الفساد في البر والبحر: حين يوقظ الله الإنسان بما صنعت يداه


ثلاث آياتٍ إذا أحسن المرء تأملها بدت له كأنها ترسم مشهدًا قرآنيًا بالغ العمق عن مصير الإنسان حين يفتتن بالقوة، ويغتر بزخرف الأرض، ويسيء استخدام ما أُوتي من علم وقدرة. آيةٌ في سورة الروم، وآيتان في سورة يونس. وفي الجمع بينها يلوح معنى مهيب: أن القرآن لا يكتفي بوصف الفساد، بل يكشف أسبابه، وينبه إلى مآلاته، ثم يفتح باب الرجوع قبل أن تستحكم النهاية
.

قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41].

وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: 24].

وقال جل وعلا في السورة نفسها: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: 22].

حين ترد كلمة الفساد إلى الأسماع، تنصرف الأذهان غالبًا إلى فساد الأفراد: إلى الرشوة، والغش، وسوء الإدارة، وانحلال الأخلاق، واضطراب السلوك. وهذا صحيح من حيث الأصل، ولكنه ليس إلا بعض المعنى، ولا يكاد يلامس أفق الآية في امتدادها المهيب. فالقرآن هنا لا يقف عند فساد الذمم وحدها، ولا عند انحراف الأفراد في معاملات الحياة، بل يفتح بابًا أوسع وأخطر وأعمق: فساد البر والبحر. إنه فساد لا يبقى حبيس النفس، بل يخرج منها إلى العالم؛ لا يفسد الإنسان وحده، بل يفسد به العمران، ويضطرب بسببه ميزان الأرض، وتختل معه دوائر الحياة.

وما أروع هذا التعبير القرآني، وما أبلغ اختياره. فلم يقل الحق سبحانه: ظهر الفساد في الناس، بل قال: ﴿فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾، وكأن الفساد قد تجاوز أصحابه، وفاض من داخل النفوس إلى اليابسة والماء، إلى مجال العيش كله، إلى الساحة الكبرى التي تتحرك فيها الحياة الإنسانية. وهنا لا يعود الأمر مجرد خطيئة فرد، بل يصبح خللًا حضاريًا، وجرحًا كونيًا، وانحرافًا يطال بنية الوجود الإنساني من حولنا.

وقد يرتكب هذا الفساد أفراد، نعم، لكن صورته الأثقل والأوسع والأشد بطشًا كثيرًا ما تكون من صنع الجماعات المنظمة، أو القوى الغالبة، أو الدول التي تمتلك من أدوات الفعل ما يجعل فسادها أوسع من حدودها، وأبعد من مصالحها، وأخطر من أن يُحصر في شعب أو إقليم. ولهذا كان فساد الدول من أفدح صور الفساد، لأن أثره لا يقف عند فاعله، بل يسري في الأرض كما تسري النار في الهشيم، فيصيب البر والبحر معًا، ويطال الناس جميعًا، بل وربما أورث أجيالًا لم تشهد الفعل نفسه آثاره وسمومه وخرابه.

لقد استخلف الله الإنسان في أرضٍ كانت في أصلها نقية، متزنة، قابلة للعمران، مهيأة للرحمة، مسخرة للحياة، ثم ابتلاه بما آتاه من عقل وقدرة وعلم. وكان مقتضى الاستخلاف أن يكون الإنسان راعيًا أمينًا، لا مالكًا متجبرًا؛ وأن يكون معمّرًا، لا مفسدًا؛ وأن يفهم أن ما بين يديه أمانة لا غنيمة، ومسؤولية لا رخصة مطلقة. ولكن الإنسان، في كثير من أطواره، لم يثبت على مقام الأمانة، بل تحول من التعمير إلى الإفساد، ومن الانتفاع إلى الاستنزاف، ومن الرعاية إلى العبث.

ومن هنا جاء النص القرآني صريحًا قاطعًا: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾. إنه إسناد المسؤولية إلى صاحبها، ونزع لكل ستار يمكن أن يختبئ خلفه الإنسان. فالفساد ليس لعنة غامضة هبطت من المجهول، وليس مصادفة كونية عابرة، بل هو في جانب عظيم منه أثر مباشر لما فعلته الأيدي، وما جنته الإرادات، وما صنعته العقول حين انفصلت عن البصيرة، والقوة حين انفصلت عن الرحمة، والعلم حين انفصل عن الأخلاق.

في البر، تتعدد صور الفساد حتى يكاد الإنسان يعجز عن إحصائها: تلوث ينهش الأرض، وتخريب يبدد الموارد، وعمارة ظاهرها القوة وباطنها الاستنزاف، وحروب تعصف بالبشر والحجر، ومواد سامة تندس في الغذاء والدواء والهواء، وجشع يلتهم الأخضر واليابس، وتقدم مادي يسير في كثير من الأحيان أسرع من ضمير الإنسان. وفي البحر، لا يقل المشهد فداحة: تسربات نفطية، ونفايات صناعية، وصراعات على الممرات والمضائق، وحروب بحرية، واعتداءات على النظم البيئية التي كانت إلى زمن قريب تبدو أبعد نسبيًا عن قبضة الإفساد البشري.

ولم يعد فساد البر والبحر في عصرنا مجرد مشهد محدود الأثر، لأن الإنسان لم يعد يمتلك أدوات بسيطة، بل صار يملك قدرة مهولة على التخريب الشامل. فالعالم اليوم محاط بمخزون هائل من القنابل النووية والكيميائية، وتنتشر فيه الصواريخ بعيدة المدى، والطائرات المتقدمة، والمسيرات الذكية، والسفن الحربية، والأقمار الصناعية، وأنظمة القيادة والسيطرة والرصد المؤتمت. ومع هذا التراكم المذهل في أدوات القوة، لم تعد الكارثة محتاجة دائمًا إلى نية شريرة كاملة؛ بل قد تكفي لحظة تهور، أو سوء تقدير، أو خلل في قراءة الموقف، أو قرار عجول، أو حتى خطأ يصدر عن منظومة ذكية لا ترحم، حتى يجد الإنسان نفسه على حافة هاوية لا تخص بلدًا بعينه، بل تهدد البشرية كلها.

وهنا تتجلى رهبة الآية. فالفساد في البر والبحر لم يعد معنى أخلاقيًا مجردًا، بل صار واقعًا تقرؤه العيون في الخرائط، والأخبار، والتقارير، والمعاناة اليومية. ولم يعد التهديد مقتصرًا على ساحة الحرب، بل امتد إلى المناخ، والغذاء، والماء، والصحة، والاستقرار الإنساني كله. إن تغير المناخ نفسه ليس إلا واحدًا من الوجوه المعاصرة لهذا الفساد؛ إذ كلما ازداد الإنسان استهلاكًا للطاقة بلا حساب، وأطلق انبعاثاته بلا ضابط، وراكم صناعاته بلا معالجة كافية لآثارها الجانبية، اتسعت دائرة الاختلال: اشتد الحر، واشتد الجفاف، واضطرب المطر، واشتعلت الحرائق، وازدادت الفيضانات، وخرجت الطبيعة عن كثير من أنماطها المألوفة، فإذا الإنسان يذوق في صحته وغذائه وأمنه بعض ما صنعت يداه.

وهنا تبدو العبارة القرآنية في منتهى العذوبة والصرامة معًا: ﴿لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾. لم يقل: ليهلكهم، ولم يقل: ليأتي عليهم جميعًا، بل قال: ليذيقهم بعض الذي عملوا. إن فيه رحمة خفية حتى في مقام الإنذار. إنه تنبيه قبل الفناء، وإيقاظ قبل الاستئصال، وإنذار قبل الطامة. كأن الله سبحانه يترك الإنسان يرى بأم عينه ما فعل، ويلمس بواقعه ما صنع، ويجد في جسده ومدينته وبيئته وأمنه طرفًا من نتائج انحرافه، لا ليقطع عنه الأمل، بل ليفتح له باب الرجوع.

ومن اللطيف في هذا السياق، من جهة التأمل في ترتيب النزول، أن سورة يونس نزلت قبل سورة الروم. ومن هذه الزاوية يلوح للقلب معنى بديع: كأن القرآن قد أشار أولًا في سورة يونس إلى مشهد الافتتان بزخرف الأرض، وإلى لحظة الوهم المهيبة التي يظن فيها الإنسان أنه صار قادرًا على كل شيء، فقال سبحانه: ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾. هنا تبلغ الحضارة لحظة الزهو، وتصل القوة إلى لحظة الغرور، وتظن الأيدي أنها أمسكت بخيوط العالم، وأن الأرض قد خضعت تمامًا لسلطانها. ثم تأتي الصاعقة في تمام المشهد: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾. إنه مشهد النهاية حين يستحيل الزخرف هشيمًا، وحين تنكشف هشاشة القدرة التي أغرت أصحابها.

ثم تأتي سورة الروم بعد ذلك، فتشير إلى أن الفساد قد ظهر فعلًا، وأن الناس قد بدأوا يذوقون بعض نتائجه، ولكن الباب لم يُغلق بعد:﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. يا له من جمال في هذا الإيقاع الإلهي. في يونس: إنذار بالمآل إذا استمر الاغترار. وفي الروم: إمهال، وتنبيه، وفرصة أخيرة قبل أن يبلغ الأمر مداه. كأن الله يقول للناس: لقد أشرت لكم من قبل إلى النهاية التي يمكن أن تؤولوا إليها إذا أخذتكم زينة الأرض ووهم القدرة، وها أنا الآن أريكم بعض آثار أعمالكم، لا لتفنوا، بل لتفيقوا؛ لا لتُغلق الأبواب، بل لتُفتح نافذة الرجوع.

وليس الزخرف مذمومًا في ذاته، فالله هو الذي أخرج لعباده زينة الأرض ومنافعها، ولكن المذموم أن يتحول الزخرف إلى فتنة بالعمران الظاهر، وإلى نسيان للهشاشة الكامنة، وإلى غرور بالقوة، وإلى اغترار بالتكنولوجيا، وإلى شعور مرضي بأن الإنسان أصبح سيد المشهد المطلق، مالك الأمر كله، لا تعلو فوق إرادته إرادة، ولا تقف في وجهه حدود. وهنا تحديدًا يبدأ السقوط، لأن الإنسان حين ينسى مقامه الحقيقي، لا يعود مستخلفًا أمينًا، بل يصبح مفسدًا متطاولًا، وحينئذ يتحول ما كان نعمة إلى نقمة، وما كان قدرة على البناء إلى قدرة على الإفناء.

وما أشد مناسبة هذه المعاني لعصرنا. فالعالم اليوم يلمع بقدر ما يرتعد. يبهر بأدواته كما يخيف بنتائجها. يبلغ من الزخرف مبلغًا لم تبلغه حضارة من قبل، ولكنه يحمل في داخله من إمكانات الانهيار ما لم تعرفه القرون الماضية. إننا نعيش عصرًا يستطيع فيه الإنسان أن يطير في الفضاء، ويرى الأرض من علٍ، ويخترق الذرة، ويعيد تشكيل المادة، ويدفع الآلة إلى أن تفكر وتحلل وتقرر، ثم يظل في اللحظة نفسها عاجزًا عن تحرير نفسه من الجشع، أو منع الحروب، أو كبح اندفاعه نحو الهاوية. وهذا هو التناقض الأعظم: أن تتسع المعرفة، ولا يتسع معها الوعي بما يكفي.

لذلك تظل هذه الآية من أبلغ آيات الإنذار الحضاري في القرآن: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾. إنها لا تتحدث عن زمان مضى وانقضى، بل عن قانون يتكرر كلما أساء الإنسان استعمال ما أوتي، وكلما خرج من مقام الاستخلاف إلى مقام الطغيان، وكلما توهم أن زخرف الأرض يعني امتلاكها، وأن القدرة عليها تعني الأمان من السقوط. غير أن الجمال الأعظم في الآية ليس في تشخيص الداء وحده، بل في إبقاء باب الدواء مفتوحًا: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.

فالرجوع هنا ليس مجرد ندم عابر، بل مراجعة شاملة للرؤية والسلوك والمسار: رجوع من العبث إلى المسؤولية، ومن الغرور إلى التواضع، ومن الاستنزاف إلى الرشد، ومن تسخير العلم في البطش إلى تسخيره في الرحمة، ومن توظيف التكنولوجيا في التهديد إلى توظيفها في عمران الأرض وحماية الحياة.

فإن رجع الإنسان، استرد معنى الاستخلاف، وعاد العالم مجالًا للعمران لا للخراب. وإن أبى إلا أن يظل مفتونًا بزخرف الأرض، مأخوذًا بوهم السيطرة، مسرفًا في الحروب، مسترسلًا في تلويث البر والبحر، فإن النهاية التي ألمحت إليها سورة يونس، ثم أنذرت بها سورة الروم قبل وقوعها الكامل، لن تكون إلا الثمرة المريرة لما صنعت يداه.

وهكذا يظل القرآن، في آيات متباعدة سورةً وزمنًا، شديد القرب من أخطر أسئلة العصر: كيف ينهار العالم؟ وكيف ينجو؟ ينهار حين يفسد الإنسان ما استُخلف فيه. وينجو حين يفهم أن القوة بغير أخلاق عطب، وأن الزخرف بغير وعي سراب، وأن الأرض ليست غنيمةً بين يديه، بل أمانة بين قلبه وضميره وربه.

وهكذا يصبح الحال حين يفسد الإنسان الأرض التي ائتمنه الله عليها.
ا.د. محمد لبيب سالم

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى