سرد

الفصل الأول: على حافة القلب قال لها: في البال امرأةٌ ترقصُ على حافة القلب... ابتسمت بخفة، وكأنها تستمع لنغمة لا يسمعها سواها. قالت بصوت متقطع بين الحلم واليقظة: أنا لا أنامُ لأحلم، بل أسرقُ الليلَ من عينِ السهر، وأعجنُ من خوائكَ طفلاً يشبهُ شتاتي… ثم أُسمّيهِ أنت. جلسا على أطراف مقهى صغير، قرب...
قرّر الطبيبُ إجراء كشف عاجل للبرتقاليّ والأزرق لمعرفة مَنْ منهما صاحبُ الشهية الأقوى في القتل وصنع الدمار! بلا مقدمات، الطبيب يعلم أنهما صديقان محترفان، لكن، لا بدّ من سماع الأقوال، فربما يتفوّق أمامَه سفّاح على قاتل...
المشهد الأول: الفستان الضيّق فستانها الضيّق يضغط على كل لحظة من جسدها، لكنه يخلق مساحة واسعة للتعاسة. كل خطوة تبدو صعبة، وكل حركة تكشف عن ألم لا يُرى إلا في صمت العيون. كان العالم حولها هادئًا، لكن داخلها كان هناك صخب مستمر: صوت قلبها الذي يرفض أن يُطاع، وأنفاسها التي تكافح الهواء، وظلها الذي...
حين دخل، كانت الساعة تقترب من منتصف الليل. الكتب القديمة تملأ المكان، والأرضية الخشبية تئن تحت خطواته، كأنها تحفظ ذاكرة من مرّوا قبله. رائحة الغبار ثقيلة، كأنها بقايا كلمات ماتت. على الطاولة آلة كتابة عتيقة، وأوراق متراكمة، وأقلام جف حبرها منذ زمن. جلس، وقلبه ينبض بعنف. رفع الغطاء عن آلة...
ما بين هدير الطابور وضجيج الفصول، كانت تمرُّ أمامهُ حاملة دفاترها في يد، وفي الأخرى قلبًا لا يريد أن يَفلِت. لم يكن يراها، بل كان يقرأها. رآها كما تُرى المدن القديمة عند الغروب: بهيّة بلا تباهٍ، خفيّة بلا مُواربة. فيها شيءٌ من أمِّه، وصدقٌ لا يعرفه إلا مَن نشأ في الجنوب، وصوتٌ يرتجف منه الخجل لا...
تنسحب ببطء إلى ذلك الساحل.. تنأى بحلمها أن يغرق في عمق السراب تنفض يديها من كتاب اقصاها عن الهدوء ...تغلق هواتفها التي تستحضر عفاريت الحروب ..تنشد السلام ... .. تصمٌ أذنيها عن تلك الاغنيات الكاذبة عشقا ...التي كثيرا ما نسجت خيوطا من حرير حادة كما نصل يشق واقعيتها تقصف قلمها الذي لطالما...
كرسيّان متقابلان حاضران في المكان ، ما زال للمثنّى بقيّة تحضر! جاءت إليه زائرةً ، أو كان في انتظارها. آن اقترنَا منذ عقد ونيّف بخاتمين ونظراتٍ من حبٍّ كاد يلتهمها، لم تنسَ تلك النظراتِ يومًا . والآنَ، وقد جلستْ أمامه بعد رحلة طويلة مرّا بها، سوف تبدأ معه حديثًا مكرورًا أو ستكون نهاية ما...
محخرج هذا الصباح على غير هدى، تائها محَنَّط الأفكار، يتنفس بصعوبة، يشعر أن حياته أصبحت تفتقد للمعنى، وأن الأحداث تجاوزته وهو يمضي بهدوء بجانب الحائط، غير منتبه لاِنسيابية السنوات وسرعة اِنصرامها، وغير آبه بالوقائع التي عاشها دون أن يستلهم منها العبر، مكتفيا بركنها على رفِّ الذكريات، والمضي خلف...
ينبثق من أكوام الحزن آلام وجروح، ملتحفة بدموع الثكالى والبائسين. يتفجّر صراخ من عمق الفراغ، ويهتز الأفق بصدى أنينٍ تصنعه قلوب مكلومة ذابت في رماد القهر، كأن الصدى يجرّ وراءه قوافل من الأسى، تتعثر في طرقٍ لا نهاية لها، وتترك خلفها آثارًا من رمادٍ يرفض أن يبرد. ومن بين ذلك الصدى الممزق،...
شَفقُ الخَمسِين هَا هو ذا شفق الخمسين، يلوحُ لكَ وتلوحُ معه أطيافٌ من طفولتك وصِباك، متلفَّعة غلالات بيض، تحت أردية زاهية الألوان. أصداء سنوات تحتفظ بها الروح في جيوبها، تنشرها كلَّما دهمها الحزن وسعتْ إليها الآلامُ بملامحها القاسية. أصداءٌ بعيدة بمقاييس الزمن، قريبة بما تبثُّ من مشاعر عصيَّة...
الفصل السابع: بقيتُ أنا حين انقشع الدخان، وجدت نفسي وحدي. الساحة التي كانت تضجّ بأهل الحي صارت خالية، إلا من الرماد المتراكم، رماد يشبه ثلجًا أسود يذوب ببطء في الريح. مشيت بين الركام، خطواتي غارقة في صمتٍ أثقل من أي صراخ. لم أعد أرى وجوهًا، ولا أسمع ضحكات، ولا حتى بكاء. كل شيء تلاشى... كأنهم...
امتد بصري إلى أفق المكان، فصدمتني أعداد الكراسي الملونة قوائمها بقطيفة زرقاء وحمراء، وهياكلها المذهبة اللامعة التي أعلنت في صمتٍ عن انتهاء الحكاية. حينها ارتطمت ركبتي بالحصى، واختلط الغبار بدمعي، وغبتُ عن الوعي. أفقت على الحقيقة: الرجل الذي أفنى عمره يزيح عنا غبار الأذى، ويمهد لنا السبل الوعرة،...
اختارتها طاولة وحيدة فى آخر المقهى، أخرجت بضعة أوراق، أكثر من ساعتين، لم ترفع فيهما القلم عن أوراقها، احتست فيهما فنجانان قهوة بتلذذ واستمتاع، بدت وكأنها تشعر بالخوف، على أمنيات لم تتحق، وأحلام مؤجلة، والرهبة من مجهول ينتظرها، ماأصعب أن يغادر الانسان الحياة، وقد امتلأ جوفه كلمات لم تقل، لذا...
لم أكن أعرف أن الفراق جرحٌ بهذا العمق. كنت أظن أن الوداع كلمة عابرة، لحظة قصيرة تمرّ مثل غيمةٍ صيفية ثم تمضي، لكن حين تركتك ورحلت… اكتشفت أن الفراق ليس لحظة، بل حياة كاملة تُقتطع من القلب دفعةً واحدة. حين غادرتك لم أتركك وحدك… تركت معك عمرًا كاملًا: ضحكاتي التي كانت تخرج من قلبي بلا حساب، دموعي...
"كم من عابدٍ قطع الفيافي بحثًا عن ربّه، فلما واجه حقيقة نفسه؛ احترق جناحاه وصار طيرًا غريبًا ينشدُ وطنًا ليس من تراب". _فريد الدين العطّار (١) جميع أهل القرية يؤمنون أنه من أولياء الله الصالحين، لم يروه...
أعلى