بالأمس فقط، وقعت في يدي تلك البطاقة العاجية؛ جواز سفري المجاني لركوب الحافلات والقطارات في هذه المدينة التي آوتني بعيداً عن وطني الأم. هذا الصباح، استيقظتُ وفي صدري رغبة عارمة في التمرد. قررتُ أن أطأ ضواحي وأماكن لم تلمسها قدماي منذ عشر سنوات كاملة.
ارتديتُ ملابسي بكامل الأناقة، كأي رجل عجوز شهد...
على طاولة الأدب لمحتك من بعيد، ولم أكن أعرف إن كنت قد جئت لتقرأ أم لتُقرأ، لتبحث عن قصيدة تنقذك من نفسك، أم لتضع قلبك فوق الطاولة وتترك الآخرين يتأملون جراحه باعتبارها مادة صالحة للنقاش. كنت تجلس في الطرف المقابل، تحيط بك الوجوه والكلمات وأكواب القهوة، وتبدو كأنك تنتمي إلى ذلك المكان أكثر مما...
سارا بضع خطوات. ملّا من الجلوس في مقهاهما المعتاد. قررا أن يبحثا عن مكان جديد. هذا المقهى تسيره امرأة وفتاة. النساء أحيانا يسيرن المقاهي أحسن من الرجال. جلسا وطلبا كوبي قهوة على الطريقة الإيطالية. وضعت النادلة الكأسين والماء مع ابتسامة لطيفة.
سأل عمر صديقه المهدي:
ـ هل تعلم لماذا كان الناس...
أخيرا وافق زوجي أن نتناول العشاء في مطعمٍ فاخر احتفالا بعيد زواجنا، عقدت الأحلام والآمال على ساعات من الرومانسية الخالصة، لكنه انشغل عني بمكالماته التليفونية التي لا تنتهي.
وضع النادل الأطباق أمامنا، الطعام يبدو لذيذا، لكنني فقدت شهيتي أمام انتظاري الطويل، ومرت الدقائق وئيدة، وأنا ما زلت تحت...
كان أبي يقول إن القاهرة لا تنام، لكنها في تلك الأيام كانت تستيقظ على صوت الترام.
كنت صبيًّا في الثانية عشرة، أعيش مع أسرتي في حارة قريبة من العتبة الخضراء. وكان أبي يعمل خياطًا في الموسكي، يخرج كل صباح حاملًا حقيبته الجلدية، ويعود عند الغروب ورائحة القماش والصبغة عالقة بيديه. أما أنا، فكنت أجد...
ـ ألو... أهلا وسهلا.
ـ أهلا بك. أريد الأستاذ سامي.
ـ معك، تفضلي.
ـ شكرا. سعيدة لأنك لم تغيّر رقم هاتفك منذ ذلك الوقت.
ـ أي وقت؟
ـ منذ كنت تلميذة عندك.
صمت قليلا، ثم قال:
ـ من معي؟
ـ معك سناء ح.
حاول أن يستحضر الاسم، لكن ذاكرته خانته. كان تجاوز الستين من عمره، يحتفظ بأسماء الشعراء والقاصين الذين...
في هذه الأرض البعيدة ينبت النهار مبكرًا، تهتز نبتته سريعًا في انتفاض مورق مع أول ضوء، ينفلت في ثقل وإعياء، كمن يئن من تحت حمل ثقيل، يسير الخلق هنا في رتابة يتعلمونها مع الأيام؛ تعلمهم سنن الحياة والتعايش، العمل، الأكل، والاشتباك مع الوهم، مع اللاشيء في معارك لا تنتهي، يظل المرء يلهث وراء السراب،...
على طاولة الأدب لمحتك من بعيد، ولم أكن أعرف إن كنت قد جئت لتقرأ أم لتُقرأ، لتبحث عن قصيدة تنقذك من نفسك، أم لتضع قلبك فوق الطاولة وتترك الآخرين يتأملون جراحه باعتبارها مادة صالحة للنقاش. كنت تجلس في الطرف المقابل، تحيط بك الوجوه والكلمات وأكواب القهوة، وتبدو كأنك تنتمي إلى ذلك المكان أكثر مما...
ألقي جسدي الخائر على مقعدٍ رخاميّ، اكتسى بالتّراب، ألصق خدّي بجذع الشّجرة العتيق الملاصق للمقعد من جهة اليمين، تنزلق نظراتي المشوّشة إلى العشب المُصفرّ.. ألمحها بعينيَّ الكليلتين، حين سقطتْ سقطتُ معها، أو هكذا شعرتُ، لم تكن سوى ورقةٍ يابسةٍ هشَّةٍ، لفظتها شجرتها كساقطةٍ تتخلَّص من فضيحةٍ،...
طريق الجِريّة
حيدر عاشور
يغفو طريق (الجِريّة)* ويستيقظ على ضفاف الفرات؛ كما يروي أهالي كربلاء، حيث تتلألأ بيوته الطينية الدافئة وكأنها ولدت من رحم النهر. وتحت ظلال بساتين النخيل المعمرة، التي تناقلت الأجيال خضرتها أمانةً عبر الزمن، كان يقطن الشيخ (أبو عدنان) الكظماوي. لم يكن الكظماوي مجرد رجلٍ...
في طريقه إلى العمل، تزاحمت أمثال جدّته في رأسه كما يتدافع الركّاب على باب الحافلة. وحين صعدت تلك المرأة، مدّ السائق يده قائلاً:
ـ تذكرة يا مدام؟
رأى في ملامحها حدّة، وفي كتفيها اتساع، وفي مشيتها صلابة رجلٍ يعرف طريقه.
مدّت إليه الأجرة، فالتقطها بأطراف أصابعه، وقال بنبرة هادئة:
ـ تفضّلي الباقي يا...
يمور العالم داخل بطن فرن مشتعل كالذي أمسكت يوما بعصاه الحديدية و شويت بها قفا ابن عم لي ؛كنا نتصارع على رغيف الخبز، ومن تلك الساعة وأنا في دوامة تأخذني حيث لا أكاد أشبع صغاري، خيل لي أن المحرقة التي أعدها هتلر ما يزال شبحها يخيم من جديد متوعدا بفناء هذا الكون، فم السقاء عبث به فأر الجيران الذين...
أنا رجل عجوز، أعيش في صقيع الوحدة القارس. أسكن شقة في الطابق الرابع، تطل شرفتها على نوافذ وشرفات البنايات المقابلة في هذا الحي التركي الذي استقررت فيه منذ عشر سنوات. لا أخرج إلى الشرفة إلا نادراً، وبدافع وحيد هو تجفيف الغسيل؛ فلا رغبة لي في أن يثير وجودي ريبة الجيران أو يتهمني أحد بالتلصص. أكتفي...
القطة
قصة قصيرة:
بقلم محمد محمود غدية / مصر
اعلان فى الصحف عن مكافأة نصف مليون جنيه لمن يعثر على الكلبة كاتي، التى قفزت من شباك النافذة، وهى كثيرا ماتفعل ذلك وتعود، حتى كان يوما قفزت فيه ولم تعد، المبلغ ليس بالقليل، الكثير حاولوا البحث والفوز بالجائزة ولم يفلحوا، فالكلبة من سلالة نادرة ورمادية...
- صوت المذيع يصدح بصوت جهوري مهيب: هنا الجمهورية الديموقراطية الشعبية!!
البث التلفزيوني توقف إلا من هذا الصوت الذي يردد بشكل متكرر: هنا الجمهورية الديموقراطية الشعبية، ويهدد بعدم التورط في أي عصيان أو تمرد مدني!!
تميز بيتنا في هذا اليوم بحركة غير عادية، وغريبة، وغامضة؟ جدتي لأبي...