وما جرى أن "صفوان" خرج من بيته وفي رقبته لافتة من الورق المقوّى، مدلاة بحبل من عنقه، مساحتها بالكاد تغطي صدره العاري، يرتدي بنطلونًا قصيرًا، أو ما يُقال عنه "شورت".
وفي يده قلم سميك السن، غليظ الخط من الحبر الأسود، راح ينادي على المارة، وبخاصة من لا يعرفهم، يقول:
-من لديه عِبرة أو عِظة أكتبها هنا، ليتقدم، أنا لا أرجو إلا الخلاص، أرغب في الفرار من "خندق ماريان".
أتعرفونه؟
هو تلك النقطة الأكثر عمقًا في المحيط - تزيد على عشرة كيلو مترات- ، لم يهبط إليها بشر من قبل ولا يستطيعون، لكني هويت إليها ذات يوم بإرادتي أو بضعفي أو بغياب عقلي؛ كان ذلك في وضح النهار.
غُصت في الخندق حتى وصلت لقاعه؛ وأنا من كنت أحسب أني أعرف العوم وأجيد الغوص، المياه باردة هناك، عتمة وظلام ووحدة قاتلة، حتى الشياطين تخشى النزول إليها وتستعيذ، من يجذبني للسطح؟
"صفوان" في بدايات عقده السادس، حتى الأمس لم يكن يبدو عليه الخرف، كما لم تقترب منه بوادر الشيخوخة كما فعلت بأبناء جيله والجيلين التاليين عليهم.
لكنه اليوم، لم يعد ما نراه منه هو ما كنا نعرفه ونألفه ونقبله منه، لقد تحوّل، تغيّر، تبدّل، حتى أصبح شاغلي الشاغل: تُرى أين ذهب "صفوان"؟
كلما التقاه أحد منّا؛ أوقفه، جذبه برفق من ذراعه أو من حبل اللافتة – حتى لا ينقطع وينفرط عقدها – وسأله:
-أين صفوان الذي نعرفه؟
لم يُجب – أبدًا عن هذا – إلا بأن يمد يده بالقلم ذي السن السميك الأسود من الحبر لكل من ينظر في عينيه، يقول في رجاء يفتُّ في القلب:
-أكتب لي أي شيء يردّني إلى نفسي.
آخر من رآهم وسألهم كنت أنا، حين أعاد عليّ – شأن غيري – السؤال، قلت له:
-تعرف عنّا أنّا قوم يجهلون الكتابة الحقّة، كما لا يعرفون كيف يقرأون؛ فما بالك بالمحيطات ومجاهلها وخنادقها؟ ثم ما دعاك إلى اللهاث وراء " ماريان وخندقها اللعين؟" بل من أين عرفت به؟ ما أو من أوصلك إلى هناك؟
قال لي في أسى:
-مسكين أنا.
قلت:
-نعم، بالفعل، مسكين أنت.
ثم ربّت على كتفه، ضبّطت وضعة لافتته حتى توسطت صدره بالتمام، تركته وهو يحاول جاهدًا أن يجذب بنطلونه لأعلى، يحافظ أن لا تسقط اللافتة لأسفل.
وفي يده قلم سميك السن، غليظ الخط من الحبر الأسود، راح ينادي على المارة، وبخاصة من لا يعرفهم، يقول:
-من لديه عِبرة أو عِظة أكتبها هنا، ليتقدم، أنا لا أرجو إلا الخلاص، أرغب في الفرار من "خندق ماريان".
أتعرفونه؟
هو تلك النقطة الأكثر عمقًا في المحيط - تزيد على عشرة كيلو مترات- ، لم يهبط إليها بشر من قبل ولا يستطيعون، لكني هويت إليها ذات يوم بإرادتي أو بضعفي أو بغياب عقلي؛ كان ذلك في وضح النهار.
غُصت في الخندق حتى وصلت لقاعه؛ وأنا من كنت أحسب أني أعرف العوم وأجيد الغوص، المياه باردة هناك، عتمة وظلام ووحدة قاتلة، حتى الشياطين تخشى النزول إليها وتستعيذ، من يجذبني للسطح؟
"صفوان" في بدايات عقده السادس، حتى الأمس لم يكن يبدو عليه الخرف، كما لم تقترب منه بوادر الشيخوخة كما فعلت بأبناء جيله والجيلين التاليين عليهم.
لكنه اليوم، لم يعد ما نراه منه هو ما كنا نعرفه ونألفه ونقبله منه، لقد تحوّل، تغيّر، تبدّل، حتى أصبح شاغلي الشاغل: تُرى أين ذهب "صفوان"؟
كلما التقاه أحد منّا؛ أوقفه، جذبه برفق من ذراعه أو من حبل اللافتة – حتى لا ينقطع وينفرط عقدها – وسأله:
-أين صفوان الذي نعرفه؟
لم يُجب – أبدًا عن هذا – إلا بأن يمد يده بالقلم ذي السن السميك الأسود من الحبر لكل من ينظر في عينيه، يقول في رجاء يفتُّ في القلب:
-أكتب لي أي شيء يردّني إلى نفسي.
آخر من رآهم وسألهم كنت أنا، حين أعاد عليّ – شأن غيري – السؤال، قلت له:
-تعرف عنّا أنّا قوم يجهلون الكتابة الحقّة، كما لا يعرفون كيف يقرأون؛ فما بالك بالمحيطات ومجاهلها وخنادقها؟ ثم ما دعاك إلى اللهاث وراء " ماريان وخندقها اللعين؟" بل من أين عرفت به؟ ما أو من أوصلك إلى هناك؟
قال لي في أسى:
-مسكين أنا.
قلت:
-نعم، بالفعل، مسكين أنت.
ثم ربّت على كتفه، ضبّطت وضعة لافتته حتى توسطت صدره بالتمام، تركته وهو يحاول جاهدًا أن يجذب بنطلونه لأعلى، يحافظ أن لا تسقط اللافتة لأسفل.