خريطة طريق

لمّا رأتني "أم محمد" بائعة الجرائد، أشارت لي أن أقترب منها؛ بل برضاء نادر وافقت أن أتجاوز الخط الأحمر الأخير- ذلك الذي لم تسمح لأحد من قبل بعبوره إليها -. ثم ردّت سلامي، وهي تعيد رزمة "الأهرام" لتنسيق تحرص عليه بشدة ؛ وألّا تخرج نسخة عن الصف، قالت ,وهي تمسح يدها في جلبابها الأسود:
"-فلان" يقرؤك السلام، مرّ بالأمس في نفس التوقيت الآن، انتظرك هنا – أشارت للرصيف المقابل لها – ولمّا لم تأتِ، غادرني بعدما أخبرني أن أذكّرك بما بينكما من قديم.

سحبت نسخة من الرزمة، نظرت للمانشيت الرئيس في الصفحة الأولى، بضجر طويتُ الجريدة، دفعت ثمنها، هممت بالانصراف.

لكنها أعادتني بلهجة عتاب، قالت:
-أبلغتك سلام من فلان، لكنك لم تعقّب؟

قلت:
" -فلان" ؟؛ لا أعرفه. لقد سمعت ما قلتِ، وجاهدت أن أعصر ذاكرتي للوصول إليه؛ غير أني فشلت.

-يقول أن بينكما ودّ يمتد لسنوات بعيدة.

ثم أخرجت من صدرها صورة صغيرة بالأبيض والأسود لشخصين، كنت أحدهما والآخر بجواري يبتسم في مرح؛ قالت:
-هو الذي يجاورك، أعطاني هذه الصورة وقال: حينما يراها سيعرفني، سيتذكرني.

أمسكتُ الصورة، قرّبتها من عينيّ، ثم باعدتها قليلًا. ارتديت نظارة القراءة، أعدتُ النظر فيها عن قرب، دقّقتُ في التفاصيل، أدرتها وبحلقتُ في الكلام المدوّن على ظهرها؛ ثم أعدتها للبائعة، قلت:
-لا أعرفه. لم أقابله من قبل.

قالت بإصرار:
-لكنه أخبرني أنه يجاورك في السكن، أن بينكما شارعًا أو شارعين وبضعة أزقة.

-لا أعرفه.

بنبرة ساخطة، قالت:
-أنا رسول، وما على الرسول إلّا تبليغ الأمانة. الرجل يقسم أنه زميلك في العمل، أن زمالتكما تعود لتاريخ تعيين واحد قبل ثلاثين عامًا وتزيد.

نظرتُ في عينيها الضيقتين، الانتفاخ الواضح أسفل جفنيهما، الأخاديد العميقة التي ترسم في وجنتيها خارطة طريق وعرة، ثم قلت لها:
-لا أعرفه.

فتحت "الأهرام" ثانية بعدما أعطيتها ظهري، وجهي للطريق، حانت منّي نظرة على الصفحة الأولى؛ لقد تغيّر المانشيت الرئيس، الأخبار تبدّلت والصور.

العجوز في الخلف، في يدها الصورة بالأبيض والأسود، وتجلدني بنظراتها.

"زي ما بقولك كده، معرفوش" ...هكذا أخبرتها في حسم..

ثم ألقيت نفسي في أقرب تاكسي أشفق سائقه عليّ.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى