات وأحدد المبتغى عبثًا، لعلَّ العشيقَ يظهر من خرطومِ الفيل، أو أذنيه، أو حتى من قضيبِه بعد أن تمتلئ عيناه شبقًا.
وحين يسألني الفيلُ: لِم كل هذا؟ أهمس بصوتٍ غير مسموع:
لا أجد إلا نسخًا مزيفة، وليس لي إلا اختيار...
هل يعرف أحدٌ مَن هو جُحَا؟ أوليٌّ من أولياء الله ومن تابعي صحابةِ رسول الله كما قال القُطب الشَّعراني؟ أم شخصية وهميّة من اختراعِ الجاحظ كعادته البديعة؟ أو هو رجلٌ صعلوكٌ مجنون اسمه دجين بن ثابت الفزاري -عاش في مطلع العصر العباسي- حُوِّلت أفعالُه الحمقاء إلى طرائف تُروى؟ أم هو على النَّقيضِ رجلٌ...
عزيزي سالم،
كيف أنتَ، وكيف كُنت، وكيفَ شربتَ الزمنَ كما تَشربُ القهوةَ المُرَّةَ المستطابة؟
أخيرًا يا صديقي الحبيب اخترتَ منفاكَ، هُناكَ في أقصى الأرض؛ حيث تتجمّد اللغةُ قبل أن تُقال.
إني أراك الآن وقد جلستَ في كُوخٍ صغيرٍ بين ثُلوجِ سيبيريا، لا هاربًا من العالم، بل عائدًا إليه. ويا...
المكان:
مقهى (برزخ الصَمتِ الضاحك)
الزمان:
قبل أن تُبدَّل الأرضُ غيرَ الأرضِ، وقبلَ أن يُبرز المقهى للهِ الواحدِ القَهَّار بدقائقَ معدودة.
الوجود:
[طاولتان، فنجانان، وكتابٌ مفتوح على لا شيء.
جُحا يضحك من المعنى، وفتغنشتاين صامتٌ إلى المعنى، واللغة تمشي حولهما كنادلٍ يُقدِّم ما يجب عليه...
"في أعماقِ المحيطِ الأطلسيّ، مِرآةٌ تَجذبُ تاريخَ العالمِ، وتختزنه في عَوالمَ مُوازية".
؛
هذه جُملةٌ مدهِشةٌ قالتها لي فَتاةٌ مَغربيّة، كأنَّها خَرجت من المحيط. ولا أدري هل هذه الجملة مدهشة فعلًا، أم أنّي أُدهَشُ كثيرًا بسردياتِ النساءِ للعالم، وجمالهنّ حين يَنفين تأويلَ المَنطقِ الذي ضاقَ به...
في كُلِّ ليلةٍ وأنا على السريرِ -أثناء اليَقظةِ الكاملةِ التي تسبق النوم- أتلو هذا الوِرد:
[مَنِ المُتَغرِّب عَن الآخَر: أأنتَ أم الحَياة؟
وإن رأيتَ نفسَكَ في المِرآةِ، فمَاذا تَرى؟ أتَرى غَريبًا في الحَياةِ، أم حياةَ غريب؟
ها أنتَ تَركضُ لاهثًا إلى المِرآةِ كُلَّ سَاعةٍ؛ لتَرى ما الجديد الذي...
في يوم تكريمكِ، -يومِ الحفلِ الذي فاز به كتابُكِ الذي عِشتُ معكِ فيه خطوةً بخطوة- كنتُ قائمًا وراءك، وأقتربُ منكِ؛ كي أنظر لعينيكِ وهما تبرقان، من فَرطِ إبداعكِ...!
ولا أنسى ساعاتِ الكتابة، ساعاتٍ كنتُ فيها أنظر إلى الكلمات وهي تنتظر بجوارِ قلمِك، تتسابق إلى أوراقكِ، كأنَّه مشهد راقص بين حبيبةٍ...
بدأت الخُطواتُ في ذلك المقهى -المعزول عن صخب المدينة- ربيعَ ٢٠١١م، حيث كنتُ أُطِلُّ على نافورةِ القسمِ الغَربي منه، جالسًا بزاويتها أكتبُ مساراتِ شخصياتِ نَصّي العَصِيّ على النسيانِ والاكتمال (كتاتيب أكاديمي)...؛
وكنتُ -آنذاك- أناظِر في نَقدِ الخطابِ الدينيّ مع شِلَلٍ مشلولةِ الواقعِ...
ها نحن نستقبل تشرينَ مرةً أخرى يا حبيبتي،
هل تَذكرينَ الأولَ من تشرين عام ٢٠١٢م في عَمًّان؟
كانت الأرضُ تَتَفتَّق والسماءُ تتشقَّق؛ لتستقبِلَ حُبنا...؛ أمسكنا الشَّمسيةَ وتكوَّمنا كجسدٍ واحدٍ، فالتصقَ العِشق ُ بنا...!
قلتِ ضاحكةً: هي الآنَ مَطريّة وليست شمسيّة...!!
فقلتُ: وهي على مَرِّ الأزمان...
لنهاياتِ أيلول شُعور غامضٌ حزينٌ يتطلع للسعادة...!؛
في يوم ٢٨، أيلول، ٢٠١٣م
أمسكتُ بدفتري الصغير تحت ضوءٍ ضعيفٍ في طعسٍ هزيلٍ من طعوسِ ثمامةِ الرياض، وكتبتُ بلا وعي سطرًا قصيرًا:
"أيلول يا مبدأ التدوين".
شعور ذلك اليوم أخفى أشياءَ وأظهر أشياء:
أظهر جنازةَ حياتي السابقة تتحرك أمامي من تحتِ...
همسات إلى (مها الرشيد) بعد عَامٍ من موتها.
هَمسةٌ أولى:
قيل يا مها إنَّ اللهَ وضعَ أسرارَه في أعماقِ المحيطات منذ ملايين السنين، وكلما خرجَ كائنٌ حيّ من الماءِ إلى اليابسة خرج معه سر...!،
وليس للإنسانِ كي يَكشِفَ السِرَّ إلا أن يَغوصَ في أعماقِ تاريخِ قلبِه العتيق، ذلك الذي عاشَ حيواتًا...
1- ابتداءً لابدَّ من إيضاح أنَّ هذا المكتوب تحقيقٌ لمخطوطةٍ كُتبت عام 1970م، لأحدِ أفرادِ القرية التي أنتمي إليها، وهو حين غادر وعيُه إلى حيث لا أدري، تركَ أشياءَه في صندوقٍ بُني قديم. لم أجد من هذه المشاهد إلا ما هو مُدوّن هنا، ومازلتُ أبحث عن أوراقٍ تُكملها أو تُضيف عليها.
وقد أنشر لاحقًا...
مع كل خطوةٍ؛ من خطواته؛ تاريخٌ من عرقٍ تصبّبَ في (ثلاثين) كوبًا؛ هي زمنُ الصراعِ الطويلِ بينه وبين مَن يرقد في الغرفة (٣٠).
(ثلاثون) خطوة من باب المستشفى، حتى غرفة الموت.
..
في الخطوةِ الأولى:
رأى كلُّ مَنْ بالمشفى رِمشَه يَسَّاقَط من وميضِ الوجع.
وفي الثلاثين:
دخلَ الغرفةَ؛ ليبحث عن رموشِ...