سرد

في صباحٍ لم يكن يشبه غيره، وقفتُ أمام بوابة إعدام السيارات، أحمل في يدي قرار الحكم بالاعدام، وأحمل في قلبي ثلاثين عاماً من طريق الذكريات. نظر العامل إلى سيارتي الحمراء وسأل ببرود: "هل هي للبيع؟" أجبته بعد صمتٍ طويل: "لا... إنها للموت." ابتسم ظانًّا أنني أمزح، ثم أخذ يدقق في رقم الهيكل، بينما...
كان يظن أنه يسير والأيام تمشي بجانبه بإيقاعٍ منضبط، بل كان يتوهم أنه قائدها الذي يروض الساعات بمقود يقظته الصارمة. كان “عادل” يبعثر وجوده بعناية فائقة بين ضجيج النهار ومقام الصحوة المتعبة ليلًا، كمن يرسم حدود يومه على خارطة من يقينٍ مصطنع، ويقنع نفسه أن الحياة ليست سوى جدول بيانات يمكن إحكام...
المدينة التي أصبح الثعلبُ حاكمَها الجديد، استعدَّت لتلقّي تعليماته وتوجيهاته. الثعلب الذي أصبح الحاكم الجديد لمدينة موغلة في القِدَم، أراد لها أن تكون مدينة منسوبة إليه. الرعية في المدينة القديمة، انتظرت الخطاب التاريخي لحاكمها ، متلهفة إلى نوع الجديد الذي يقدّمه لها. الخطاب التاريخي المتلفز...
في وحدته التي اختارها طواعيةً، تذكَّر صورة كاتب قديم، كان كلَّما يدخل لحظة تأمل في الوجود، كما سمّاها بنفسه، يترنّم بالأغنية التي اعتبرها أسلافه،الأغنيةَ الوحيدة الموجودة في الكون، حيث لا تقتصر على البشر وحدهم، فلا يعود يشعر بالوحدة البتة . استعذب تلك الحالة، وهو يحاول أن يعيشها من الداخل . حين...
الفصل التاسع والعشرون: عندما يسقط العرش ويستيقظ الضمير أما هناء فكانت تخوض معركتها الأخيرة؛ تلك المعركة التي لم تبدأ يوم اعتقالها، ولا يوم أُغلقت خلفها أبواب الزنازين الثقيلة، بل بدأت منذ اللحظة التي قررت فيها أن تكتب. منذ أن آمنت أن الكلمة ليست حبرًا على ورق، بل مسؤولية، وأن الصمت أحيانًا...
سطوة الحب بقلم: محمد محمود غدية الحب يعني زهرة ذابلة بين طيات كتاب أو تحت وسادة، وتنهيدة طويلة؛ يأتي بغتةً مثل عاصفة فتُطفئ سراج العقل. ولأنها لا ترغب في أن تكون لعبةً في يد من تحب، أوصدت قلبها؛ هي التي لا تعرف البغض ولا الكراهية، بسيطة، رقيقة، ومجتهدة، لها عينان تشبهان صفاء السماء وصخب البحر...
استهواه الطيران كثيراً، فاستسهل التحليق عالياً، وهو واقف على أعلى ذروة جبل معمَّم بالضباب.. رمى بنفسه في الفراغ الهائل تحت وطأة نشوة استباقية. أدرك سريعاً أن ثمة هاوية سحيقة تنتظره . *** قال الولد لأبيه: لقد أصبحتُبالغاً وراشداً وقد نبت شعر ذقني ولحيتي، وآن أوان زواجي. ابتسم الأب، ومع...
كنتُ ضمن حركة الأنصار في أيام الكفاح المسلح في جبال كردستان ضد دكتاتورية صدام، حيث كان الموت يتساقط من السماء على شكل غازات كيميائية تخنق القرى والناس. كنتُ أعرف أن النجاة تكمن في الماء، فأغسل جسدي سريعًا لأطرد السموم، وأواصل السير بين الخراب. وبعد سنوات من المنفى في إيران وسوريا، درستُ في...
لم يكن يمر يومٌ في منزلنا دون عقد ما يشبه المجلس العرفي الذي تديره أمي الحاجة "غالية" التي تجلس وسط سيدات القرية في هيبة ووقار، تعطيهن النصائح بعقل وحكمة في أدق تفاصيل حياتهن، ثم يقبلن يدها وينصرفن بعد التعهد بتنفيذ التعليمات بحذافيرها. ونادراً ما تغادر أي سيدة الدوار دون "أخذ الواجب" سواء كان...
يقضي أكثر وقته علي المقهى في المناقشات مع اغلب روادها ،هو في الحقيقة إذا شئنا الدقة لا يناقش لسبب بسيط وهو أنه لا يستطيع أحد حتى وإن كان خطيب مفوه أو يتمتع بسلاطة لسان، أن يتحدث في وجوده ليس؛ لسعة علمه وقوة منطقه، فهو يعتقد أنه يتحدث ويناقش، ولكنه يخطب ويلوح بيديه وكأنه زعيم بصدد بناء أمة...
الباب موارب. دفعه الأب برفق، ثم توقف عند العتبة. جال ببصره في الغرفة؛ ملابس متناثرة فوق الأرض، كتب مبعثرة بين السرير والمكتب، درج نصف مفتوح، كوب على حافته بقايا عصير جفّت، والغطاء ملتف، مهزومًا في معركة مع النوم. تنهد طويلًا وقال: ما هذه الفوضى التي تعيش فيها؟ رفع الابن رأسه عن هاتفه، ألقى نظرة...
الجزء الخامس والثلاثون: البحر الذي يسكن النص في تلك الليلة، لم تكن باريس تشبه نفسها. كان المطر يهطل على استحياء، كأنه يخشى إزعاج الحزن الجالس إلى جواري. أما أنا فكنت أجلس أمام الورقة البيضاء وأتأملها كما يتأمل الناجون البحر بعد الغرق. كلما حاولت أن أكتب عن شيءٍ آخر انتهيت إليك، وكلما حاولت...
جاء إبريل، وولّى الشتاء، وقلتُ: سأنام هادئ البال. احتسيتُ آخر كأس شايٍ مُرّ، وفرشتُ فرشتي الممنوحة، والتحفتُ بالبطانية الخشنة. وكان الجوُّ رائقًا، والسماءُ تلوّنت بزرقةٍ مدهشةٍ لم تشبها شائبة، فيها جلس القمر متفاخرًا، لا ينافسه في مُلكه العالي ملك. وكان مرصدي ثقبٌ في الخيمة جاور جبهتي؛ منه أختلس...
حين أفتح باب بيت أبي، أشعر أن الزمن لم يغادره. إبريق القهوة النحاسي ما زال في مكانه، وستارة النافذة تتحرك مع الهواء كما كانت أيام أمي. حتى رائحة الهيل، كلما دخلت، تخيلت أنها ستخرج من المطبخ وتمسح يديها بمئزرها وتقول: ـ تأخرتِ يا سارة. لكن البيت لم يعد بيتًا، وأمي لم تعد هنا. بعد وفاة أبي، كنا...
كان اهتمامي، ولا يزال، بالغباء في صدارة هواياتي قراءةً وكتابة كذلك.ففي الغباء، في الكثير مما قرأتُ، تبيّن لي أن هناك من يتَّصفون وحيث عشتُ وأعيش، بدرجة عالية من الذكاء والفطنة. وعليَّ أن أصحح حقيقة ذات صلة بالغباء، كامنة في النظرة الأحادية إليه. هناك أشخاص ممَّن عرفتهم وأعرفهم، وممن تابعتُهم...
أعلى