على غطاء المحرك الصدئ لسيارة "شيفروليه 57" المتروكة لعوادي الزمن، كان "هوبي" يجلس مستسلماً للقب "الخبل" الذي وصمه به الجميع. لم يكن يعنيه من العالم صخب السوق، ولا نظرات الشفقة أو الازدراء؛ حتى عائلته التي نفضت يدها منه وتركت مصيره للقدر، معتقدة أنه يتأرجح بين جنون عاقل وعقل مجنون. وحده شقيقه...
لم يكن أكثر ما أخافني في فتحي أنه كان رجلًا أكبر مني، وإنما أنني كنت أعرف، في مكان عميق داخلي، أنني أحب هذا الرجل رغم كل ما بيننا من مسافات لا أعرف كيف يمكن عبورها.
كنت أخاف الاعتراف لنفسي قبل أن أخاف الاعتراف له.
فارق العمر كان يقف بيننا مثل جدار لا أستطيع أن أتجاهله، حتى عندما كان قلبي يتصرف...
وهو يضبط هندامه أمام المرآة
تذكر أيامه وذكرياته مع زوجته الراحلة الست مانجا، وكيف كانت تساعده عندما ينحشر في رقبة هذا الجلباب الضيق... تنفس ببطء ثم ابتسم وهز رأسه وأطلق لذاكرته العنان.
كم كانت طيبة رغم عصبيتها، جدعة وشديدة العزم وقت الشدة، حقانية لا تكذب أبدا، إلا عندما يمرض.
عندما يقول لها...
ظهر مبنى الشهر العقاري أمامهم. واجهة واسعة. وجدران رمادية. وأبواب تفتح وتغلق طوال اليوم.
دخلوا. اختلطت أصوات المراجعين بحركة الموظفين، وخطوات الناس التي تمر في الممرات ثم تختفي خلف الأبواب. وقفوا لحظة قبل أن يتجهوا إلى الداخل. لم يقل أحد شيئًا.
استقبلهم هواء بارد يحمل رائحة...
مرت الأسابيع بطيئة، وانشغلت المدرسة بأحداثها اليومية، لكنني كنت أشعر أن شيئًا ناقصًا. حاولت أن أملأ الفراغ بالكتابة، فكتبت أكثر من أي وقت مضى. بدأت أكتب عن المرأة التي ستصبحها الفتاة الصغيرة يومًا، وعن الأشياء التي ستخسرها وهي تكبر، وعن الرجال الذين يمرون في حياتها، بعضهم يبقى، وبعضهم يرحل،...
أخائفٌ أنت من الموت؟! إلى هذا الحدّ أنت خائف؟ تخاف من ماذا بالضبط؟ من أن ينتهي كل شيء؟ ومن قال لك إن شيئًا سينتهي؟ ومن قال لك إنك ستموت أصلًا؟ ربما أنت ميتٌ منذ زمن... تبدو حيًّا... تتنفس... تتحرك... تتكلم... لكن من قال لك أن الميت ليس قادرًا على كل ذلك؟ هو فقط لا يعرف أنه ميت!!
ربما أنت الآن...
أضافوني، (والصحيح أضفنني) إلى مجموعة الأمهات المدرسية، لم أحضر اجتماع أمهاتٍ واحدًا، لم ... ولم... اكتفيتُ بمعرفة مواعيد خروج الطالبات والاختبارات والإجازات. ظللت صامتًا في مجموعة يعزّ فيها السكوت ، ويجري سلخ الرجال بالسخرية والإشاعات.. والنكات فوق الحزام وتحته !
تخرّجتْ ابنتي ، فغادرتُ...
( سنتياجو )
قصة قصيرة:
بقلم محمد محمود غدية / مصر
لوحة الغروب، ارتدت ثوب الحزن المغموس فى دم الشمس،
من الذى اتى بكل هذا الوجع الى شعره، ومن فتح أبواب الجحيم فى وجه القصائد؟
الحب هو من أشعل النار بقلبه، ونسى أن يسكب المطر،
قال لها يوما:
معذرة لحروفى لو تمردت على وصفك، وأنا الشاعر صناعتى...
امرأة من زمن الحلم
أقسى ما في الغربة أن يكون من تراه أمنيةً مستحيلة، هو نفسه الذي اعتاد آخرون حضوره، حتى صار في أعينهم عاديًا.
تلك هي المفارقة التي لم أفهمها إلا متأخرة.
أن ترى شخصًا من بعيد، فتشعر أن العالم كله قد اختصر نفسه في ملامحه، في صوته، في الطريقة التي يبتسم بها، في حضوره الذي يكفي...
كان أبي يأتي في المنام.
أحيانًا أشعر أنه أراد أن يأتي إليّ، لا لأنني كنت أناديه، بل لأنه كان يعرف أنني أحتاج إليه.
يأتي مرة، فيجلس إلى جواري، فأشعر بيده وهي تربت على كتفي، كما كان يفعل قديمًا.
وتارة أخرى لا يقول شيئًا.
فقط يطبطب عليّ.
تلك الطبطبة التي كانت تكفيني يومًا عن ألف كلمة.
كنت...
نعم، أنا كاتب سيء، سيء الصيت، سيء الصيت جداً. لو لم أكن سيء الصيت جداً، لما عُرِفتُ كاتباً.
أنا صريح جداً بالذي يخصني. لا شأن لي بغيري، وأحدّد من يرفض التعريف بنفسه كاتباً سيء الصيت جداً، وأضيف جداً، لأهميته، دون ذلك كيف في مقدور الكاتب أن يلفت الأنظار، أن يُشار إليه ليس بالبنان، وإنما بالعصا،...
كان "جمال" إبني أو "جيمي" عمره خمسة أعوام حين أخبرني أثناء زيارتنا لوالدتي بأن "يمامة" صغيرة واقفة بالشرفة قد وافقت على أن يكون صديقا لها، حيث سمحت له بأن يمسح على ظهرها الناعم، ثم استأذنني أن أسمح له بإدخال صديقته إلى داخل الشقة كي تزوره.
اعتبرت أن خيال إبني الواسع قد جعله يحكى قصة من تأليفه...
-هنا عاش أجدادك، وهناك ماتوا، ودفنوا في الجوار، كما ترى، حيث تكون مقبرة العائلة الكبيرة الدالة على عراقة البيت، وحيث البيت يُعرَف بمقبرته.
كان أبي يكرّر على مسامعي هذه الكلمة التي أصبحت مثل التعويذة وهي بكامل تهجئتها ونبرتها، وقد حفظتها عن ظهر قلب، تجاوباً مع نصيحة تراءت لي أمراً:
وجود يتوقف على...
قصة قصيرة:
صافرة الحب
بقلم محمد محمود غدية / مصر
لاتسألوا العرافة عن الطريق ؟!
فقد دأبت على بيع السراب للظمآن !
وبيع معسول الكلام
أمام لوحة الغروب،
لاتقول الصدق،
لسان الخبثاء أكثر طلاقة
فى فنون الكلام !
تبيع كحل العنوسة وحجاب لجلب الأحباب، حاذر نيرانها تضيء وتحرق وتبدد!
لم يكن مسرورا ولا...
" اِنتبه يا ولدي، أنت لا تبصر أمامك!"، تردد التحذير في أذني تماماً كما كان يحدث في طفولتي كلما أوشكتُ على الاصطدام بشيء، قبل أن تستدركني أمي مُلتقِطةً إياي لِتنقذني كعادتها من الخطر. تحذيرها ذاك استمررتُ في سماعه حتى بعد وفاتها بسنوات، حتى بعد غياب ذراعيها المنقِذتين، فصِرتُ أتلقى الضربة تلو...