علي سيف الرعيني _|إشارات خفية !!

في بداية الرحلة، لم يكن القلق مجرد شعور عابر بل كان وطناً مقيماً في داخلي كنت أستيقظ كل صباح وكأنني أخرج من حلمٍ ناقص، تتبخر تفاصيله قبل أن أفهمه، تاركاً خلفه ثقلاً غامضاً في صدري. الطرقات التي أعرفها بدت غريبة، والوجوه التي ألفتها فقدت ملامحها الدافئة كل شيء كان يشبهني ضائعاً مترددا يبحث عن معنى لا يُرى
لم يكن الضياع صاخبا بل كان هادئاً حدّ الاختناق. كأنك تمشي في صحراء بلا عاصفة، لكنك تعلم أن لا نهاية واضحة للأفق. كنت أحمل أسئلة أكثر مما أحتمل، وأسير بها كمن يحمل ماءً في كفّيه، يتسرب منه دون أن يشعر
ثم جاء الفقد لا كحادثة مفاجئة، بل كحقيقة تسللت ببطء، حتى استقرت في أعماقي. فقدٌ لشيء كنت أظنه ثابتاً، لوجهٍ كان يمنحني الطمأنينة، أو ربما لنسخةٍ قديمة من نفسي كنت أتشبث بها. حينها، لم يكن الألم مجرد وجع، بل كان إعادة ترتيب قاسية لكل ما اعتقدت أنه لا يتغير
في لحظة ما، أدركت أنني لم أكن أهرب من الفقد، بل من فهمه. كنت أرفض أن أرى كيف يمكن للغياب أن يكون معلماً صامتاً، يعلّمك ما لم تستطع الحياة أن تقوله وأنت منشغل بضجيجها الفقد لم يأخذ مني فقط بل كشف لي أيضا
بدأت أرى الأمور بشكل مختلف الأشياء الصغيرة التي كنت أتجاهلها أصبحت ذات معنى لحظة هدوء، ضوء شمس يتسلل من نافذة، كلمة طيبة من عابر كلها تحولت إلى إشارات خفية تقول لي: الحياة لا تُقاس بما نملك، بل بما نفهم
ومع مرور الوقت، لم يعد القلق ذلك العدو الذي يطاردني، بل صار رسالة. لم يعد الضياع نهاية الطريق، بل بدايته الحقيقية. تعلمت أن التيه ليس دائماً ضلالاً، بل أحياناً هو المساحة التي نُمنح فيها فرصة أن نعيد اكتشاف أنفسنا بعيداً عن الخرائط الجاهزة
أما البصيرة، فلم تأتِ فجأة كوميضٍ خاطف، بل نمت بهدوء كجذرٍ يمتد في أعماق الأرض صرت أفهم أن الألم ليس عبثا وأن كل خسارة تحمل في طياتها بذرة وعي جديد. لم أعد أبحث عن حياة بلا فقد، بل عن معنى داخل هذا الفقد
وهكذا، لم تنتهِ الرحلة، لكنها تغيّرت لم أعد أسير هارباً من داخلي بل صرت أقترب منه أكثر. أدركت أن الإنسان لا يولد مرة واحدة، بل يولد كلما فقد شيئاً، وفهم شيئاً، وتجاوز شيئاً.
لم يكن القلق سوى الباب، ولم يكن الفقد سوى المفتاح أما البصيرة فكانت الطريق التي لم أكن أراها إلا بعد أن تعلمت كيف أمشي في العتمة!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى